“سيام 2026”.. حين تصالح تكنولوجيا المستقبل عراقة الأرض في أكبر محفل فلاحي إفريقي

بواسطة الثلاثاء 28 أبريل, 2026 - 16:30

يسدل الستار اليوم الثلاثاء 28 أبريل 2026 على الدورة الـ18 للملتقى الدولي للفلاحة بمكناس. الحدث لم يكن مجرد موعد سنوي لعرض المنتجات والآليات، بل تحول على مدار تسعة أيام إلى مختبر عالمي بحثا عن حلول لمعادلة صعبة: كيف ننتج أكثر بموارد مائية أقل؟

على مساحة تقدر بـ37 هكتارا، احتضنت اثنا عشر قطبا، نجح الملتقى هذا العام في استقطاب آلاف الفلاحين من مختلف ربوع المملكة، جنبا إلى جنب مع فاعلين دوليين من عشرات الدول. لم تكن الأيام التسعة مجرد استعراض للقوة الإنتاجية، بل كانت جسرا للتواصل المباشر، حيث التقى فلاح من قرية صغيرة بخبراء تكنولوجيا الأقمار الصناعية والري الذكي، مما كسر الحواجز التقليدية بين البحث العلمي والممارسة الميدانية.

فعلى مشارف أسوار مكناس التاريخية التي تقف شاهدة على عظمة حضارة ضاربة في القدم، يمتد المعرض الدولي للفلاحة “سيام” في نسخته الثامنة عشر كمدينة قائمة بذاتها، نابضة بالحياة والحركة، تتجاوز في جوهرها مجرد تظاهرة اقتصادية لتصبح كرنفالا إنسانيا وتقنيا فريدا يختزل هوية المغرب المعاصر وطموحاته الكبرى.

تبدأ الحكاية من تلك البوابات الضخمة التي تبتلع آلاف الزوار منذ الساعات الأولى للصباح، لتلقي بهم في ممرات فسيحة تضج بسيمفونية من الأصوات والروائح المتداخلة التي تداعب الحواس وتستفز الفضول، حيث تمتزج رائحة التبن المنبعثة من قطب الماشية بعبير الورد المقطر والزيوت العطرية في أروقة المنتجات المجالية، بينما يطغى أحيانا صخب المحركات الضخمة للآليات الزراعية التي تصطف في الساحات الخارجية كقلاع معدنية زاهية الألوان تعكس لمعتها تحت شمس المدينة الدافئة قصة تحول المغرب نحو المكننة والرقمنة الزراعية الشاملة لترسم ملامح السيادة الغذائية في زمن التحولات الكبرى. وما أن تضع قدماك في ساحة صهريج السواني بالعاصمة الإسماعيلية حتى تدرك أنك لست أمام مجرد معرض تجاري عابر، بل أنت في قلب “مفاعل” اقتصادي واجتماعي ضخم.

تبدأ الرحلة من القطب الدولي، حيث ترتفع الأعلام الوطنية لتجاور أعلام القوى الفلاحية الكبرى. المشهد هنا يغلب عليه الطابع المؤسساتي، وفود ببدلات رسمية تتنقل بين مختلف أروقة الدول المشاركة، وعلى رأسها رواق البرتغال ضيف شرف نسخة هذه السنة.

في القطب الدولي، لا يقتصر الحديث على بيع البذور أو الأسمدة، بل يمتد لدبلوماسية الماء. الزائر يلحظ تركيزا غير مسبوق على تقنيات تحلية المياه المخصصة للزراعة وأنظمة الري الذكية المرتبطة بالأقمار الصناعية. الحوارات الجانبية بين المستثمرين المغاربة ونظرائهم الدوليين تعكس وعيا جديدا مفاده أن الفلاحة لم تعد تعتمد على المطر وحده، بل على المعلومة والبيانات الضخمة.

