ثورة ملك وشعب جديدة من أجل الوطن والنساء

بواسطة الأربعاء 7 أكتوبر, 2026 - 13:15

لا يختزل التعيين الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري في شخص رئيسة الحكومة الجديدة، ولا في الانتماء الحزبي أو النتائج الانتخابية، بل يعكس تحولا عميقا في بنية التفكير السياسي والاجتماعي بالمغرب، ويؤكد أن تمكين النساء من مواقع القرار لم يعد مطلبا مؤجلا، وإنما أصبح جزءا من مسار وطني تقوده الإرادة الملكية، وتدعمه التحولات المجتمعية، وتكرسه الكفاءة والشرعية الانتخابية والاستحقاق الديمقراطي.

تعيين امرأة لرئاسة الحكومة وانتصار المنهجية الديمقراطية

انتهت الانتخابات التشريعية، وبدأ بعدها مباشرة مسلسل التنبؤات والتأويلات بخصوص من سيتم تعيينه رئيسا للحكومة.

حاولت القوى المحافظة القيام بهجوم استباقي، رغبة منها في إقصاء السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رغم أنها منسقة الحزب المتصدر للانتخابات.

وانقسم هذا التيار، الذي للأسف أصبح يخترق حتى جزءا ممن كانوا محسوبين على القوى الديمقراطية، إلى فريقين. فريق كان واضحا في دوافعه المعادية للنساء، وهو الفريق الذي أشهر ورقة نصوص دينية، وأخرجها من سياقها التاريخي، وبنى عليها أحكاما «شرعية» لا علاقة لها بصريح دلالات النصوص المؤسسة في الإسلام، قرآنا وسنة، فقال بـ«حرمة» تولية النساء مطلقا أي منصب يكن فيه محل قيام بواجب المسؤولية.

وفريق حاول أن يخفي «ميزوجينيته» خلف ادعاءات الكفاءة والتجربة، اللتين يدعي افتقاد منسقة الحزب المتصدر للانتخابات لهما، في حين لم يقدم هذه الادعاءات إبان المناقشات التي أعقبت تصدر حزب العدالة والتنمية للانتخابات سنتي 2011 و2016، أو حزب التجمع الوطني للأحرار سنة 2021.

مع العلم أن السادة عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، وعزيز أخنوش لم يسبق لهم أن دبروا شؤون أي جماعة من الجماعات الترابية قبل تعيينهم رؤساء للحكومة، فيما دبرت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري شؤون واحدة من أهم المدن المغربية «مراكش»، ولولايتين متتابعتين.

الذين منحوا ثقتهم لحزب الأصالة والمعاصرة خلال هذه الانتخابات كانوا يدركون أن امرأة تترأسه وتمثله، وكانت هذه المرأة حاضرة بقوة في أغلب تجمعاته الخطابية، وبالتالي كانوا، وهم يصوتون للحزب، يضعون في احتمالهم إمكانية تعيينها رئيسة للحكومة.

وقبل ذلك، حين كان أهل مراكش يختارون عمدة لمدينتهم في ولايتين متتابعتين كانوا يعرفون بأنهم يختارون امرأة مقتدرة لتدبير شؤون مدينة كانت في يوم من الأيام عاصمة للمغرب زمن المرابطين والموحدين والسعديين.

ومن الأدلة على ذلك، الاحتضان الشعبي للكثير من النساء اللواتي كن وكيلات اللوائح المحلية في هذه الانتخابات، وفي دوائر تقدم في العادة على أنها محافظة بحكم غلبة الطابع البدوي عليها: تارودانت الجنوبية، والعرائش، وبني ملال.

ولذلك يصدق القول أن الصناديق الانتخابية حملت في محطتها الأخيرة ثورة شعبية مواطنة لصالح التمكين السياسي للنساء.

فهل بعد هذا كان يمكن لعاقل أن يتوقع غير تكليف جلالة الملك امرأة تقود حزبها المتصدر للانتخابات بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة؟

إن التفاعل الإيجابي، كما كان دائما، للملك مع الاختيارات الشعبية لم يكن مرده فقط احترام الإرادة الشعبية، بل كذلك موافقته للمشروع الملكي الرامي إلى أن تكون تنمية البلد متسقة مع تحديث بناه الاجتماعية والثقافية.

بل يمكن القول دون مواربة أن الملك هو قائد هذه الثورة المواطنة الهادئة.

