لبنى الجوهري… شهادة أعادت فتح ملف العنف الجنسي والوصم الاجتماعي

بواسطة الأحد 19 يوليو, 2026 - 10:48

لم يعد ما قالته الفنانة الكوميدية لبنى الجوهري مجرد شهادة شخصية عن طفولة مثقلة بالألم، ولا مجرد رواية عن اعتداء جنسي ووصم اجتماعي عاشتهما في صمت لسنوات. لقد تحول إلى لحظة مجتمعية كشفت حجم التصدعات التي ما زالت تطبع نظرة جزء من المجتمع إلى الضحايا، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول العدالة، والحماية، والكرامة الإنسانية.

فمنذ خروجها إلى العلن بروايتها، انقسمت التفاعلات بين من رأى في حديثها شجاعة تستحق الاحترام، وبين من انشغل بمحاكمتها لأنها تكلمت، أو تساءل عن توقيت البوح، أو اعتبر أن ما عاشته “شأنا خاصا” كان ينبغي أن يبقى طي الكتمان. وهو انقسام يكشف أن معركة الضحايا لا تنتهي عند وقوع الجريمة، بل تمتد إلى مواجهة نظرة اجتماعية قد تكون أكثر قسوة من الجريمة نفسها.

وفي هذا السياق، عبرت أستاذة جامعية في علم الاجتماع عن امتنانها للبنى الجوهري، معتبرة أنها تحدثت باسم كل فاقدي الحقوق، رغم أنهم لم يرتكبوا أي جرم. وأكدت أن لبنى، بكل شجاعة وحزم ونفس مجروحة، أعلنت ما يكره جزء كبير من المجتمع سماعه، مجتمع يعاقب الضحية ويحمي الجلاد. وأضافت أن قصتها تكشف كيف يتم تحويل الضحية إلى متهمة، وكيف يتم إقناعها بأنها سبب ما تعيشه من ألم وظلم، في حين أنها في الحقيقة ضحية لظروف لم تخترها.

وأوضحت أن لبنى عاشت وصم كونها طفلة متخلى عنها، دون أن يخبرها أحد بأنها غير مسؤولة عن ذلك، وأنها ليست “عارا” كما تم إقناعها، بل ضحية لواقع اجتماعي قاس. كما عاشت رعب الاغتصاب وهي مقتنعة بأنها المسؤولة عنه، في غياب خطاب مجتمعي واضح يؤكد أن الضحية ليست الجاني، وأن المعتدي هو المسؤول الوحيد عن الجريمة. وبينما كتمت لبنى السر خوفا من العقاب، ظل المعتدي حرا، قادرا على البحث عن ضحايا أخريات يخشين بدورهن البوح خوفا من نفس المصير.

كما أشارت إلى أن الوصم الاجتماعي لا يتوقف عند حدود الاعتداء، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث قد تُرفض امرأة فقط لأنها لا تحمل نسبا معروفا، وتُجبر على دفع ثمن لم تختره، في استمرار لمنطق يعاقب الضحية بدل إنصافها. واعتبرت أن ردود الفعل التي طالبت لبنى بالصمت بدعوى أن ما عاشته “شأن خاص” تعكس قدرة شريحة واسعة من المجتمع على التملص من مسؤوليتها في حماية الأطفال المتخلى عنهم، وفي رعاية ضحايا الاعتداءات، سواء كانوا نساء أو حتى رجالا، إذ إن هناك أيضا ضحايا ذكورا يفضلون الصمت خوفا من الوصم والعقاب الاجتماعي.

في هذا السياق، اعتبرت رحاب حنان، الكاتبة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، أن شهادة لبنى الجوهري تجاوزت حدود التجربة الفردية، لتصبح دفاعا عن حق آلاف النساء والأطفال الذين ما زالوا يحملون جراحهم في صمت. وأكدت أن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى كل امرأة تعرضت للعنف أو الاعتداء هي أنها ليست مذنبة، وأن ما وقع لها لا ينتقص من كرامتها ولا من قيمتها الإنسانية، وأن من حقها أن تتحدث متى شعرت بأنها مستعدة لذلك، كما أن من حقها أيضا أن تختار الصمت إلى أن تجد الأمان اللازم للبوح.

وترى رحاب حنان أن القضية لا تتعلق بلبنى وحدها، بل بمعيار احترام المجتمع والدولة لحقوق الإنسان. فحماية النساء والأطفال ليست قضية فئوية أو مطلبا نسائيا، وإنما مؤشر على مدى نضج الديمقراطية واحترامها للكرامة الإنسانية. وتؤكد أن المجتمعات لا يمكن أن تدعي العدالة ما دام الضحايا يخشون الكلام أكثر مما يخشى المعتدون العقاب، وما دام البوح يتحول إلى مناسبة لمحاكمة الضحية بدل مساءلة الجاني.

ومن المنطلق نفسه، شددت البرلمانية نجوى كوكوس على أن التضامن مع لبنى الجوهري ليس تعاطفا مع قصة مؤلمة فحسب، بل انحيازا أخلاقيا إلى حق الضحايا في الكلام. واعتبرت أن أكثر ما يثير الصدمة ليس وقوع الاعتداء في حد ذاته، بل مطالبة الضحية بالصمت بعد ذلك، بينما يواصل الجاني حياته وكأن شيئا لم يكن.

