في زمن آخر غير هذا الزمن، كنا نطالع في جرائد المعارضة آنذاك، وبالتحديد في ركن جد صغير من صفحات المجتمع، أخبار إلقاء القبض على عصابة جديدة من عصابات الفراقشية.
كانت الكلمة تثير انتباهنا، خصوصا إذا كنا أبناء مدن، ولم يسبق لنا أن تعرفنا عليها "عمليا" في البادية، أو في أسواق الماشية، التي كانت هذه العصابات تنشط فيها، وتستولي على أغنام عباد الله، وذلك بسرقتها من خلال جرها من "فراقشها".
مضى ذلك الزمن دون عودة، ومعه مضت الجرائد والمعارضة وكثير من الأشياء، وأتى زمن آخر الكلام فيه مجاني، دون مقابل، متاح للجميع، ولمن لا يعرف قبل من يعرف، "فابور" مثلما نقول في دارجنا الجميل، فأصبحت كلمة "الفراقشية" مشاعا بين الكل، تستعملها ضدي وأستعملها ضدك، ونعتبر، معا أنا وأنت، أننا قضينا الغرض بهذا الاستعمال المعيب.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
سوى أن الأمر ليس كذلك، والحاجة أضحت ماسة لتعريف لغوي/ سياسي/ دقيق من المعجم للكلمة لئلا تعني الشيء ونقيضه، ولئلا يستعملها من هو في حكمها، ومن تصدق عليه أكثر من الآخرين، لكنه ومن خلال إسقاط جبان واضح يهرب إليها أولا، ويرميها في وجه خصومه ويعتقد أنه انتصر وفاز وانتهى من كل شيء.
ومن فراقشية الأحزاب حتى فراقشية المال والأعمال، مرورا بفراقشية المظاهرات ومتعهدي حفلات اللطم الجماعي، وفراقشية الرياضة، وفراقشية المهرجانات، وفراقشية الفراقشية (نعم، هم أيضا موجودون ومتوفرون) وصولا طبعا إلى مجالنا الموقر والجميل، أي فراقشية إعلامنا، وانتهاءا بكل "تفرقيش" ترونه ملائما في المجال الذي تشتغلون به أو يهمكم حاله، لا مفر من مدققين لغويين/ سياسيين، يعودون إلى كتاب كل مغربي وكل مغربية، منذ انطلق في الحياة، وحتى الآن، لكي يقولوا لنا "نعم، لقد ثبتت في حقه تهمة التفرقيش"، أو لكي ينفوا عن المسكين التهمة العجيبة، ويصرخوا في وجه الحاضرين "بريء والله العظيم بريء، فلتخرجوه من "رحبة الفراقشية" العامرة هذه".
لا مفر من هذا التدقيق لكي يطمئن قلب المواطن المغربي أولا، ولكي لا يذهب أحد في "زطيم الفراقش" هذا ثانيا، خصوصا وأن عددا كبيرا ممن يستعملون هذه الكلمة اليوم في حق خصومهم ملزمون قبل استعمالها باستصدار ورقة "اللاشيء" الشهيرة، أي السوابق العدلية، والإدلاء بها أمام الجميع لكي نتأكد من نظافة ماضيهم، وليس تاريخهم، الأسود.
نحن المغاربة، لا إشكال لدينا في أن يسمي الجميع الجميع فراقشية وننتهي من الحكاية بالاعتراف لبعضنا بالصفة، ولم لا التفكير في صنع بطاقة مهنية لها نوقع عليها بشكل مشترك، لكن الأمر سيكون ظالما حقا لمن لم يسبق له أن جر خروفا أو شاة من "فراقشهما" ذات يوم، بل ولم يسبق له أن وطأ أي "رحبة" من "الرحبات"، لكنه يجد نفسه، في زمن الخلط المعيب، معنيا هو الآخر بتبرئة نفسه من التهمة. والأسوأ أن يكون مطلقها عليه قيدوما مخضرما من المجال "الفراقشي"، كان هنا منذ البدء، وسيظل هنا حتى الختام، وسره الصغير هو التلون المتنوع، والقدرة المرعبة على تغيير الكتف وتغيير البندقية، وتغيير البذلات، وتغيير كل الأشياء، حتى تلك التي تعتقد أنها خلق رباني، ويستحيل أن تتغير.
لا مفر من التوضيح، أيها السادة، لا مفر من شرح الواضحات.