تنبني السياسات الخارجية للدول في نسختها الكلاسيكية على بناء قوة دبلوماسية، تعتمد أساليب التواصل مع الدول الأخرى، ومواقع النفوذ السياسية والإعلامية والاقتصادية، عن طريق القنوات الدبلوماسية، التي تعد السفارات عصبها الأساس، والتي ترتكز في عملها على الكثير من الروية والاتزان، وعلى حماية الفعل التواصلي بالسرية، وعلى الصبر في بلوغ النتائج المطلوبة، إذ يعد السقوط في التسرع وردود الأفعال الآنية والانفعالية من الأخطاء القاتلة في هذا النمط من السياسيات الخارجية.
إن هذا النمط التقليدي لم يفقد جدواه، إذ هو السائد في بناء العلاقات البينية، ولكنه إذ يركز على الجانب الرسمي، يغفل عن دور الرأي العام المتزايد في بناء خيارات الدول بما فيها الخارجية، إد أصبحت الدول في كثير من القضايا الخارجية تجد نفسها مكرهة على إقناع رأيها العام بما يمكن ان لا يلاقي قبولا شعبيا، وإن كان يروم تحقيق مصلحة وطنية، وهو الأمر الذي يدفع كذلك دولا إلى التأثير عبر حملات إعلامية ممنهجة في الرأي العام لدول أخرى.
لقد أصبح الرأي العام ميدانا للحروب الدبلوماسية المعاصرة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وهو ما وعته الكثير من الدول التي سعت إلى بناء منظومات إعلامية خارجية قوية مبكرا، بدأ الأمر مع الإذاعات الموجهة للخارج، ثم تضاعف الاستثمار في هذه الحروب الإعلامية مع موجة القنوات الفضائية، التي حولت أحيانا دولا صغيرة إلى قوى مؤثرة في السياسات الخارجية وفي هندسة وعي الشعوب.
لكن حتى هذه الصيغ الإعلامية أضحت بدورها كلاسيكية في حروب التأثير على الرأي العام، إذ عوضتها منصات السوشلميديا، فأصبحت "الخوارزميات" فاعلا في تشكيل قناعات رأي عام، قد يتم توجيهه عن بعد، وبهندسة دقيقة للوعي ليخدم مصلحة قوة إقليمية أو مالية او اقتصادية او عسكرية، وأحيانا حتى على النقيض من المصلحة الوطنية. وفي بعض الحالات قد تتسبب هذه الفوضى الرقمية في إشعال توترات إقليمية لم تكن منتظرة بحساب المصالح والأعراف، وقد تفاجئ حتى المنشغلين بالدراسات المستقبلية؟
فاليوم، تعيش العلاقات الدولية تحت ما يمكن وصفه بـ”دكتاتورية الآنية”، حيث باتت تغريدة عابرة أو مقطع فيديو مجتزأ قادرين على إشعال أزمات دبلوماسية بين دول كانت، إلى وقت قريب، تخطط لشراكات استراتيجية تمتد لسنوات طويلة.
في هذا السياق، يشهد العالم ما يمكن اعتباره “تأميما” فعليا للسياسة الخارجية من طرف الفضاء الرقمي. إذ لم يعد وزير الخارجية هو الناطق الوحيد باسم الدولة، بل برز فاعلون جدد، من قبيل المؤثرين، والشبكات الرقمية، وخوارزميات المنصات الكبرى، باعتبارهم عناصر مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه الأجندات الدولية. وقد انتقلت موازين القوة تدريجيا من منطق “فوهات المدافع” إلى منطق “صناعة الرواية”، بحيث أصبحت القدرة على بناء سردية مقنعة وجذابة عنصرا حاسما في ميزان النفوذ العالمي.
وبلادنا ليست في منأى عن حروب الخوارزميات هذه، التي لم نسلم من "شظاياها". وتعد قضية الصحراء المغربية مختبرا دالا لفهم حدود تأثير السوشل ميديا في تسييد السردية المغربية حول السيادة الوطنية، في مقابل السردية النقيض القائمة على قراءة متعسفة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد استوعب المغرب، ضمن مقاربة استراتيجية، أن المعركة الدبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك لا تنفصل عن معركة “الترند” في الفضاء الرقمي. وهي معركة تتخذ شكل “حرب صور” و”حرب روايات”، تسعى من خلالها أطراف معادية للوحدة الترابية إلى توظيف منصات التواصل الاجتماعي في ترويج معطيات مضللة وبروباغندا ممنهجة.
في هذا الإطار لم تعد الدبلوماسية تقتصر على عمليات التفاوض في الغرف الخلفية، بل أصبحت كذلك منخرطة في حروب “ هندسة الوعي ”، التي تتطلب يقظة واقتدارا رقميين، وقدرات تواصلية متقدمة تتجاوز الأدوات التقليدية.
