يشكل تقرير المخاطر العالمي الصادر في يناير الماضي مرآة دقيقة تعكس التحديات البنيوية التي تواجه المغرب، بعيدا عن القراءات التقليدية التي تختزل المخاطر في أبعادها السياسية أو الأمنية. فالمثير في مخرجات هذا التقرير هو تركيزه الواضح على طبيعة المخاطر المرتبطة أساسا بأنماط التدبير الحكومي وجودة السياسات العمومية، وهو ما يضع الفاعلين السياسيين والإداريين أمام مسؤوليات متجددة.
وفقا لما أورده التقرير، فإن عدد المخاطر التي تحدق بالمغرب ليس بالهين، غير أن تصنيفها يكشف أنها تنتمي في غالبيتها إلى دائرة الحكامة والتدبير، وليس إلى الاضطرابات السياسية أو التهديدات الأمنية. هذه الخلاصة من المفروض أن تعيد توجيه النقاش العمومي نحو قضايا أكثر عمقا، تتعلق بكيفية إدارة الموارد، وقوة المؤسسات، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق الأثر المطلوب.
التقرير، الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بين في إصداره الأخير أن من بين أبرز المخاطر التي تواجه المغرب هي أولا: ضعف الفرص الاقتصادية والبطالة. ثانيا: ضعف الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية. ثالثا: التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
النقاط الثلاثة، التي ركز عليها التقرير، مرتبطة أساس باختلالات الحكامة، وضعف التنسيق بين المؤسسات، واستمرار مظاهر البيروقراطية الإدارية التي تعيق الاستثمار وتحد من فعالية الخدمات العمومية. ينضاف إلى كل هذا سلوكات الفساد، سواء في مستوياتها الصغرى أو الكبرى، والتي لا تزال تمثل عائقا حقيقيا أمام تحقيق التنمية المستدامة، لما لها من تأثير مباشر على ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ضعف آليات التقييم وتتبع السياسات العمومية، فضعف ثقافة وآليات التقييم المبني على النتائج مقابل هيمنة مقاربات شكلية تركز على الإنجاز الكمي دون الوقوف عند الأثر الفعلي يؤدي إلى الإفلات من العقاب وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد المبادئ الأساسية للحكامة الجيدة..
تقرير المخاطر، وتقارير أخرى عن الحكامة الجيدة والتدبير العقلاني السليم، تدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل الأجندة السياسية والإدارية. فالموضوع لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة الظرفية، بل ينبغي أن يكون نصب أعين مختلف الفاعلين، سواء داخل الحكومة أو البرلمان أو الإدارة العمومية. ذلك أن تجاوز هذه المخاطر يقتضي إصلاحات عميقة تمس بنية التدبير العمومي، وتعزز الشفافية، وتكرس ثقافة الأداء والمساءلة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري ربط البرامج المستقبلية، سواء كانت تنموية أو قطاعية، بهذه التحديات التي رصدها التقرير. فلا يمكن الحديث عن نماذج تنموية جديدة أو استراتيجيات طموحة دون إدماج إشكالات الحكامة في صلبها، والعمل على معالجتها بشكل ممنهج. كما أن نجاح أي برنامج مستقبلي يظل رهينا بمدى قدرته على الحد من البيروقراطية، ومحاربة الفساد، وتحسين جودة الخدمات.
إن التحديات التي يواجهها المغرب اليوم تقوم بالأساس على إصلاح القطاع العمومي، وتغيير السلوكات المرتبطة به أكثر مما ترتبط بعوامل خارجية. فالمشكل ليس في ندرة الإمكانيات بقدر ما هو في كيفية تدبيرها. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يكمن في إرساء إدارة فعالة، شفافة، وخاضعة للمساءلة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية ومسؤولية الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والمجتمع المدني، تساوي مسؤولية الإدارة.
الورش كبير وأساسي، بل هو الفاصل بين الاستقرار والسلم الاجتماعي، وبين استمرار التحديات والدخول في غموض لا نبتغيه لبلادنا..
فمن الضروري الالتزام بقراءة صريحة وواقعية، تضع المغرب أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على إصلاح منظومة الحكامة. وهو اختبار لا يهم فقط صناع القرار، بل يشمل أيضا المجتمع السياسي والإداري ككل، باعتبار أن كسب هذا الرهان هو المدخل الأساسي لضمان تنمية مستدامة وشاملة.