بانتقالك إلى رواق المعدات والآليات، يصاب الزائر بذهول بصري. لم تعد الجرارات مجرد أدوات للحرث، بل تحولت إلى غرف قيادة رقمية مكيفة مزودة بنظام الـ (GPS)وجرارات بأحجامها المهيبة تبدو كقلاع تكنولوجية تتحدى قساوة التضاريس.

لكن المفاجأة الكبرى تكمن في الروبوتات الزراعية. في زاوية مخصصة للابتكار، تظهر أذرع ميكانيكية دقيقة تتحرك بانسيابية بين شتلات الطماطم والفواكه الحمراء. هذه الروبوتات، التي تعمل بالطاقة النظيفة، تقوم بمهام الرش الانتقائي والتقليم بذكاء اصطناعي يقلل الهدر بنسبة تصل إلى 40%. إنه المشهد الذي ينقل الفلاح الصغير قبل الكبير من الفلاحة المعيشية إلى الفلاحة الصناعية الدقيقة.

لا يمكنك زيارة “سيام” دون المرور بقطب الماشية، الذي يمثل القلب النابض للمعرض. هنا، تسود أجواء من الحماس الشعبي. خلف السياج المعدني، تصطف رؤوس الأغنام والماعز من مختلف السلالات ومن الأبقار من سلالات عالمية (هولشتاين، ليموزين، وشارولي) وأخرى وطنية محسنة.

التدقيق في هذه الكائنات يكشف عن مجهود جبار في التحسين الوراثي؛ أبقار بكتلة عضلية هائلة وصحة بدنية مثالية تخضع لرقابة بيطرية صارمة. الزوار، من كبار المربين إلى الأطفال الفضوليين، يراقبون عمليات العلف والتربية، بينما تلتقط عدسات الهواتف الذكية صورا مع أضخم ثور في المعرض، والذي يتحول سنويا إلى نجم منصات التواصل الاجتماعي.

في هذا القطب، تصل الدراما الإنسانية إلى ذروتها. هنا، تختفي الحواجز، تجد المستثمر الكبير يزاحم الشاب الطموح والطفل الصغير للظفر بنظرة قريبة لملك الحلبة (ثور ضخم من سلالة ممتازة). الأجواء تضج بأصوات مختلطة، خوار الأبقار، ثغاء الخرفان، ونقنقة الدجاج، وصياح العارضين الذين ينادون بأسماء سلالاتهم بفخر، وضحكات العائلات التي تتخذ من أكوام التبن خلفية لصور “السيلفي”. رائحة القش المنبعثة بقوة تخلق “نوستالجيا” ريفية، تجعل سكان المدن يشعرون، ولو للحظات، بأنهم استعادوا وصلهم المفقود مع الطبيعة.

بينما تتجه نحو قطب المنتجات المجالية، تتغير النبرة من التكنولوجية الصرفة إلى الروحية والتراثية. فتحت خيام ضخمة، تعرض خيرات المغرب النافع، من زيت زيتون سايس مرورا بتمور درعة تافيلات وصولا إلى أركان سوس ماسة.

هذا القسم بمثابة بانوراما للهوية المغربية. كل جهة تحاول إغراء الزائر ليس فقط بمنتجاتها، بل بجمالية أروقتها التي تعكس معمارها المحلي. هنا، تلتقي التعاونيات النسائية التي تكافح من أجل التسويق العادل بالمسؤولين الجهويين الذين يشرحون مخطط الجيل الأخضر لتشغيل الشباب في القرى. الرؤية هنا واضحة، الفلاحة هي الضامن للاستقرار الاجتماعي، والمنتوج المجالي هو النفط الذي لا ينضب.

