يواصل الفنان المغربي إدريس الروخ توسيع حضوره في عالم الكتابة السردية بإصداره الروائي الجديد “الحفرة”، مؤكدا انتقاله المتدرج من خشبة المسرح وعدسة السينما إلى فضاء الرواية، حيث تتسع إمكانيات التعبير عن الأسئلة الفكرية والجمالية.
العمل، الصادر عن مطبعة ووراقة بلال، وبتقديم من وليد سيف، يأتي امتدادا لتجربة الروخ السابقة “رداء النسيان”، غير أنه يحمل نفسا أكثر جرأة من حيث البناء، وأعمق من حيث طرح القضايا الوجودية والنفسية، ما يعكس نضجا واضحا في رؤيته للكتابة الروائية.
تدور أحداث “الحفرة” خلال ليلة واحدة بمدينة مكناس، حيث تغادر البطلة “سعاد” منزلها في رحلة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تتحول إلى مسار داخلي معقد، تتشابك فيه التجارب الفردية مع تحولات المدينة. هذا الإطار الزمني المكثف يمنح النص توترا دراميا عاليا، ويجعل كل تفصيل محمّلاً بالدلالة.
وتتنقل الرواية بين فضاءات متعددة، من الشارع إلى عوالم الليل ومرسم فنان تشكيلي، في بناء سردي يمزج بين الواقعي والمتخيل، ويستحضر الماضي داخل الحاضر. وفي هذا السياق، لا تظهر مكناس مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى عنصر حي يواكب الشخصيات ويؤثر في مساراتها.
ويراهن الروخ في هذا العمل على جعل المكان فاعلا دراميا، إذ تغدو المدينة مرآة لأسئلة الهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية، في سرد يتقاطع فيه الفردي بالجماعي، ليقدم قراءة لواقع متغير يفرض إعادة التفكير في معنى الوجود.
أما “الحفرة”، كعنوان ورمز، فتتجاوز معناها الحرفي لتعكس حالة نفسية مركبة، تحيل إلى السقوط الداخلي والضياع، مقابل بحث دائم عن الخلاص. ويعتمد الكاتب في ذلك لغة مكثفة تميل إلى الشعرية القاتمة، تغوص في أعماق النفس البشرية دون أن تنزلق نحو العدمية.
بهذا الإصدار، يكرس إدريس الروخ مساره الأدبي، مستفيدا من خلفيته السينمائية في بناء نص بصري مكثف، تتقاطع فيه الصورة واللغة والزمن، في تجربة روائية تعزز حضوره داخل المشهد الثقافي المغربي.

