منذ "مغامرة" السابع من أكتوبر، والمحيط الإقليمي يغلي فوق صفيح ساخن، لكن المفارقة الصارخة لم تكن في طبيعة الأحداث، بل في كيفية تدبير "الفضاء العام" بالمغرب.
فبينما اختارت دول الجوار الانغلاق على نفسها خوفاً من انفجار الجبهات الداخلية، قدمت الدولة المغربية درسا في "الثقة السيادية" عبر ترك الشارع يعبر عن تضامنه مع غزة. غير أن هذا النضج المؤسساتي، قوبل بمراهقة سياسية بلغت ذروتها في محاولات بئيسة لـ "اختطاف" وجدان المغاربة وتوجيهه نحو أجندات لا تخدم سوى "محور طهران".
إن ما نعيشه اليوم ليس حراكا تضامنيا صرفا، بل هو "تبزنيس" سياسي مفضوح. فبقدر ما انسحب "ولاد الشعب" الحقيقيون من الساحات بمجرد استشعارهم لمحاولات التوظيف، بقدر ما رفعت الأقلية الراديكالية—في تحالف هجين بين البيجيدي وأقصى اليسار—من سقف "الهستيريا".
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
كيف يمكن لعقل سياسي سليم أن يبرر استهداف "ميناء طنجة المتوسط" , وهو رئة الاقتصاد الوطني، تحت ذريعة التضامن؟ هنا، يسقط القناع عن القناع: القضية ليست فلسطين، بل هي محاولة لضرب استقرار الدولة والتشويش على مصالحها الاستراتيجية بطلبات "ما عندها لا ساس لا راس" .
وصل العبث مداه حين حاول هذا التحالف "المشبوه" جر المغاربة لمساندة النظام الإيراني. لقد "تفرش الماتش" سياسياً حين تعالت شعارات تمجد "مجتبى خامنئي" في قلب الرباط، متجاهلة رموز المقاومة الفلسطينية الحقيقية. هذا "الاغتراب" عن الواقع المغربي هو ما دفع هؤلاء لتوجيه مدافعهم نحو ناصر بوريطة، لا لشيء إلا لأنه مهندس الدبلوماسية التي أخرجت المغرب من "منطقة الظل" إلى "منطقة الفعل والقرار".
وصف الدبلوماسية المغربية بـ "النكافات" ليس مجرد زلة لسان، بل هو تعبير عن "إفلاس قيمي" لكتائب إلكترونية لم تجد ما تواجه به حصيلة بوريطة سوى "التحقير الطبقي". الحقيقة التي تؤلم هؤلاء هي أن بوريطة ينفذ رؤية ملكية صلبة، جعلت القوى العظمى من واشنطن إلى باريس وبرلين تعترف بمغربية الصحراء وتدعم المقاربة المغربية، بينما كان "وزراء الغفلة" في عهد سابق يوزعون الأزمات مع الأشقاء في الخليج بالمجان.
إن الهجوم على بوريطة هو، في جوهره، استهداف للموقف الرسمي الصامد ضد التغلغل الإيراني في المنطقة. هؤلاء الذين "يسخنون البنادر" لإيران، يتناسون عمداً أن طهران هي التي تمول وتدرب ميليشيات البوليساريو لاستهداف أمننا القومي. فبأي منطق يريد هؤلاء منا أن نصفق لمن يسلح خصوم وحدتنا الترابية؟
الرسالة واضحة: المغرب اليوم يسير ببوصلة
" المصلحة الوطنية أولا "، بعيدا عن ديماغوجية الشعارات التي أكل عليها الدهر وشرب. مسيرة الدولة أكبر من أصوات التشويش، والقافلة مستمرة في حصد الانتصارات الدبلوماسية، بينما يكتفي "تجار الأزمات" بالصراخ في الوديان.
الواقع هو من يكتب التاريخ اليوم، والتاريخ لا يعترف بالهواة.