حين أطفأ آخر الحكماء مصباحه
كان واحداً من آخر العقول الكونية الكبرى التي عبرت القرن العشرين بكامله تقريباً، ثم واصلت طرح الأسئلة نفسها على القرن الحادي والعشرين. وبرحيله عن عمر ناهز 104 سنوات، يودع العالم شاهداً نادراً على زمن كامل، عاش حروبه وأحلامه وانكساراته، وحاول أن يفهمه دون أن يسقط في يقين أعمى أو أيديولوجيا مغلقة.
وُلد إدغار موران في باريس سنة 1921، وعاش طفولته في أوروبا التي كانت تستعد لدخول واحدة من أكثر مراحلها ظلاماً. انخرط شاباً في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واختبر مبكراً معنى الخوف والحرية والمصير الإنساني. كانت تلك التجربة التأسيسية أول درس كبير في حياته: العالم أعقد من أن يُختزل في الأبيض والأسود، والإنسان أكبر من أن يُختصر في انتماء واحد أو فكرة واحدة.
منذ بداياته الفكرية، رفض موران الحدود الصارمة بين التخصصات. لم يكن فيلسوفاً فقط، ولا عالم اجتماع فقط، ولا مؤرخاً أو باحثاً في الثقافة فقط. كان كل ذلك في الآن نفسه. كان يؤمن أن الواقع شبكة مترابطة من الظواهر، وأن فهم الإنسان يقتضي الجمع بين العلم والفلسفة والتاريخ والأدب والسياسة وعلم النفس. ومن هنا وُلد مشروعه الفكري الأكبر: “الفكر المركب”، الذي سيصبح لاحقاً أحد أهم المساهمات الفكرية في العصر الحديث.
في عالم كان يتجه أكثر فأكثر نحو التخصص الضيق، دعا موران إلى التفكير في الترابط. وفي زمن كانت الأيديولوجيات تعد الناس بأجوبة جاهزة، اختار أن يدافع عن الشك الخلاق. لم يكن يبحث عن الحقيقة المطلقة، بل عن القدرة على فهم تعقيد الحقيقة. لذلك ظل يردد أن المعرفة الحقيقية تبدأ حين نعترف بحدود معرفتنا.
على امتداد أكثر من سبعين عاماً من الكتابة والتأمل، نشر عشرات الكتب التي أصبحت مراجع أساسية في الفكر المعاصر، وعلى رأسها مشروعه الضخم “المنهج”، الذي حاول من خلاله إعادة بناء طريقة جديدة لفهم العالم والإنسان والمعرفة. كما كتب عن الموت والحب والسينما والثقافة والسياسة والعولمة والبيئة، مؤمناً بأن الفكر لا ينبغي أن ينفصل عن الحياة.
ولعل ما يميز موران أكثر من غيره هو أنه لم يتحول أبداً إلى حكيم معزول في برج أكاديمي. ظل حتى سنواته الأخيرة متابعاً لتحولات العالم، متدخلاً في النقاشات الكبرى حول الديمقراطية والأزمات البيئية والحروب ومستقبل الإنسانية. وخلال جائحة كوفيد-19 عاد اسمه بقوة، لأن كثيرين اكتشفوا أن أفكاره حول التعقيد وعدم اليقين أصبحت أكثر راهنية من أي وقت مضى.
كان إدغار موران يؤمن أن الإنسان قادر على ارتكاب أسوأ الأخطاء، لكنه قادر أيضاً على إنتاج أعظم أشكال التضامن والإبداع. لذلك لم يفقد الأمل أبداً، رغم كل ما شاهده من مآسٍ وحروب وصعود للأنانيات الجماعية. وبين الشك والإيمان، ظل يبحث عن مساحة تسمح للإنسان بأن يبقى إنساناً.
اليوم، برحيل إدغار موران، ينطفئ صوت من الأصوات القليلة التي كانت تنظر إلى العالم في شموليته. يرحل رجل عاش أكثر من قرن، لكنه لم يتوقف عن طرح الأسئلة حتى آخر العمر. يرحل مفكر علّم أجيالاً كاملة أن الواقع ليس بسيطاً كما نعتقد، وأن الحكمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الأجوبة، بل في امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة.
لقد غاب الجسد، لكن ذلك العقل الذي قضى عمره يحارب الاختزال والتبسيط سيظل حاضراً في كل محاولة لفهم عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. فبعض الرجال لا يتركون وراءهم كتباً فقط، بل يتركون طريقة جديدة للنظر إلى الحياة. وإدغار موران كان واحداً من هؤلاء.
