بقلم الشيخ الصادق أحمد العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
يشكل عيد العرش المجيد في المملكة المغربية أكثر من مجرد ذكرى وطنية لتربع جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين؛ فهو مناسبة تتجدد فيها معاني الوفاء والالتحام بين العرش والشعب، ويُستحضر من خلالها واحد من أعرق النظم السياسية في العالم الإسلامي، وهو نظام البيعة الشرعية الذي ظل، عبر أكثر من اثني عشر قرناً، يمثل الأساس الديني والدستوري الذي تقوم عليه الدولة المغربية. وإذا كانت كثير من الدول قد استمدت شرعيتها من الثورات أو الانقلابات أو التوافقات السياسية العابرة، فإن المغرب احتفظ بمؤسسة البيعة باعتبارها عقداً شرعياً وسياسياً وأخلاقياً يجسد استمرارية الدولة ووحدة الأمة، ويمنح مؤسسة إمارة المؤمنين مشروعيتها الدينية والتاريخية والدستورية.
الشخصية السياسية المغربية
لقد ارتبط مفهوم البيعة في الوعي الإسلامي منذ العهد النبوي الأول بمعاني العهد والالتزام والمسؤولية، ولم يكن مجرد إجراء شكلي لتولية الحاكم. فالقرآن الكريم جعل البيعة من العقود العظيمة حين قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، في إشارة إلى بيعة الرضوان التي بايع فيها الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الثبات والنصرة والطاعة. ومن هنا أصبحت البيعة في الفكر الإسلامي عقداً شرعياً تتأسس عليه علاقة الأمة بإمامها، وتترتب عليه حقوق وواجبات متبادلة، فلا يكون الإمام متسلطاً على الأمة، ولا تكون الأمة في حل من التزاماتها تجاه إمامها، وإنما يقوم الأمر على العدل، والنصح، والطاعة في المعروف، وتحقيق المصالح العامة.
وقد حافظ المغرب، دون غيره من بلدان العالم الإسلامي، على هذا المعنى الأصيل للبيعة، حتى أصبحت إحدى أهم خصائص الشخصية السياسية المغربية. فمنذ قيام الدولة الإدريسية في القرن الثاني الهجري، مروراً بالمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين، وصولاً إلى الدولة العلوية الشريفة، ظلت البيعة هي الأساس الذي تنتقل به الإمامة، وتجتمع حوله كلمة الأمة، وتستمد منه الدولة شرعيتها. وهذا الاستمرار التاريخي الطويل يجعل من التجربة المغربية حالة فريدة في التاريخ الإسلامي، إذ لم تنقطع فيها البيعة رغم تغير الدول والظروف الدولية والتحولات السياسية. ولم يكن هذا الاستمرار وليد المصادفة، وإنما كان ثمرة مدرسة فقهية وسياسية عريقة أسهم في بنائها علماء المغرب عبر القرون. فقد أدرك هؤلاء العلماء أن مقصد الشريعة لا يقتصر على بيان الأحكام الفردية، بل يمتد إلى إقامة العمران وحفظ الجماعة وصيانة الدولة. ولذلك اعتبروا أن الإمامة والبيعة من أعظم الوسائل التي تحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، والأمن، لأن غياب السلطة الشرعية يؤدي إلى الفتنة، ويهدد استقرار المجتمع، ويضيع مصالح الناس.
عقد أمانة ومسؤولية
ويبرز في هذا السياق الإمام القاضي عياض الذي أكد في كتابه الشفا وفي غيره من مؤلفاته أن اجتماع المسلمين على إمام واحد من أعظم مصالح الأمة، وأن حفظ الجماعة مقصد شرعي لا يجوز التفريط فيه. كما رسخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي، وهو أحد أعلام المدرسة المقاصدية في الغرب الإسلامي، هذا الفهم عندما قرر في الموافقات أن جميع أحكام الشريعة ترجع إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وأن النظام العام للأمة من أعظم المصالح التي جاءت الشريعة بحفظها. ومن هذا المنطلق أصبحت البيعة، في التصور المغربي، وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة قبل أن تكون إجراءً سياسياً. وسار على هذا النهج علماء كبار مثل الونشريسي في المعيار المعرب، وأحمد بن خالد الناصري في الاستقصا، وعبد الله كنون، ومحمد المختار السوسي، الذين أكدوا جميعاً أن إمارة المؤمنين في المغرب ليست لقباً شرفياً، ومن هنا اكتسبت البيعة المغربية بعداً حضارياً خاصاً؛ فهي ليست مجرد إعلان ولاء للحاكم، بل هي عقد أمانة ومسؤولية متبادلة، يلتزم الإمام بمقتضاه بإقامة الدين، وحماية الوطن، وتحقيق العدل، وصيانة الحقوق، بينما تلتزم الأمة بالطاعة في المعروف، والمحافظة على وحدة الجماعة، وعدم الانجرار إلى الفتن التي تهدد كيان الدولة. ولذلك ظل علماء المغرب يؤكدون القاعدة النبوية الجامعة: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، بما يعني أن الطاعة في التصور الإسلامي المغربي ليست استسلاماً مطلقاً، وإنما التزام شرعي منضبط بقيم العدل والحق.
