الكان المغربي وفلسفة «الأمن الإنساني»

بقلم أحمد الدافري السبت 17 يناير 2026
IMG_20260117_135611
IMG_20260117_135611


 بلاغ الاتحاد السنغالي لكرة القدم الأخير بشأن ظروف وصول منتخب "أسود التيرانغا" إلى محطة الرباط أكدال عبر "قطار البراق"، يحتاج إلى قراءة هادئة تتجاوز منطق النتائج الرياضية لتلامس عمق المقاربة الأمنية المغربية في التعامل مع الإنسان الإفريقي جنوب الصحراء. 

فقد شهدت بوابة المحطة تكدساً جماهيرياً كبيراً من أبناء الجالية السنغالية الذين حجوا بكثافة لاستقبال أبطالهم، وهو ما تسبب في إرباك مؤقت لعملية خروج الوفد نحو حافلة الفريق المتوجهة لمنطقة الصخيرات حيث يوجد الفندق الذي اختاره الاتحاد السنغالي لكرة القدم لإقامة وفده، ما دفع هذا الأخير لانتقاد الإجراءات التنظيمية والأمنية التي رافقت خروج الوفد من محطة قطار البراق. 

غير أن معطيات الواقع تؤكد أن الاتحاد السنغالي هو من قام بنفسه بإعلان موعد وصول المنتخب وتوقيت رحلة "البراق" لجماهيره، في خطوة غير مفهومة الغرض سوى كونها دعوة صريحة ومفتوحة للجالية السنغالية الكثيفة بالحضور لاستقبال المنتخب في المحطة، دون تنسيق مسبق كافٍ لاستيعاب هذا الزخم البشري في نقطة محددة. 

وأمام هذا الوضع، أثبت الأمن المغربي وعياً حقوقياً وحضارياً رفيعاً، برفضه اللجوء لأساليب حازمة لتفريق المتجمهرين وتأمين ممر سريع للاعبين، آثراً الحفاظ على سلامة الجماهير وتدبير التدافع العفوي بمرونة عالية، تفادياً لاستخدام أي شكل من أشكال العنف ضد مواطنين جاؤوا للتعبير عن حبهم وفرحهم بمنتخب بلادهم. 

وتأتي هذه الواقعة لتؤكد عقيدة السلطات الأمنية المغربية القائمة على الاحترام المتبادل، حيث يشهد الواقع قبل المنظمات الدولية أن المغرب لم يسبق له نهج أسلوب العنف في التعامل مع الأفارقة جنوب الصحراء، حتى مع الأعداد الكبيرة جداً من المهاجرين المقيمين بطريقة غير شرعية، والذين ينشطون في القطاعات غير المهيكلة أو يعيشون من عطاء المحسنين في أمان تام دون أي تضييق أمني يعتمد القوة المفرطة. 

إن هذا التدفق الكبير للجماهير السنغالية، الذي انضافت إليه آلاف المشجعين القادمين من دكار مستفيدين من اتفاقية الإعفاء من التأشيرة التي تربط البلدين، خلق ضغطاً بشرياً نابعاً من ثقافة احتفالية سنغالية تتميز بالشغف والرغبة في القرب من النجوم، وهي عفوية لا يمكن للأمن المغربي أن يواجهها بالقمع، بل اعتمد مقاربة احتواء احترافي تضع كرامة المواطن الإفريقي فوق أي بروتوكول تنظيمي جامد.

 وهكذا، فإن ما اعتبره البعض تقصيراً، هو في جوهره قمة الالتزام بقيم "تمغربيت" التي ترفض العنف وتنتصر للإنسان، حيث تظل الجالية السنغالية التي يتجاوز عددها 45 ألف نسمة، وبينهم أكثر من 5500 طالب، تنعم بوضعية اعتبارية واقتصادية وروحية تجعل من المشجع السنغالي يتحرك في شوارع الرباط وطنجة وفاس والدار البيضاء ومراكش وغيرها من المدن المغربية بحرية وأمان تامين، وكأنه في وطنه الأم، تحت رعاية أمنية إنسانية لا تفرق بين مواطن وضيف.