ROYAL !

بقلم: المختار الغزيوي الثلاثاء 29 أكتوبر 2024
No Image

يتكئ المغرب على تاريخه، وعلى العراقة، حين لاتجد الأمم الأخرى، وبقية الخلق متكأ.

ويقف المغرب بشموخ في منعطفات التاريخ الكبرى، قادرا مرة بعد المرة، وكل مرة، وهذه المرة أيضا على كتابة أحرف الذهب فيها بذهب أنقى وأفضل، وأكثر لمعانا.

في الرباط، تلك الأمسية الخاصة من نوعها من شهر أكتوبر المتأرجح بين دفء يقاوم الرحيل، وبين برودة تريد إعلان قدوم فصل الشتاء، كانت الناس على جنبات الطريق واقفة منذ ساعات الظهر الأولى.

الشعب كان هنا: لرؤية ملكه أولا، والتعبير لجلالته كالعادة عن الحب الصادق غير المنافق، الذي يخرج من قلب الناس ويصل قلب عاهل البلاد مباشرة، ثم للترحيب بضيف المغرب الكبير، السيد إيمانويل ماكرون، وقولها له مباشرة لكي تصله ويعرف حقيقتها: هنا لاننسى أصدقاءنا مهما كان، وحتى عندما يجمعنا معهم اختلاف عابر، نصبر صبرنا المغربي الشهير، وننتظر فقط أن يفهموا أن المغرب بلد لايخاصمه الناس، ولايختلفون معه.

المغرب بلد بقلب صاف، وبنية صادقة هي محرك كل الأشياء لدينا من كبيرنا الذي نحب، وندعو له بالحفظ والنصرة يوميا كل المرات، حتى أبعد مواطن مغربي في أبعد مدشر أو قصر أو دوار أو فدان في هذا البلد الشاسع والعظيم.

لذلك يعطي المغرب للوقت الوقت كله، يسجل مواقفه الثابتة بحكمة ورصانة ونبوغ، وبكل احترام للصداقات الراسخة، ويواصل المسير، وينتظر التقاط الرسالة فقط.

ولنقلها بكل صدق: فرنسا التقطت الرسالة، والسيد ماكرون التقط الرسالة، بل والعالم كله التقط الرسالة، وفهم أن عبارة "المغربي كيموت على ولادو وعلى بلادو"، ليس مأثورا دارجا يقوله الناس هنا وكفى، بل هو ورب الكعبة الحق كله، وسبب العيش هنا، وراسخنا الثابت الذي يحدد لنا سير الخطوات، ونظارة رؤيتنا للدنيا كلها، وسبب استيقاظنا كل صباح، والهاجس الذي يسكننا كل ليلة قبل النوم.

ثم كان ذلك البروتوكول العريق كله، وكانت فرقة الخيالة التابعة للحرس الملكي قادرة وهي تمشي الهوينى، واثقة الخطوات في مدخل المشور السعيد، مرحبة بفرنسا ورئيسها، ومذكرة أن لهذا البلد فقط قرونا من الوجود، وقرونا من الحضارة، وقرونا من العراقة، وقرونا من التاريخ.

هنا الدولة كانت فور التقاء الناس واتفاقهم على تسمية المغرب مغربا. لذلك لامجال لدينا لقبول أي مقارنة ظالمة مع من أتوا بالأمس فقط.

نعم، نقبل وجودهم قربنا، لكننا لانقبل المقارنة بهم، ولا نقبل حتى أن يقال إنهم أعداء لنا أو خصوم أو أي شيء من هذا القبيل.

هم أعداء أنفسهم، وأعداء شعبهم، وأعداء الذكاء، وأعداء التقدم، وأعداء الحياة والجيرة الطيبة وأخلاق "ولاد الناس"، فقط لاغير.

لذلك لا اهتمام بهم.

الأهمية كلها هي لكتابة هذا الفصل الجديد من هذا التاريخ الطويل، مثلما قال منبهرا بعظمة الاستقبال الملكي الرئيس ماكرون مساء الإثنين.

هذا الاستقبال بتفاصيل التفاصيل، وبالإشراف السامي والشخصي لصاحب الجلالة عل كل صغيرة وكبيرة في ثناياه، وبالروح الفخمة التي حبل بها، وهو ينجح في المزج بين الاحتفال الشعبي الصادق وبين الاحتفال الرسمي الرائع، هو فقط وجه من وجوه مملكة الأنوار المتعددة القادرة على الإبهار الدائم واليومي متى أرادت ذلك.

في الرباط، ذلك الإثنين، في تلك الأمسية المتأرجحة بين دفء المشاعر وبرودة الهواء القادم من الأطلسي المعانق للرقراق، بدا المسرح الكبير وبرج محمد السادس، والطرق الحديثة التي بنيت في السنوات القليلة الأخيرة، وقد عانقا بكل اطمئنان وحب ضريح حسان وملتقى العدوتين، وبقية مآثر التاريخ الكبير المكتوب هنا منذ آلاف السنين.

في الجو يومها، كان هناك شبه عهد تكتبه الدنيا مع نفسها أن بلدا بهذه العظمة، وهذه العراقة، وبكل هذا الحب الصادق بين الملك وشعبه، هو بلد لن يخيب أبدا.

حاشا أن تخيب هذه النية الصافية الصادقة…حاشا أن تخيب.