الوصف هنا يضيق عن المشهد. الزحام له رائحة. رائحة زيت الأركان، وبخور العود، وعسل الزعتر. ترى النساء القادمات من التعاونيات القروية بزيهن التقليدي الملون يقفن خلف منصات العرض بصبر وثبات، يقدمن لحظات تذوق للزوار. تأمل وجوه الزوار وهم يتذوقون ملعقة عسل أو يشمون عبير ورد قلعة مكونة هناك حالة من النشوة الجماعية. ترى ربات البيوت وهن يفاصلن بمهارة في أثمنة الكسكس الخماسي أو أملو الأصيل، بينما يحاول سياح أجانب بكاميراتهم توثيق تلك الابتسامة العفوية التي لا تفارق وجوه العارضات المغربيات رغم تعب اليوم الطويل.

وسط هذا الضجيج التقني، يوفر قطب الطبيعة والمساحات الخضراء ملاذا بصريا. نافورات المياه التي تتدفق وسط شتلات الورد والياسمين والنباتات الاستوائية تذكر الزائر بأن الهدف النهائي لكل هذه التكنولوجيا هو الحفاظ على جمال الأرض وتوازن البيئة. رائحة التراب المبلل هنا تعيد الوصل بين الإنسان وجذوره، قبل أن يعود مجددا إلى صخب الآليات والصفقات الكبرى.

إذا كانت التكنولوجيا هي عقل المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، فإن الناس هم روحه المتدفقة. بمجرد توغلك في الممرات الفسيحة تجد نفسك وسط تسونامي بشري متناغم، مزيج مدهش يجمع بين الجلباب المغربي الأصيل، والوزرة البيضاء للمهندسين، وبذلات رجال الأعمال الأنيقة، في مشهد يختزل مغربا يسير بسرعتين نحو المستقبل.

في الممرات لا تتوقف الحركة. هنا، ترى فلاحا بسيطا قادما من أعماق الأطلس، ملامحه المحفورة بشمس الحقول تنطق بالهيبة، يقف مبهورا أمام روبوت زراعي، يلمس أجزاءه المعدنية بيده الخشنة وكأنه يحاول استيعاب كيف لهذه الآلة الصماء أن تفهم لغة الأرض. وعلى بعد خطوات تلمح مجموعات من طلبة معاهد الزراعة يحملون دفاترهم ويحيطون بمهندس يشرح لهم بفرنسية طليقة ممزوجة بدارجة تقنية معقدة نظام الري بالتنقيط عبر الأقمار الصناعية.

خارج القاعات المغطاة، في باحات الاستراحة، تكتمل الصورة الإنسانية. آلاف الزوار يفترشون الأرض أو يجلسون على شكل حلقات بسيطة. هنا، يمتزج السندوتش السريع بطاجين مكناسي أصيل يفوح منه عبق التوابل. العائلات تحول المعرض إلى نزهة كبيرة وأطفال يركضون ببالونات ملونة، وآباء يتبادلون أطراف الحديث عن الغلاء والعيد الكبير والموسم الفلاحي في برلمان شعبي مفتوح تحت سماء مكناس الربيعية الزرقاء.

ومع اقتراب الساعة السادسة، تبدأ وتيرة الحركة في التباطؤ، لكنها لا تهدأ. تخرج الحشود نحو مرائب السيارات والحافلات، وجوه نال منها التعب، لكن العيون تلمع بالرضا. تلمحهم يحملون أكياسا مملوءة بالخيرات، وشتلات نباتات صغيرة سيزرعونها في شرفات منازلهم كذكرى من هذا اليوم.