المنصوري.. مسار سياسي وتدبيري نحو رئاسة الحكومة

لم تأت فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة من فراغ، بل جاءت بعد تجارب سياسية وتدبيرية لافتة. فضلا عن كونها عمدة لمدينة بحجم مراكش لولايتين متتابعتين، عرفت خلالهما المدينة تنظيم أحداث وطنية ودولية كبرى، كما شهدت تداعيات زلزال الحوز المدمر، ومع ذلك جدد المراكشيون الثقة فيها، من خلال تصدرها نتائج التصويت في الدائرة الانتخابية التي ترشحت بها.

فقد ترأست كذلك واحدة من أهم الوزارات المفصلية في الولاية الحكومية السابقة، متمثلة في وزارة الإسكان والتعمير وسياسة المدينة، وهي الوزارة التي يتقاطع عملها مع عديد الوزارات والمؤسسات الأخرى، وتشتغل إلى جانب الكثير من المتدخلين المؤسساتيين والمدنيين، وقد قادتها بجدارة وكفاءة وقدرة كبيرة على الإنصات والتحاور والبحث عن الحلول ومواجهة الأزمات.

وهذه الخصال هي نفسها التي جعلتها تنجح في مهماتها الحزبية. فقبل أن تكلف بمهمة تنسيق القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي عرف هزات تنظيمية متتالية على مستوى قيادته التنفيذية، كانت رئيسة للمجلس الوطني الذي ظل في عهدتها بعيدا عن التجاذبات والصراعات التي كادت، في مرحلة ما، أن تشل الحزب وتعجل بنهاية مشروع حزبي كانت له مبرراته الموضوعية في السياق المغربي.

لقد تمكنت فاطمة الزهراء المنصوري، من خلال هذه التجارب المتعددة، من بناء رصيد سياسي وتدبيري جعلها تجمع بين الشرعية الانتخابية، وشرعية الإنجاز، والقدرة على تدبير المؤسسات والأزمات.

فهي لم تصل إلى رئاسة الحكومة من خارج المسار السياسي، بل جاءت إليها بعد تجربة ميدانية داخل الجماعات الترابية، وتجربة حكومية، ومسؤوليات حزبية، فضلا عن حضور انتخابي قوي جعلها تحظى بثقة المواطنين.

أهل المدينة الذين يفتخرون بالإرث الديني والعلمي للمدينة، كونها تضم أضرحة سبعة من كبار رجال التصوف والفقه والعلم بالشريعة في الغرب الإسلامي، هم أنفسهم الذين أشاحوا بوجوههم السمحة عن دعاوى التأويل المغرق في الرجعية لحديث «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، والذي قيل في سياق خاص مقيد، لا يفيد في بناء حكم على مقتضاه.

إن ما سبق يعني تحولا عميقا في اتجاهات التفكير عند المغاربة بخصوص أهلية النساء لتولي مناصب المسؤولية، وهي الاتجاهات التي يجب الإنصات لها بانتباه من طرف صانعي السياسات ومدبري الأحزاب السياسية.

فالمغاربة لم يعودوا ينظرون إلى المرأة باعتبارها مجرد مستفيدة من التمثيلية الرمزية، بل أصبحوا يرون فيها فاعلة سياسية قادرة على تدبير الشأن العام، وقيادة المؤسسات، وتحمل المسؤولية، وصناعة القرار.

الأفق الملكي لتمكين النساء وتحولات المجتمع

لقد اختار الملك في بدايات حكمه الراحلة زليخة نصري لتكون ضمن طاقم مستشاريه، ولم تمر، رحمها الله، في مهماتها مرور الكرام، بل كانت وجها بارزا من وجوه الملكية الجديدة، وخصوصا من خلال الأوراش الاجتماعية التي شكلت ميسما من مياسم حكم محمد السادس، الذي كان منحازا للفئات الهشة والمقصية والمنسية، ولذلك حرص جلالته على أن تكون المرحومة زليخة نصري مرافقة له في كل جولاته بربوع المملكة.

وهذه القناعات المولوية بضرورة التمكين السياسي للنساء هي التي تؤطر اختيارات الملك بخصوص المناصب السامية التي يخول له الدستور صلاحية التعيين فيها.

