قدمت «أمنستي» تقريرها حول ما تصفه بمنظومة واسعة للمراقبة الرقمية في المغرب، وقالت إنها استهدفت صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وهي اتهامات خطيرة لا يجوز التهوين منها، لكنها لا تصبح حقائق محسومة لمجرد صدورها عن منظمة دولية. فالمصداقية الحقوقية لا تقاس بحدة اللغة ولا باتساع دائرة الاتهام، بل بوضوح الأدلة ودقة الإسناد والتمييز بين الوقائع الموثقة والشهادات والاستنتاجات.
لم يعد تقرير منظمة العفو الدولية الأخير عن المغرب مجرد عرض لمعطيات حقوقية، فقد بنى اتهامات ثقيلة على رواية شخص مجهول الهوية تطلق عليه المنظمة اسم «السفير»، ثم وسّع دائرة استنتاجاته لتشمل مؤسسات وطنية ووقائع لا يثبت الدليل المنشور حلقاتها بالوضوح الكافي.
وفي قضايا تمس سمعة بلد ومؤسساته وحقوق أشخاص، لا تكفي الثقة باسم المنظمة ولا الصفة المفترضة للمصدر؛ بل المطلوب أدلة قابلة للفحص، وإسناد دقيق، وفصل صارم بين ما ثبت وما رُوي وما استُنتج. ومن هنا تنطلق هذه القراءة النقدية، بلا مجاملة للتقرير أو حصانة للمصدر.
«سفير».. مصدر مجهول لا يكتسب الحصانة من المراجعة
يعتمد جانب مهم من الرواية على شهادة شخص تطلق عليه «أمنستي» اسم «سفير»، وهو مجهول الهوية، وتقول إنه موظف سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. ولا يستطيع القارئ التحقق بصورة مستقلة من هويته الحقيقية، أو طبيعة عمله، أو موقعه داخل الجهاز، أو مدى اطلاعه على العمليات التي يرويها. وتقول المنظمة إنها قارنت جوانب من شهادته بمصادر أخرى، لكنها لا تفصل بما يكفي بين ما تأكد بأدلة مستقلة وما بقي معتمداً على روايته.
هذه ليست ملاحظة شكلية؛ فالمصدر يقدم رواية واسعة عن التنصت والتسجيلات السرية والهواتف المخترقة ومقاهي الإنترنت والكاميرات والمراقبة في أماكن عامة وخاصة. لا يكتسب السفير حصانة من التدقيق لأنه يقدم نفسه بوصفه موظفاً سابقاً، ولا تتحول روايته إلى حقيقة مكتملة لمجرد أن بعض تفاصيلها قد تقاطعت مع وثائق أو مصادر أخرى.
المطلوب أن يوضح التقرير لكل ادعاء ما شاهده المصدر مباشرة، وما نقله عن غيره، وما استنتجه، وما أمكن التحقق منه بصورة مستقلة. أما جمع هذه المستويات في سرد واحد، ثم تقديمها للقارئ كأنها سلسلة متينة، فيضعف قيمة التقرير ولا يعززها.
من القدرة التقنية إلى إثبات الاستخدام والمسؤولية
في ملف «بيغاسوس»، يجب الفصل بين العثور على آثار اختراق في هاتف، وبين تحديد الجهة التي نفذت الهجوم؛ فالإصابة تقنياً تختلف عن ربطها ببنية هجومية معينة، وهذا يختلف عن تحديد زبون شركة «إن إس أوه». ولكل مرحلة أدلتها المطلوبة لإثبات أن جهازاً أمنياً بعينه استخدم البرنامج ضد شخص معين.
وفي المادة التي أوردتها أمنستي عن المراقبة الجماعية، نسب المصدر إلى شركات الاتصالات الاحتفاظ بالمكالمات وإتاحتها للسلطات من دون إذن قضائي مسبق، ويقول إن كل شيء مسجل تلقائياً وموجود في قاعدة بيانات خاصة. هذا ادعاء بالغ الخطورة والاتساع، ولا يكفي لإثباته نقل كلام المصدر أو إيراد وصف تقني لأداة مراقبة؛ فإثباته يتطلب سجلات تشغيل وبيانات عن طبيعة ما يجري الاحتفاظ به، ومدته، والجهات التي تصل إليه، وآثار طلبات الولوج، فضلاً عن تحقق مستقل من شركات الاتصالات والجهات المعنية.
كما أن الإشارة إلى نظام «Reliam» التابع لشركة «Verint»، أو إلى تقنية فحص الحزم العميق لا تثبت وحدها أن جميع المكالمات تسجل فعلاً أو أن محتواها متاح بلا إذن قضائي؛ فوجود أداة تقنية أو اقتناؤها يثبت في أحسن الأحوال وجود قدرة محتملة أو تعامل تجاري، أما كيفية استخدامها ونطاقها، ومن يملك صلاحية تشغيلها، وما إذا كانت تشمل محتوى المكالمات أو بيانات أخرى، فتحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة. وكذلك فإن الإشارة إلى حالات سابقة تتعلق باستخدام شبكات اتصالات لتسهيل هجمات عبر حقن البرمجيات لا تثبت تلقائياً حصول ممارسة عامة ومستمرة تشمل كل المكالمات أو كل المشتركين.
