الآن، وقد وضعت “حرب الحولي” أوزارها، نزعم أننا نستطيع الحديث بهدوء، أو بشيء كالهدوء مع بعضنا البعض، دون أن ندخل في أي شنآن من أي نوع مع أي كان، ونستطيع طرح بعض الأسئلة دون خوف من أن يطولنا سلاح “الجناوا”، والسكاكين المعدة للذبح الذي تم بالشكل الذي تم به على كل حال.
ما الذي وقع خلال هذا “العيد الكبير” الذي عبرناه بكل هذا الصخب والنقاش المحموم؟
وقع شيء واحد ووحيد يفسر كل ذلك الضجيج: تزامن عيدنا الكبير مع سنة الانتخابات.
فقط، لاغير.
وسنة الانتخابات في المغرب سنة لاتشبه غيرها، وعليك أن تتوقع فيها كل شيء، وعليك أن تنتظر تحول كل شيء فيها إلى ذريعة لممارسة الحملة في وعلى الناس.
لذلك لم يسلم الكبش المسكين من العدوى الانتخابية، وكان محور صراع الصناديق بكل اختصار.
طالب مصطفى الرميد باستقالة وزير الفلاحة، وطالبت المعارضة بإقالة الحكومة، وطالبت الفرق البرلمانية الوزير البواري بالنزول معها إلى الأسواق و “الرحبات” للعثور على خروف الألف درهم الشهير، وطالب الناس بإلقاء القبض على كبار الكسابة في الوطن، وطالبت “ملفات” الفراقشية بأن يعيدوا مبلغا يفوق السبعين مليارا في الحال، وإلا نشرت عنهم تحقيقا جديدا ينضاف لسلسلة التحقيقات إياها، وطالبت الأغلبية باحترام مجهودات الحكومة في الحفاظ على القطيع الوطني وتوفيره، وطالبت الأحزاب التي كانت في الحكومة وخرجت منها، وترغب في العودة إليها بالتحقيق مع من أخفوا الخروف عن الناس يومين قبل العيد، وطالب بعض المؤثرين بخروفهم المجاني الذي لم يأت هذه السنة، وطالب الصحافيون برواتبهم قبل “العواشر”، ثم انتبهوا للفخ المنصوب بعناية، وحمدوا الله أن الراتب لم يصل لأن شهر يونيو سيصبح أطول من ليل القطب الشمالي لو تم، وطالبت نساء كثيرات عبر مواقع كثيرة بإعطائهن ثمن الأضحية لئلا يبكي “الوليدات” في المنزل، وطالب الكل بشيء ما، والأمر لن يتوقف عند هذا الحد .
لا، هذه البداية فقط، و “مازال مازال”، وسنعيش حتى يوم 23 شتنبر القادم المزيد، لأن الانتخابات هي النظارات التي ترى بها أحزابنا اليوم كل شيء، وعلينا نحن المواطنون الذين لم نصل إلى مستوى وعي الأحزاب بأهمية اللحظة الانتخابية وقدسيتها بل وحيويتها، أن نتوقع المزيد، وألا نستغرب حرارة التعامل مع كل المواضيع، وتحولها إلى موضوع مزايدات انتخابية، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا في الصندوق في اقتراعنا المقبل.
هذه هي الخلاصة، ولا تفسير غيرها لما وقع. وللإشارة فقط، وبعيدا عن صخب مواقع التواصل وضجيجها الذي لاينتهي، ذبح المغاربة خرفانهم، وأدوا شعيرتهم، وسلخوا شاتهم، وتذوقوا “بولفافهم”، وجلسوا في المقاهي والمنازل بعد زوال العيد، يصعدون وينزلون في هواتفهم النقالة، باحثين عن الجديد القادم.
وطبعا وجدوه، وطبعا سيتعاملون معه مثلما تعاملوا مع كل قديم سابق: سيبتسمون وسيحركون الرأس حركته المغربية المعروفة والقديمة، وسينهضون بعد الانتهاء من التسلية لقضاء أغراضهم الحقيقية، متأكدين أن جراب الحاوي لن تفرغ أبدا، وأن من يخلقون لنا كل هذا الحماس باستمرار، سيجدون مواضيع أخرى كثيرة ومتعددة ومتنوعة في المستقبل، نحيي بها وحولها كل النقاش.