في هذه اللحظة تكتشف دقة التنظيم وانسابيته. وكما يقولون نصف “الخدمة” كلها هو التنظيم. بالفعل فمن دون تنظيم محكم لا يمكن لأي شي أن ينجح فما بالك بواحد من أكبر المعارض الفلاحية في القارة وفي العالم العربي. ويبقى التنظيم دائما عصب نجاح ملتقى مكناس. وهذا الأمر يساهم فيه بشكل كبير رجال الأمن الذين تجدهم في كل مكان وفي كل زاوية تابعة للملتقى بدءا من الجنبات التي تحيط به إلى داخل المعرض ومخارجه، حيث يتم تنظيم حركة المرور بالقرب من فضاء المعرض ويتم تجنيد أطقم كبيرة تسهر ليل نهار على أدق التفاصيل المتعلقة بالملتقى لإعطاء الصورة الكاملة عن دقة ومهنية رجال أمن بمختلف أسلاكهم لضمان الدخول والخروج وحتى التجول بكل أريحية داخل هذا الفضاء الكبير الذي يجاور قرونا من حضارة شامخة لم ينل منها الزمن شيئا لتبقى واقفة شاهدة على ازدهار عمراني وهندسي متشبع بأصالة مغربية عظيمة قل نظيرها عالميا.

إنها روح “سيام”؛ تلك القدرة العجيبة على جعل الفلاحة قضية الجميع، من الفلاح الذي يحمل هم المحصول، إلى المواطن الذي يبحث عن جودة الغذاء، في دورة إنسانية واقتصادية متكاملة تجعل من هذا المعرض موعدا سنويا لتجديد العهد مع الأرض.

الاحترافية في التنظيم، وسلاسة المرور بين الأقطاب، والقدرة على حشد آلاف العارضين في مكان واحد، كلها رسائل تشير إلى أن المملكة حسمت خيارها. الفلاحة ستكون رقمية، خضراء، ومنفتحة على العالم، لكنها ستظل دائما وفية لليد التي تزرع والقلب الذي يحب الأرض.

معرض مكناس أثبت هذا العام أن السيادة الغذائية ليست مجرد شعار، بل هي ورش عمل يومي يجمع بين الروبوت والفلاح، وبين المختبر والحقل، في سيمفونية مغربية فريدة تعزف ألحان فلاحة المستقبل. كما أن “سيام” ليس مجرد واجهة للعرض، بل هو مختبر حي يختبر فيه المغرب قدرته على الصمود أمام التغيرات المناخية.

آخر الأخبار

الطاقة والمواد الأساسية واحتياطي العملة الصعبة محور اجتماع أخنوش بلجنة تتبع تداعيات التوترات بالشرق الأوسط على المغرب
ترأس رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش، يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026 بالرباط، اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط على الاقتصاد الوطني، حيث تم الوقوف على توفر المخزون الطاقي، والتأكيد على أن تموين السوق الوطنية من المواد الفلاحية والمواد الأساسية يمر في ظروف عادية. وفي مستهل الاجتماع، قدمت مختلف القطاعات عروضا حول […]
إدريس الروخ يعود بـ"الحفرة".. رواية تغوص في عتمة النفس
يواصل الفنان المغربي إدريس الروخ توسيع حضوره في عالم الكتابة السردية بإصداره الروائي الجديد “الحفرة”، مؤكدا انتقاله المتدرج من خشبة المسرح وعدسة السينما إلى فضاء الرواية، حيث تتسع إمكانيات التعبير عن الأسئلة الفكرية والجمالية. العمل، الصادر عن مطبعة ووراقة بلال، وبتقديم من وليد سيف، يأتي امتدادا لتجربة الروخ السابقة “رداء النسيان”، غير أنه يحمل نفسا […]
لتعزيز ولوجهم إلى التعليم العالي .. سفارة المغرب بإسبانيا تعلن عن 214 منحة دراسية لمغاربة اسبانيا
في سياق تعزيزها لولوج المهنيين والشباب المغاربة إلى التعليم العالي، عملت سفارة المغرب بإسبانيا ومجموعة “بلانيتا للتكوين والجامعات” الإسبانية، على إطلاق النسخة الثالثة من برنامج المنح الدراسية لفائدة المغاربة المقيمين بإسبانيا. وأوضحت الجهة المشرفة على هذا البرنامج، أن عدد المنح بلغ 214 منحة في عدد من المجالات، وهي مفتوحة بوجه المترشحين برسم الموسم 2026-2027 إلى […]