وتساءلت كوكوس عن المجتمع الذي يجعل الضحية تخجل من جريمة ارتكبت في حقها، بينما يجد المعتدي من يبرر له أفعاله أو يلتمس له الأعذار. كما انتقدت ما وصفته بثقافة “الحشومة” التي تتحول، في كثير من الأحيان، إلى أداة لإسكات الضحايا بدل أن تكون رادعا للمعتدين، مؤكدة أن العار الحقيقي ليس في أن تتحدث امرأة عن الاعتداء الذي تعرضت له، وإنما في أن يغتصب طفل أو طفلة ثم يتركا وحدهما يحملان آثار الجريمة طوال حياتهما.

وتوقفت البرلمانية أيضا عند جانب آخر من شهادة لبنى الجوهري، يتعلق بالوصم الذي يطال الأطفال المتخلى عنهم. فاعتبرت أن تحميل طفل مسؤولية ظروف ولادته يمثل انهيارا أخلاقيا قبل أن يكون جهلا بحقوق الإنسان وبالقيم الدينية، لأن أي طفل لا يختار نسبه ولا ظروف ميلاده، ولا يجوز أن يتحول ذلك إلى وصمة تلاحقه مدى الحياة.

ورغم اختلاف زوايا المقاربات، فإن الرسالة التي تتقاطع فيها هذه الآراء تكاد تكون واحدة: المشكلة ليست في الضحية التي قررت أن تتكلم، بل في ثقافة ما زالت تعاقب الصراحة أكثر مما تعاقب الجريمة، وتدفع الضحايا إلى الصمت خوفا من الوصم والإدانة الاجتماعية.

إن ما كشفته شهادة لبنى الجوهري هو أن الاعتداء الجنسي لا ينتهي بانتهاء الفعل الإجرامي، بل يمتد عبر آثار نفسية واجتماعية قد تستمر سنوات طويلة، خصوصا عندما يجد الضحية نفسه في مواجهة مجتمع يشكك فيه، أو يطالبه بإخفاء معاناته حفاظا على “السمعة”. وهنا تتحول الجريمة إلى عقوبتين: الأولى ارتكبها المعتدي، والثانية يفرضها المجتمع على الضحية.

وتؤكد التجارب الحقوقية أن أحد أكبر أسباب استمرار العنف الجنسي هو الصمت، وأن هذا الصمت لا يصنعه الخوف من الجاني وحده، بل أيضا الخوف من المجتمع. لذلك فإن تشجيع الضحايا على الكلام، وتوفير بيئة آمنة للاستماع إليهم، وحمايتهم من التشهير والوصم، يشكل جزءا أساسيا من أي سياسة عمومية لمناهضة العنف.

لقد أعادت لبنى الجوهري طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: لماذا ما زال المجتمع يحاكم الضحية أكثر مما يحاكم المعتدي؟ ولماذا يتحول البوح إلى تهمة، بينما يظل الصمت فضيلة في نظر البعض؟

قد لا يغير البوح الماضي، لكنه قادر على حماية ضحايا المستقبل. وقد لا يمحو الألم، لكنه يكسر الحلقة التي تجعل الخوف ينتصر، ويمنح آخرين الشجاعة ليؤمنوا بأن الحقيقة ليست عيبا، وأن العدالة تبدأ حين نتوقف عن محاكمة الضحايا، ونوجه كل الجهد نحو محاسبة الجناة، وبناء مجتمع يجعل الكرامة أقوى من الوصم، والعدالة أقوى من الصمت، وحماية النساء والأطفال مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل.

آخر الأخبار

ماستر كلاس سماح أنور.. حديث عن الإنسانية والسينما والذكاء الاصطناعي
افتتح مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، أمس السبت 18 يوليوز، بالمركب الثقافي عبد الصمد الكنفاوي، برنامج “الماستر كلاس” باستضافة النجمة المصرية سماح أنور، التي تحتفي بها الدورة السابعة من هذه التظاهرة السينمائية، المنظمة من قبل جمعية “امتداد للثقافة والتنمية” بشراكة مع مجلس مدينة الدار البيضاء، وبدعم من المركز السينمائي المغربي.وشكل “الماستر كلاس” فرصة للنقاش حول […]
برشيد تختتم أولى فعاليات مهرجان العيطة المرساوية في دورته الثالثة
اختتمت، مساء أمس السبت، بمدينة برشيد، فعاليات المحطة الأولى من الدورة الثالثة لمهرجان العيطة المرساوية، بعد ليلتين من السهرات الفنية التي احتضنتها ساحة الاستقلال، بالقرب من حديقة المغرب العربي. وتُنظم هذه التظاهرة بمبادرة من وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومجلس جهة الدار البيضاء-سطات، خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 31 يوليوز الجاري، ضمن برنامج يجمع بين […]
اختتام فعاليات النسخة الثالثة من "يوم لقاء الفينليك": الابتكار، التقييس والتمويل رافعات أساسية لتعزيز تنافسية علامة "صنع في المغرب"
اختتمت اليوم بالدار البيضاء فعاليات الدورة الثالثة لـ “يوم لقاء الفينليك” (FENELEC Meeting Day)، التي نظمتها الفيدرالية الوطنية للكهرباء والإلكترونيات والطاقات المتجددة (FENELEC) بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، ومغرب المقاولات (Maroc PME)، والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (AMDIE). وشكل هذا الموعد السنوي البارز، المنعقد تحت شعار “تطوير صناعة تنافسية مبتكرة ذات إشعاع دولي”، منصة متميزة […]