هل تكون حكومة فاطمة الزهراء المنصوري حكومة ترسيخ الخيار الديمقراطي وتحقيق الوثبة المنتظرة في مغرب صاعد؟ سؤال لا ينبغي اختزاله في تركيب الأغلبية أو توزيع الحقائب الوزارية، لأن التحول السياسي الذي يعيشه المغرب يطرح مسألة أعمق: هل انتقلت البلاد من مرحلة النضال من أجل تثبيت الديمقراطية إلى مرحلة بناء الشروط الاجتماعية والثقافية التي تجعل الديمقراطية منتجة للتقدم؟
لقد ارتبط جزء أساسي من التاريخ السياسي المغربي الحديث بتجربة الكتلة الديمقراطية التي تشكلت في بداية تسعينيات القرن الماضي في سياق كان مطلب الإصلاح الدستوري وتوسيع المجال الديمقراطي وضمان نزاهة الانتخابات وتقوية المؤسسات المنتخبة في صلب الصراع السياسي. كانت المعركة آنذاك هي جعل الديمقراطية قاعدة مقبولة لتنظيم التنافس السياسي، وفتح المجال أمام انتقال تدريجي من منطق الصراع حول شرعية المشاركة إلى منطق المشاركة في تدبير الدولة.
واليوم أصبح الاختيار الديمقراطي، بعد دستور 2011، أحد الثوابت الدستورية للمملكة. ومن هنا تتغير طبيعة السؤال. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالدفاع عن الديمقراطية كمبدأ، بل ببناء المجتمع القادر على جعلها فعالة في الحياة اليومية. فالديمقراطية لا تنتج آثارها بمجرد تنظيم الانتخابات، بل تحتاج إلى بنية تحتية اجتماعية وثقافية حداثية تحملها وتحميها.
وهنا يمكن الحديث، بالمعنى السوسيولوجي وليس بالمعنى الحزبي الضيق، عن ضرورة الانتقال من الكتلة الديمقراطية إلى الكتلة الحداثية.
فالكتلة الديمقراطية كانت وظيفتها التاريخية الدفاع عن حق المجتمع في الديمقراطية، أما الكتلة الحداثية فوظيفتها المفترضة هي توفير الشروط التي تجعل هذه الديمقراطية أداة للتحرر الاجتماعي والتنمية والصعود الجماعي. إنها كتلة المدرسة العمومية الجيدة، والجامعة المنتجة للمعرفة، والمرأة الحاضرة في القرار، والشباب القادر على الصعود الاجتماعي، والإدارة التي تعتمد الكفاءة، والاقتصاد الذي يكافئ العمل والإبداع بدل الامتياز والريع.
بهذا المعنى، لا ينبغي فهم الحداثة باعتبارها قطيعة مع هوية المجتمع أو ثوابته، وإنما باعتبارها بناءً مؤسسياً واجتماعياً يجعل الاستحقاق والكفاءة والمساواة وسيادة القانون والعقلانية في تدبير الشأن العام أسساً لتنظيم المجتمع.
ومن هنا تكتسب حكومة المنصوري دلالة تتجاوز كون امرأة تتولى رئاسة الحكومة لأول مرة في التاريخ المغربي. فالرمزية مهمة، لكنها ليست كافية. الاختبار الحقيقي سيكون في القدرة على الانتقال من حداثة الرموز إلى حداثة البنيات.
فلا يكفي أن تصل المرأة إلى قمة المسؤولية السياسية إذا ظلت نساء كثيرات خارج سوق العمل أو بعيدات عن دوائر القرار. ولا يكفي الحديث عن الشباب إذا ظلت المدرسة عاجزة عن أداء وظيفة المصعد الاجتماعي. ولا تكفي المؤسسات التمثيلية إذا شعر المواطن بأن صوته لا يغير واقعه الاقتصادي والاجتماعي.
إن الديمقراطية القوية تحتاج إلى مواطن قوي اجتماعياً: متعلّم، مستقل اقتصادياً، قادر على الاختيار، واثق في المؤسسات، ومقتنع بأن القانون يطبق على الجميع وأن الجهد والكفاءة يمكن أن يغيرا موقعه داخل المجتمع.
لهذا قد يكون الرهان الحقيقي أمام حكومة المنصوري هو الانتقال بالمغرب من التحديث المادي إلى التحديث الاجتماعي. لقد حقق المغرب خلال السنوات الماضية تحولات كبيرة في البنيات التحتية والاستثمار والنقل والصناعة والطاقات والمشاريع الكبرى؛ لكن الوثبة المقبلة ترتبط بمدى القدرة على بناء الإنسان والمؤسسة بالسرعة نفسها.
المغرب الصاعد لا يُبنى فقط بالموانئ والطرق والقطارات والمصانع، بل كذلك بمدرسة تصنع الكفاءة، وجامعة تنتج المعرفة، وإدارة تكافئ الاستحقاق، وعدالة تضمن المساواة، ومؤسسات سياسية تستعيد الثقة.
ومن هنا يمكن صياغة التحول التاريخي في معادلة واضحة: الكتلة الديمقراطية ناضلت من أجل تثبيت الخيار الديمقراطي، أما المرحلة الجديدة فتحتاج إلى كتلة حداثية تجعل هذا الخيار منتجاً اجتماعياً وتنموياً.
وإذا استطاعت حكومة المنصوري أن تربط الديمقراطية بالاستحقاق، والحداثة بالعدالة الاجتماعية، والتنمية بصعود الطبقات الوسطى، فقد تتحول المرحلة من مجرد تعاقب حكومي إلى لحظة انتقال في بنية المجتمع المغربي: من مغرب يرسخ الديمقراطية دستورياً إلى مغرب يجعل الديمقراطية والحداثة محركين لوثبته الحضارية والتنموية.