ولعل من أبرز مظاهر قوة هذا النموذج أن المغرب ظل محافظاً على استقلاله السياسي والديني في الوقت الذي خضعت فيه مناطق واسعة من العالم الإسلامي لسلطة الدولة العثمانية. فعلى الرغم من المكانة الكبرى التي احتلتها الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي، فإنها لم تستطع إخضاع المغرب أو ضمه إلى سلطانها. ولم يكن ذلك راجعاً فقط إلى الاعتبارات العسكرية أو الجغرافية، وإنما لأن المغرب كان يمتلك شرعية دينية وسياسية مستقلة، قوامها البيعة الشرعية التي انعقدت لسلاطينه، وإجماع العلماء وأهل الحل والعقد على إمامتهم، وهو ما جعل الدولة المغربية تتمتع بسيادة كاملة في قرارها الديني والسياسي. لقد كان علماء المغرب يدركون أن البيعة ليست علاقة بين شخصين، وإنما علاقة بين الأمة والدولة، ولذلك كانوا يحرصون على توثيقها كتابة، وحضورها عند انتقال الحكم، والتأكيد على شروطها الشرعية. وقد حفظت الخزائن المغربية عشرات وثائق البيعة التي تعود إلى قرون مختلفة، وتشهد على استمرارية هذه المؤسسة، وعلى الدور المركزي الذي كان يقوم به العلماء والقضاة والوجهاء في تثبيت شرعية السلطان وربطها بأحكام الشريعة.
شرعية دينية دستورية
وفي العصر الحديث، استطاعت المملكة المغربية أن تطور هذه المؤسسة دون أن تفقد روحها الإسلامية، فأصبحت البيعة جزءاً من البناء الدستوري للدولة. فقد نص الدستور المغربي على أن جلالة الملك هو أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، وهو ما جعل الشرعية الدينية تتكامل مع الشرعية الدستورية، في نموذج يكاد ينفرد به المغرب بين الدول الإسلامية. وهكذا أصبحت مؤسسة إمارة المؤمنين إحدى الدعائم الكبرى لاستقرار الدولة المغربية، إذ لم تعد البيعة مجرد إرث تاريخي، بل غدت إطاراً مؤسسياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، ويجسد استمرار الدولة المغربية في ظل ثوابتها الدينية والوطنية.
وإذا كانت البيعة قد شكلت عبر التاريخ المغربي أساس الشرعية السياسية والدينية، فإن قيمتها الحقيقية لم تظهر في لحظات الاستقرار فقط، وإنما تجلت بصورة أوضح في أوقات الأزمات والامتحانات الكبرى التي تعرضت لها الدولة المغربية. ففي تلك اللحظات أثبتت البيعة أنها ليست إجراءً بروتوكولياً، بل ميثاقاً شرعياً يحفظ الأمة من الانقسام ويصون الدولة من محاولات الاختراق الخارجي. ومن أبرز تلك المحطات ما شهدته المملكة المغربية سنة 1953، حين أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان الشرعي محمد الخامس، في محاولة لقطع الصلة التاريخية بين العرش والشعب، وإضعاف المرجعية الدينية التي كانت توحد المغاربة. ولم تكتف سلطات الاحتلال بذلك، بل نصبت محمد بن عرفة سلطاناً بديلاً، متوهمة أن القوة العسكرية والإدارة الاستعمارية قادرتان على صناعة الشرعية. غير أن فرنسا اصطدمت بخصوصية الدولة المغربية، وبالوعي العميق الذي ترسخ في وجدان المغاربة حول معنى البيعة الشرعية. فقد أعلن العلماء والقضاة والفقهاء وشيوخ الزوايا، ومعهم الحركة الوطنية وسائر فئات الشعب، رفضهم القاطع للاعتراف بالسلطان الذي فرضته سلطة الاحتلال، وتمسكوا بالبيعة الصحيحة التي انعقدت للسلطان محمد الخامس، معتبرين أن البيعة لا تنقض بإرادة المستعمر، ولا يملك الاحتلال أن يمنح الشرعية لمن يشاء أو ينزعها ممن يشاء.