وهكذا نجد اليوم أن أغلب المؤسسات الوطنية الدستورية تقودها نساء: السيدة زينب العدوي رئيسة للمجلس الأعلى للحسابات؛ السيدة رحمة بورقية رئيسة للمجلس الأعلى للتعليم؛ السيدة لطيفة أخرباش رئيسة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وقد خلفت في هذا المنصب سيدة أخرى هي أمينة المريني؛ والسيدة أمينة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

هذا فضلا عن تعيين العديد من النساء في مناصب السفراء والولاة والعمال بنسبة غير مسبوقة في تاريخ المغرب الحديث، وغير مسبوقة كذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل إنها تضاهي وتتفوّق حتى على العديد من الدول الأوروبية التي تنص تشريعاتها على المناصفة.

وهذه الفلسفة الملكية واجهت بهدوء وصبر وذكاء، ومراهنة على الزمن وتغيراته وأحكامه، الأصوات الرجعية التي كانت تحاول الاستناد إلى تأويلات متطرفة للمتون الدينية من أجل وقف مسيرة النساء نحو المساواة الفعلية والناجزة.

وهكذا وظف جلالة الملك شرعيته الدينية، باعتباره أميرا للمؤمنين، في الانحياز للنساء ومطالبهن العادلة والمشروعة، اقتداء بنهج جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، القائل إن النساء شقائق الرجال، وبأنهن لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم، فكان جلالة الملك محمد السادس كريما سليل الكرماء.

لقد عين جلالته نساء عالمات في المجلس العلمي الأعلى، الذي يمثل الواجهة العلمية والشرعية لإمارة المؤمنين، وكان وراء تقديم نساء لدروس حسنية رمضانية في مجالس يتصدرها الملك والأمراء، ويحضرها العديد من علماء الأمة من سائر أقطار العالم الإسلامي.

وكانت عالمة الدين المعروفة بانفتاحها، رجاء ناجي المكاوي، أول من اختارها لتقديم مثل تلك الدروس، ثم سمح جلالته للنساء باقتحام مهنة «العدول» التي كانت تاريخيا حكرا على الرجال، والتي لا تزال كذلك في كل الأقطار الإسلامية.

إن هذا المسار يعكس إرادة واضحة في إعادة تعريف موقع المرأة داخل الدولة والمجتمع، ليس باعتبارها موضوعا للسياسات العمومية فحسب، بل باعتبارها شريكة كاملة في صناعة القرار، ومساهمة في تدبير المؤسسات، وصاحبة أهلية للاضطلاع بأعلى المسؤوليات.

ولهذا، فإن تعيين الملك اليوم للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة متساوق ومنسجم مع المنهجية الديمقراطية، ويتوج كذلك مسارا طويلا وشاقا لنضال النساء من أجل المساواة الفعلية والمناصفة والتمكين السياسي. كما يتوج تحولات قيمية وثقافية داخل المجتمع لصالح الإيمان بحقوق النساء وأهليتهن، ويتوج أخيرا جهود الملك للارتقاء بمكانة النساء داخل المجتمع والدولة.

لذا يصح القول أننا إزاء ثورة ملك وشعب جديدة من أجل الديمقراطية وحقوق النساء.

آخر الأخبار

تحت الرعاية السامية لجلالة الملك.. انطلاق الدورة الثامنة لمعرض مراكش الدولي للطيران
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصر الله وأيده، تنعقد الدورة الثامنة لمعرض مراكش الدولي للطيران (MAS) في الفترة الممتدة من 7 إلى 10 أكتوبر 2026 بالقاعدة الجوية للقوات المسلحة الملكية بمراكش. وتنظم هذه النسخة من طرف “جمعية معارض الفضاء والطيران والدفاع” (ASSAD) بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، ووزارة النقل واللوجستيك، وإدارة الدفاع الوطني، والقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، وبدعم […]
بالصور: مراكش تجمع وفودا عسكرية ومدنية رفيعة المستوى في معرض الطيران الدولي
تقرير «أمنستي» عن المغرب: من غياب المصداقية إلى متاهة التسييس: بيغاسوس .. شهادة مجهولة واتهام بلا دليل
قدمت «أمنستي» تقريرها حول ما تصفه بمنظومة واسعة للمراقبة الرقمية في المغرب، وقالت إنها استهدفت صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وهي اتهامات خطيرة لا يجوز التهوين منها، لكنها لا تصبح حقائق محسومة لمجرد صدورها عن منظمة دولية. فالمصداقية الحقوقية لا تقاس بحدة اللغة ولا باتساع دائرة الاتهام، بل بوضوح الأدلة ودقة الإسناد والتمييز بين الوقائع […]