وينبغي التعامل بالصرامة نفسها مع الوثائق التجارية؛ فوجود عقد أو تقرير علاقة مع شركة تبيع تقنيات المراقبة قد يثبت شراء أداة أو التعامل مع مورد، لكنه لا يثبت وحده كيف استخدمت الأداة، ولا ضد من، ولا ما إذا كان استخدامها قانونياً. وقد أشار التقرير إلى أن Verint تخلت عن خط أعمال معين سنة 2021، وإلى قول Memento Lite إنه لا يوجد لديها عقد نشط مع أي وكالة مغربية، فيما لم ترد شركات أخرى. وهذه المعطيات لا تسوغ استنتاجاً قاطعاً بشأن استمرار العلاقات أو انتهائها، كما أن عدم رد شركة لا يشكل دليلاً على استمرار نشاطها.
لا دليل منشور على استمرار «بيغاسوس» بعد 2021
تتعلق المعطيات التي تعرضها «أمنستي» بشأن استخدام «بيغاسوس» ضد ناشطين وصحافيين بالفترة الممتدة بين 2017 و2021، ولم يقدم التقرير دليلاً جديداً منشوراً يثبت استمرار استخدام البرنامج بعد خريف 2021. لذلك لا يصح توظيف الوقائع التي تعود إلى تلك السنوات لإثبات أن البرنامج يُستخدم في المغرب اليوم.
وفي المقابل، فإن غياب دليل منشور على الاستخدام بعد 2021 لا يثبت وحده توقفه، لكنه يفرض على التقرير ووسائل الإعلام الالتزام بما تثبته المادة المتاحة، وعدم توسيعها زمنياً إلى الحاضر من دون سند. فإثبات استخدام سابق لا يثبت الاستمرار، كما أن إثبات اقتناء تقنية لا يثبت استخدامها ضد شخص معين أو مخالفتها للقانون، أو الجهة التي أمرت بذلك.
اختبار الأدلة والمنهجية
من نقاط الضعف الجوهرية أن القارئ والخبراء المستقلين لا يملكون بالضرورة الوصول إلى كامل المواد التي اعتمد عليها التقرير، مثل الأجهزة وسجلات الشبكة ومؤشرات الاختراق والطوابع الزمنية والبنية التقنية وسجلات الشركات. قد تفرض حماية المصادر والضحايا حجب بعض المواد، لكن ذلك لا يعفي المنظمة من شرح منهجية التحقق، وتحديد ما خضع لفحص مستقل، وما تعذر فحصه، ودرجة اليقين في كل استنتاج.
إن التعامل مع الرقم بوصفه عدد الضحايا المؤكدين يخلط بين الاستهداف المحتمل والإصابة الفعلية، ويحمل البيانات ما لا تثبته. كما أن استنتاج أن الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان كانوا «أهدافاً ذات أولوية» يظل مرتبطاً بحدود قاعدة البيانات وطريقة تحليلها. فالتقرير لا يقدم للقارئ صورة كاملة عن حجم السجلات الأصلية، ومدى اكتمالها، وعدد الأرقام التي تعذر تحديد أصحابها، أو ما إذا كانت الأرقام المعروفة تمثل مجمل الأهداف أم الجزء الذي أمكن التعرف إليه. وفي غياب هذه التفاصيل، لا يجوز تقديم الاستنتاج الإحصائي باعتباره حقيقة بسيطة منفصلة عن العينة التي بُني عليها.
والتقارير الحقوقية الجادة تقتضي مقارنة الروايات وإتاحة فرصة حقيقية للطرف المعني للرد قبل النشر، والتمييز الواضح بين الوقائع والادعاءات والاستنتاجات. وإذا لم ترد جهة معنية على طلب التعليق، فإن عدم الرد لا يثبت صحة الاتهام بذاته، مثلما لا يدحضه، إنه معطى ينبغي عدم تحويله تلقائياً إلى قرينة إضافية على الإدانة.
لكن بعض التغطيات التي أعقبت التقرير خلطت بين هذه المستويات، فانتقلت من الاحتمال إلى الحكم، ومن شهادة شخص مجهول الهوية إلى اتهام شامل لمؤسسات الدولة. وهذا انزلاق مهني يضعف صدقية المعالجة، ويجعل التقرير نفسه عرضة للتوظيف السياسي؛ فخطورة الاتهامات تفرض مزيداً من التحفظ والدقة، لا إطلاق الأحكام بالجملة.
ربط المراقبة بالتشهير يحتاج إلى إثبات
يربط التقرير بين المراقبة وحملات التشهير ونشر مواد خاصة عن أشخاص. وهذا الربط، مهما بدا محتملاً، لا يصبح مثبتاً بمجرد تزامن الوقائع أو طبيعة المحتوى؛ فنشر مادة خاصة عن شخص في وسيلة إعلام لا يثبت وحده أن جهة ما راقبته وحصلت على المادة ثم نقلتها إلى الوسيلة التي نشرتها. كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى دليل يثبتها.
