ارتفاع الأسعار واختلالات منظومة التسويق

بقلم: حكيم بلمداحي الثلاثاء 24 مارس 2026
MdcRn58sTwZgXzoKgimqLiJrbniISYytPrBpHxT7
MdcRn58sTwZgXzoKgimqLiJrbniISYytPrBpHxT7

يواجه المغاربة منذ فترة غلاء مقيتا في أسعار الفواكه والخضروات أنهك جيوبهم، وأثر في ميزانياتهم. وقد شهد شهر رمضان واقعا صعبا بعضه غير مفهوم.

الارتفاع المثير في الأسعار، يثير قلق المستهلكين ويحيي النقاش حول اختلالات بنيوية في منظومة التسويق الفلاحي. سلسلة التسويق التي تطرح عدة أسئلة وتثير الكثير من الشبهات. فبينما تبدو بعض أسباب ارتفاع الأسعار موضوعية، ترتبط بعوامل العرض والطلب، فإن واقع السوق يكشف عن إشكالات أعمق تتجاوز التقلبات الطبيعية..

فمن الناحية النظرية، يفترض أن تتحكم وفرة الإنتاج أو ندرته في تحديد الأسعار، غير أن الممارسة الميدانية تظهر أن مسار الخضر من الحقول إلى موائد المستهلكين يمر عبر سلسلة معقدة من الوسطاء. هذه السلسلة تبدأ من الفلاح، لتصل إلى ما يعرف بـ"صاحب الشكارة"، قبل أن تمر عبر عدة حلقات أخرى من المضاربين وتجار الجملة، وصولا إلى البائع بالتقسيط. وخلال هذه الرحلة، تتضخم الأسعار بشكل مصطنع، لا يعكس دائما التكلفة الحقيقية للإنتاج أو وضعية السوق المحلية.

هذا التضخم غير المبرر يطرح تساؤلات حول شفافية السوق، خاصة أن الفلاح، باعتباره الحلقة الأضعف، لا يستفيد غالبا من هذه الزيادات، في حين يتحمل المستهلك العبء الأكبر. كما أن تعدد المتدخلين في سلسلة التوزيع يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية ومضاربات تساهم في رفع الأسعار دون مبرر اقتصادي واضح.

إلى جانب ذلك، يبرز خلل آخر يتمثل في عدم التوازن بين تلبية حاجيات السوق الداخلية وتوجيه جزء مهم من الإنتاج نحو التصدير. ففي فترات معينة، يؤدي التركيز على الأسواق الخارجية إلى تقليص العرض محليا، ما ينعكس مباشرة على الأسعار ويزيد من معاناة المواطنين.

أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل حكومي حازم يهدف إلى إعادة تنظيم السوق وضمان شفافيته. الخلل الأول الذي يجب على الحكومة معالجته، ببرنامج ورؤية متكاملة، هو تقليص عدد الوسطاء، وضبط سلسلة التوزيع بشكل واضح ومحدد، بما يضمن وصول المنتجات من الفلاح إلى المستهلك بأقل عدد ممكن من المتدخلين.

كما أن محاربة المضاربات تظل أولوية قصوى، عبر تفعيل آليات المراقبة والزجر، ووضع قوانين صارمة تحد من التلاعب بالأسعار. وفي هذا السياق، يبرز مطلب إحداث المجلس الأعلى للمستهلك كضرورة ملحة، ليضطلع بدور أساسي في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وتتبع تحولات السوق، والترافع من أجل سياسات عادلة ومنصفة.

إن معالجة غلاء أسعار الخضر لا يمكن أن تتم عبر حلول ظرفية، بل تستدعي إصلاحا شاملا لمنظومة التسويق، يحقق التوازن بين مصلحة الفلاح، وحقوق المستهلك، ومتطلبات الاقتصاد الوطني. وهذا الأمر يبقى عالقا يتطلب تدخلا حقيقيا بنظرة شمولية تتماشى مع التطور الحاصل في سلسلة التسويق والتوزيع.

لا شك أن التشخيص موجود وقد نبه إليه المهنيون والمتدخلون منذ مدة. كما أن السلوكات التي تمس بوضعية السوق يعرفها المهنيون، وتمارس داخل أسواق الجملة وفي حواشيها، وأبسط موزع أو بائع يعرف ما يجري. ومن هنا يجب أن تنطلق العملية من أجل حماية السوق وحماية المستهلك وحماية السلم الاجتماعي.