العفيف الأخضر.. “محامي الشيطان” ينهي مرافعته أمام قاضي الموت

العفيف الأخضر.. “محامي الشيطان” ينهي مرافعته أمام قاضي الموت

يوم الجمعة الماضي مات العفيف الأخضر. لم يــنْــتِــهِ كما تسقط أوراق الخريف الفارغة من نسغ الحياة، وإنما كما تموت الأشجار واقفة. لم ينتظر أن يدهـمــه الموت في طريق المصادفات العمياء، ولكنه حمل روحــه بين يديـه وأعوامه الثمانين وذهــب إليــه. اختار أن يواجهه بنفس الشجاعة الفكرية النادرة، التي عاش يواجه بها العالم من حوله ويعارك نفسه في مرآة نفسه. اختار أن يضع بيديه حــدا لحياته في البيت الباريسي، الذي آواه كل عمر اغترابه المشحون بالقسوة والألم، ورغم فشل محاولة انتحاره، إلا أنه قضى بعد أيام منها متأثرا بتداعياتها على صحته المعلولة منذ إصابته بالسرطان وبشلل جزئي عام 2003.
لم يُطق الأخضر آلامه وقد احتقنت في جسده إلى حد لا يطاق، وملكت عليه وجوده ولم تعد تترك له من نفـس للحياة. تناول علبة أدوية عن آخرها ومضادا للقيء وبعض الكحول المهدىء ثم رحل دون وجع. هو نفسه كتب هذه الوصفة المختلفة عن سيناريوهات الانتحار الأخرى، التي لا تحمل أدني احترام للجسد. هكذا اختار “محامي الشيطان” كما وصف نفسه يوما، أن يجعل موته أمثولة. درسا آخر في الاختيار. ألم يعلن انحيازه لمشروع “قانون الانتحار بمساعدة طبية” لمن «شاء أن يخرج من هذا العالم، الذي جاء إليه بمحض صدفة بيولوجية» بتعبيره؟
كأنه كان يتمثّـل قولة عبد الكبير الخطيبي الشهيرة «موتك يدل عليك». وها هو “غيابه كله شجر”.. أثـر يفضي إليه. بدءا من الاختيار الحر لطريقة الحياة إلى الاختيار الحر لطريقة الممات. حرية ظل العفيف يستهدي بها في عالم عربـي مغلول في ثقافة الوصاية والمنع مــوّار بالانجرفات والفجائع والانتكاسات. واختيار في أن يكون كما يريد بقي يدافع به عن استقلاليته وقتما ضاقت عليه دائرة الحجر المذهبي هو الذي جرب كل الإيديولوجيات عن إيمان حتى أنه كان يقدم رأسه ثمنا لها.
آمن الأخضر في شبابه بالحلم الناصري وخلطه بالالتزام السارتري ليعبر خفيفا رلى الماركسية. وقد بـدا أحد أشرس المنافحين عن حلم الثورة. من تونس، حيث أفلت من الإقامة الجبرية، التي فرضها عليه بورقيبية أواخر الخمسينيات، إلى جزائر بنبلة. كان الخطو في سعة حلم بتغيير العالم كله. وكان اللقاء بشي غيفارا في بلد المليون شهيد حيث رتب له لقاء مع المغدور “أبو جهاد”. إلا أن الانقلاب العسكري لبومدين عجّل برحيل آخر نحو جهات المستحيل. عبور صادم بالمعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية كان كافيا ليخلخل يقينه بالحلم الماركسي. وحتذي يهرب من قدره الآتي التحق العفيف بالفصائل الفلسطينية الموزعة بين الأردن وبيروت ليكون منظّــر الثورة الفلسطينية وجترح شعاراتها الصادحة «كل السلطة للمقاومة»، «كل السلطة للمجالس»…
كانت بيروت منتصف السبيعينات على موعد مع حرب بلا هوادة ضد نفسها. كانت على ميعاد مع دمارها الذاتي. لم يقتنع الأخضر بمبررات اليسار في خوض حرب أهلية قذرة. كان وقتها قد فتح النار على الأحزاب الشيوعية العربية. أبعد من هذا، وصم الصين والاتحاد السوفياتي بالأمبرياليتين. ولم تغفرها له أي جهة. اليسار بكل أطيافه والقوميون. وهو ثابت على رأيه في وجه اتهامه بالعمالة للألمان والأمريكان والفوضوية والعدمية والانحياز لليمين والرجعية…
وفعلا، كان العفيف يحمل فوضاه ويقذف بها في وجه الآخرين. كان يؤصل نشيده مع معنى يأتى من جهة المستقبل. يعتلي رؤياه ليتوحد أكثر مع أفقه.. ليكون هو كما يرى نفسه، ورقة الممكن المرمية مثل نرد في وجه الريح.. بيد أن ما كان يأتي يصيبه بالخيبات دون أن يبلوه بالانتكاس. فهذا الفكر النقدي الذي عاش اصطخاب قرن عربي من الأفكار الثورية والإيديولوجات الرجراجة كان يحمل يقينه مثلما يحمل روحا روضها على التبصر والنفاذ. كان عاريا كالحقيقة، التي يجأر بها غير حاسب حساب أحد.لا اكتراث.  لا لباقة، لا تحفظ. لسان لاهب مثل السوط، وروح تمر كعاصفة.
هجرة العفيف أواخر السبعينيات إلى باريس حيث اختار أن يقيم ما تبقى له من عمر كان بداية أخرى في مدار الولادات الكثيرة التي عاشها هذا المفكر الحر. في كل مرة كان يولد من نفسه. وفي نقده المتواصل للنظريات والإيديولوجيات التي كان يتبناها كان الأخضر ينقض نسيجه ليعيد حياكته وفق ناموس التطور ومنطق الحياة المتغير باستمرار. ومن مدافع عن الماركسية إلى ليبيرالي بدا رجل انقلابات بامتياز لا تعوزه الشجاعة الفكرية في التخلي عما أثبتت شواهد التاريخ أنه لم يكن إلا حلما طوباويا أو نزعة دوغمائية.
إلا أن “محامي الشيطان” ظل متشبثا بأصول الحياة في فكره وقناعاته العميقة. حريته التي لا تُساوم. واستقلاليته المقدسة. ودفاعه الشرس عن العلمانية والتنوير والمدنية المشبعة بروح إنسانية. ودون أن يهادن الرأسمالية، عدوه اللدود الأول، سيكرس حياته في باريس لنقد الفكر “الظلامي” وإسقاط الأقنعة عن وجوه الدجل الأصولي. وكعادته حين يحمل على القبح، اجترح العفيف قاموسا نقديا جارحا في تعاطيه مع إيديولوجيا الإسلام السياسي يوازي نقده العميق لطروحاته. وكان أول من استعمل عبارة “تجفيف منابع الإرهاب” إثــر أحداث 11 سبتمبر.
موته يدل على حياته. صاخبا عاش وملء الصخب رحل. سيرة مفكر كان الفقر “رفيق دربه” كما كان يحلو له أن يردد. لم يبع أفكاره ولا تاجر بقناعاته. حرا عاش وحرا مات. وصيته تدل عليه. وهو أوصى ألا يُطمر جثمانه كما على الطريقة الإسلامية في أي مدفن. أوصى أن تُحرق جثته ويُنثر رمادها في إحدى حدائق عاصمة الأنوار. فيما فكره سيبقى حيا فيما ترك من كتب، وآخرها «من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ» الذي سيصدر عن منشوارت الجمل.

Bookmark and Share

Comments are closed.

صورة اليوم

ريشة العربي الصبان