وتوضح واقعة (ف / ع) هذا الخلل؛ فالتقرير يتحدث عن تعرضها لفيديو خاص، وعن استنتاجه أنه صُوّر سراً، وعن احتمال وجود جهاز داخل مكيف الهواء، ثم ينقل عن «سفير» أن الواقعة تشبه حالة نموذجية لعملية تنفذها المديرية العامة. لكن وجود الفيديو لا يثبت مكان تصويره، واستنتاج المعنى لا يثبت هوية من صوره، وشهادة المصدر لا تشكل دليلاً تقنياً مستقلاً على وجود الجهاز أو تبعيته لجهة بعينها. هذه طبقات مختلفة من المعلومات، ولا يجوز دمجها لتقديم مسؤولية محددة باعتبارها حقيقة ثابتة.
حقوق المتهمين والضحايا لا تتعارض
لا تكتمل القراءة النقدية من دون التوقف عند طريقة تناول الملفات القضائية المرتبطة ببعض الصحافيين والناشطين. صفة الصحافي أو المدافع عن حقوق الإنسان لا تمنح حصانة من القانون، كما أن وجود شكاية أو متابعة لا يثبت الإدانة. المطلوب هو احترام قرينة البراءة واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، مع عدم تحويل كل متابعة قضائية تلقائياً إلى دليل على الانتقام السياسي.
وفي المقابل، لا يجوز في جميع الحالات تهميش المشتكين والمشتكيات أو التشكيك المسبق في رواياتهم لمجرد أن المشتكى به يحظى برمزية حقوقية أو إعلامية. احترام حقوق المتهمين لا يتطلب تجاهل حقوق الضحايا، والإنصاف يفرض الاستماع إلى جميع الأطراف من دون إصدار أحكام قبل أن يقول القضاء كلمته؛ فالحقوق لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تتغير قيمتها بحسب هوية الطرف أو موقعه.
الخاتمة
إن مناقشة تقرير «أمنستي» تقودنا إلى التأكيد على أن الدفاع عن حرية الصحافة والخصوصية لا يقتضي التسليم بكل استنتاج لمجرد صدوره عن منظمة حقوقية دولية، لكنه يعني رفض تحويل رواية مجهولة إلى حقيقة مكتملة، أو خلط القدرة التقنية بالاستخدام الفعلي، أو مساواة الاستهداف بالإصابة، أو القفز من علاقة تجارية إلى اتهام بعملية محددة.
صيانة سيادة القانون لا تتحقق بإدانة أي جهة استناداً إلى رواية لم تُسند أدلتها الواضحة والدقيقة والقابلة للقياس العلمي. كما أن تطوير المشهد الحقوقي والإعلامي يمر عبر مؤسسات قوية، وقضاء عادل، ومحاسبة عادلة، وصحافة تحترم التحقق وحق الرد.
أما التقرير الحقوقي المنجز بمعطيات مجهولة وباستنتاجات مكررة (من محاولات صياغة تقارير سابقة وبرامج تلفزيونية على مقاس سياق سياسي مفتعل)، فلا يستمد مصداقيته من جسامة الاتهام ولا من مكانة الجهة التي أصدرته، بل من دقة منهجيته وشفافية مصادره وقدرة أدلته على الصمود أمام الفحص والتدقيق الحقوقي المستقل.
تقرير «أمنستي» عن المغرب: من غياب المصداقية إلى متاهة التسييس: بيغاسوس .. شهادة مجهولة واتهام بلا دليل
بواسطة
الأربعاء 7 أكتوبر, 2026 - 13:14
آخر الأخبار
تحت الرعاية السامية لجلالة الملك.. انطلاق الدورة الثامنة لمعرض مراكش الدولي للطيران
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصر الله وأيده، تنعقد الدورة الثامنة لمعرض مراكش الدولي للطيران (MAS) في الفترة الممتدة من 7 إلى 10 أكتوبر 2026 بالقاعدة الجوية للقوات المسلحة الملكية بمراكش. وتنظم هذه النسخة من طرف “جمعية معارض الفضاء والطيران والدفاع” (ASSAD) بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، ووزارة النقل واللوجستيك، وإدارة الدفاع الوطني، والقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، وبدعم […]
بالصور: مراكش تجمع وفودا عسكرية ومدنية رفيعة المستوى في معرض الطيران الدولي
ثورة ملك وشعب جديدة من أجل الوطن والنساء
لا يختزل التعيين الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري في شخص رئيسة الحكومة الجديدة، ولا في الانتماء الحزبي أو النتائج الانتخابية، بل يعكس تحولا عميقا في بنية التفكير السياسي والاجتماعي بالمغرب، ويؤكد أن تمكين النساء من مواقع القرار لم يعد مطلبا مؤجلا، وإنما أصبح جزءا من مسار وطني تقوده الإرادة الملكية، وتدعمه التحولات المجتمعية، وتكرسه الكفاءة والشرعية […]