غير أن التحدي لا يكمن فقط في سرعة تداول المعلومات، بل في تنامي ظاهرة “صناعة الزيف” بشكل منظم. فالعالم اليوم يعيش في سياق “الحروب الهجينة”، حيث يتم استهداف استقرار الدول عبر حملات تضليل إعلامي موجهة، تستهدف التأثير في الرأي العام وزعزعة الثقة في المؤسسات، مما يتطلب بناء المزاوجة بين دفاع يدحض "الفايك نيوز"، وهجوم يجعل السيادة الرقمية للسردية الوطنية.
وفي هذا الإطار يبرز سؤال السيادة الرقمية كأحد أبرز التحديات التي تواجه بلادنا: كيف يمكن حماية السيادة الوطنية في فضاء افتراضي بلا حدود؟ إذ لم يعد الاختراق يحتاج إلى وسائل تقليدية، بل يمكن لجيش من المنشورات والتغريدات أن يساهم في خلق حالة من الفوضى أو التشويش، تحتاج مواجهتها إلى عمل منظم ومهيكل، إذ في أحيان قد تكون الردود غير القائمة على استراتيجية وهندسة منظمة غير مجدية، او قد تؤدي إلى عكس ما تتغياه.
وبناء عليه، أصبحت حماية “الحدود الرقمية” لا تقل أهمية عن حماية الحدود الجغرافية، بالنظر إلى أن إضعاف الرواية الوطنية في الفضاء الرقمي قد ينعكس سلبا على المكتسبات الدبلوماسية على أرض الواقع.
ومع تطور التقنيات الحديثة، يبرز الذكاء الاصطناعي كلاعب جديد في المشهد، يحمل إمكانات كبيرة كما يحمل مخاطر متزايدة. فقد انتقل التزييف من مجرد
فبركة أخبار كاذبة يسهل دحضها عبر بيان حقيقة فقط، إلى تزييف عميق يعتمد الذكاء الاصطناعي في فبركة فيديوهات لمسؤولين ولأحداث غير حقيقية بطريقة يصعب على المتلقي اكتشاف زيفها، إذ أصبحت الحدود بين الفيديوهات الحقيقية وتلك المصنوعة بالذكاء الاصطناعي غير واضحة، في سياق يتميز من جهة بفوضى المعلومات التي حلت محل ندرة المعلومات، وبهشاشة الحصانة الرقمية للأفراد.
وفي ظل هذا الواقع، لا تكمن الإشكالية الأساسية في ندرة المعلومات، بل في طغيان الانفعال وسرعة التفاعل. فبينما تقوم الدبلوماسية الرسمية على التروي، وحسبان ميزان المكتسبات والمصالح الراهنة والاستراتيجية، وترك مساحات لفرص مستقبلية تمنع القطائع النهائية، فإن المنخرطين في الحروب السيبرانية من مؤثرين ومن صانعي المحتوى، قد يقعوا في فخ الانفعالية، وقد يسقطوا في ردود لم يعوا ان الهدف منها جرهم إلى التركيز على قضية ما، وإهمال أخرى قد يكون الترويج لها هو الأفضل للسياسة الخارجية للبلاد. فتحت ضغط مباشر لمؤشرات التفاعل السريع مثل “الإعجاب” و”المشاركة”، قد يتم إنتاج محتويات ذات طابع استعراضي، على حساب القرارات الاستراتيجية التي لا يتأتى لأي كان فهمها واستيعابها، وبالتالي الاشتغال وفق أفقها.
أمام هذا التحول، تبدو معركة المستقبل بالنسبة للمغرب، ولسائر الدول الساعية إلى الاستقرار، معركة “ذكاء إعلامي” بامتياز. فالإعلام لم يعد مجرد سلطة رابعة تراقب من الخارج، بل أصبح فاعلا مركزيا في منح الشرعية أو التأثير عليها. وبالتالي، فإن امتلاك القدرة على إنتاج الرواية الوطنية، والتحكم في أدوات نشرها، وتعزيز مناعة المجتمع ضد الاختراق المعلوماتي، يشكل رهانا استراتيجيا لا يقل أهمية عن أي بعد آخر من أبعاد القوة الوطنية.
في المحصلة، يفرض الواقع الرقمي الجديد إعادة التفكير في أدوات الدبلوماسية وأساليبها، بما يضمن التوازن بين الفعالية الاتصالية والعمق الاستراتيجي، ويحول الفضاء الإعلامي من مجال للتأثير السلبي إلى أداة لتعزيز التواصل وبناء الصورة وحماية المصالح الوطنية.
وهو الأمر الذي يتطلب بناء استراتيجية وطنية للدبلوماسية والحروب الرقمية، بحيث ننتقل من المبادرات الفردية لصانعي محتوى ومؤثرين إلى عمل منظم ومنسق يستثمر الكفاءات الرقمية والتواصلية والمعرفية.
لا يعني الأمر الحد من حرية أحد في دفاعه عن القضايا الوطنية، بل فقط بناء ما يمكن ان نسميهم بالأبطال الرقميين، على غرار ما يسمى الأبطال الوطنيين في مجالات الصناعة، إذ يقودون القافلة الرقمية، فنحوز على مرجعية تنقلنا من الحماسة الرقمية إلى الهندسة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.