أركان الهوية السياسية
وقد سجل التاريخ مواقف مشرّفة لكبار علماء المغرب الذين أكدوا أن البيعة عقد شرعي لا يصح إبطاله إلا بالأسباب التي يقررها الشرع، وأن الإمام الذي انعقدت له البيعة الصحيحة يبقى إماماً للأمة وإن أبعد عن وطنه قهراً. ومن هنا تحولت البيعة إلى رمز للمقاومة الوطنية، وأصبحت حماية الشرعية جزءاً من معركة التحرير، حتى عاد محمد الخامس إلى وطنه سنة 1955 وسط إجماع وطني غير مسبوق، في مشهد أكد أن الشرعية المستمدة من البيعة أقوى من شرعية الاحتلال والقوة العسكرية. وتبرز هذه الواقعة التاريخية أن مؤسسة إمارة المؤمنين ليست مجرد مؤسسة دستورية، بل هي ركن من أركان الهوية السياسية المغربية، إذ أثبتت قدرتها على حماية الدولة في أصعب الظروف، وربطت بين الاستقلال الوطني والشرعية الدينية، وهو ما يفسر استمرارها إلى يومنا هذا.
ومن المظاهر الفريدة التي حافظ عليها المغرب عبر تاريخه استمرار تجديد البيعة في عيد العرش المجيد. فهذا التقليد ليس إنشاءً لبيعة جديدة، وإنما هو إعلان متجدد لاستمرار العقد الذي يربط الأمة بإمامها، وتجديد لمعاني الوفاء والولاء في إطار المرجعية الإسلامية. ولهذا يتقدم العلماء، ورؤساء المؤسسات الدستورية، والوزراء، والبرلمانيون، والقضاة، والولاة والعمال، وأعيان القبائل، وممثلو مختلف جهات المملكة، إضافة إلى ممثلي الجالية المغربية في الخارج، لتجديد البيعة والولاء والطاعة لجلالة الملك أمير المؤمنين، في مشهد يعكس وحدة الدولة وتماسك مؤسساتها. وليس حضور الجالية المغربية في هذه المناسبة مجرد حضور رمزي، بل هو تعبير عن استمرار الرابطة الشرعية والوطنية التي تجمع المغاربة أينما كانوا بمؤسسة إمارة المؤمنين، وهو ما يمنح البيعة بعداً عالمياً يتجاوز الحدود الجغرافية، ويجعلها إطاراً جامعاً للهوية المغربية داخل الوطن وخارجه.
عبقرية المدرسة المغربية
ومن المنظور المقاصدي، فإن البيعة تحقق جملة من المقاصد الشرعية الكبرى؛ فهي تحفظ الدين من خلال توحيد المرجعية الدينية، وتحفظ النفس بمنع الفتن والصراعات، وتحفظ العقل بإشاعة الأمن والاستقرار، وتحفظ المال باستمرار مؤسسات الدولة وحماية الاقتصاد، وتحفظ النسل بصيانة الأسرة والمجتمع من آثار الفوضى والانقسام. ولهذا فإن البيعة ليست مجرد إرث تاريخي، بل وسيلة عملية لتحقيق الكليات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظها. ومن زاوية الفلسفة السياسية، فإن البيعة المغربية تقدم نموذجاً حضارياً يستحق أن يدرس في سياق المقارنة مع نظريات العقد الاجتماعي التي صاغها فلاسفة الغرب، وعلى رأسهم هوبز ولوك وروسو. فهؤلاء الفلاسفة انطلقوا من فكرة أن السلطة السياسية تنشأ من اتفاق إرادي بين الأفراد، يتنازلون بموجبها عن بعض حرياتهم مقابل الأمن والنظام العام. غير أن هذا العقد ظل، في الفلسفة الغربية، عقداً وضعياً خالصاً، يستمد شرعيته من الإرادة الإنسانية، ويخضع للتعديل أو الإلغاء بحسب موازين القوى والإرادة السياسية.
أما البيعة في الفكر الإسلامي المغربي، فهي وإن كانت تقوم على مبدأ التعاقد والرضا، فإنها تتجاوز التصور الوضعي إلى أفق أوسع، لأنها تربط بين الشرعية السياسية والتكليف الشرعي، وتجعل الإمام مسؤولاً أمام الله تعالى وأمام الأمة عن إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وتحقيق المصالح العامة، كما تجعل الأمة مسؤولة عن الوفاء بالعهد والطاعة في المعروف والنصح للإمام والمحافظة على وحدة الجماعة. وهنا تتجلى عبقرية المدرسة المغربية في الفكر السياسي الإسلامي؛ إذ لم تجعل البيعة مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، وإنما اعتبرتها ميثاقاً أخلاقياً ومقاصدياً يهدف إلى تحقيق العمران، وترسيخ الاستقرار، ومنع أسباب الفتنة والانقسام. ولذلك فإن البيعة المغربية تلتقي مع العقد الاجتماعي في كونها عقداً بين الحاكم والمحكوم، لكنها تتميز عنه بمرجعيتها الإلهية، وبكونها قائمة على القيم قبل المصالح، وعلى المسؤولية قبل السلطة، وعلى الواجبات المتبادلة قبل الحقوق المجردة.
التعاقد المشروع
ولعل هذه الخصوصية هي التي جعلت المملكة المغربية تحافظ على استمرارية مؤسساتها أكثر من اثني عشر قرناً، في وقت شهد فيه العالم الإسلامي سقوط الخلافة العباسية، ثم انهيار الدولة العثمانية، وتفكك كثير من الكيانات السياسية. أما المغرب فقد استطاع أن يحافظ على دولته بفضل تلازم ثلاث شرعيات كبرى: الشرعية الدينية المتمثلة في إمارة المؤمنين والبيعة، والشرعية التاريخية الممتدة عبر القرون، والشرعية الدستورية التي نظمت هذه المؤسسة في إطار الدولة الحديثة. ومن هنا فإن الاحتفال بعيد العرش ليس مجرد احتفال بذكرى سياسية، وإنما هو احتفاء باستمرار عقد تاريخي حافظ على وحدة الأمة المغربية، وصان استقلال الدولة، وجسد العلاقة المتينة بين العرش والشعب. كما أن مراسم البيعة السنوية تمثل رسالة حضارية تؤكد أن المغرب استطاع أن يجمع بين الوفاء لتراثه الإسلامي العريق والانخراط في بناء الدولة الحديثة، دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن ثوابته.
إن التجربة المغربية في البيعة وإمارة المؤمنين ليست مجرد صفحة من صفحات التاريخ، وإنما هي مدرسة في الفقه السياسي الإسلامي، ونموذج حضاري يجسد مقاصد الشريعة في حفظ الدين والدولة والإنسان. وهي تجربة تؤكد أن الشرعية الحقيقية لا تُفرض بالقوة، ولا تُشترى بالمصالح، وإنما تُبنى على الثقة والوفاء والتعاقد المشروع، وهو ما جعل العرش المغربي، عبر تاريخه الطويل، عنواناً للوحدة والاستقرار، وركناً من أركان الهوية الوطنية. وفي زمن تتعرض فيه كثير من الدول لأزمات الشرعية، ولصراعات الهوية، ولتفكك المؤسسات، تبدو التجربة المغربية جديرة بالتأمل والدراسة، لأنها تقدم نموذجاً إسلامياً أصيلاً في بناء الدولة، يجمع بين الشرعية الدينية، والمشروعية الدستورية، والاستقرار المؤسسي، والانفتاح الحضاري. ومن ثم فإن البيعة في المغرب ليست مجرد تقليد تاريخي، بل هي فلسفة حكم، ومنهج في إدارة الدولة، وتجسيد عملي لمقاصد الشريعة الإسلامية في إقامة العدل، وحفظ النظام، وتحقيق المصلحة العامة، وترسيخ وحدة الأمة تحت قيادة أمير المؤمنين، بما يجعلها واحدة من أبرز الخصوصيات الحضارية والسياسية للمملكة المغربية عبر التاريخ وإلى يومنا هذا .
