مؤشر الإرهاب العالمي 2026: المغرب نموذج في الاستقرار وشريك دولي ملهم في مكافحة التطرف

أحداث. أنفو الاثنين 23 مارس 2026

كشف معهد الاقتصاد والسلام (Institute for Economics and Peace)، ومقره الرئيسي في سيدني بأستراليا، في تقريره السنوي الخاص بـ مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) لعام 2026، عن تحول كبير في المشهد الأمني الدولي، حيث سجل العالم انخفاضاً جوهرياً بنسبة 28% في عدد ضحايا الإرهاب خلال عام 2025 (5582 حالة وفاة)، ترافق مع تراجع في العمليات الإرهابية بنسبة 22%، لتصل إلى 2944 حادثة.

وعلى صعيد الدول الأكثر تضرراً، تصدرت باكستان القائمة لأول مرة، متجاوزة بوركينافاسو، حيث سجلت 1139 حالة وفاة و1045 عملاً إرهابياً في عام 2025، وهي عودة دموية تُربط مباشرة بتداعيات عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021.

تحولات جغرافية: تصاعد التهديدات بمنطقة "الساحل" وتراجعها "بالشرق الأوسط".

سلط التقرير الذي جرى تعميمه في 18 مارس الجاري الضوء على تباين حاد في توزيع التهديدات ذات الطابع الإرهابي بين مناطق العالم؛ فبينما شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انخفاضا تاريخيا في عدد الضحايا بنسبة ناقص 95% خلال العقد الأخير، أشار التقرير بشكل واضح إلى تحول مناطق إفريقيا جنوب الصحراء إلى بؤر تحتضن الخطر الأكبر.

وقد جاء في تقرير معهد الاقتصاد والسلام العالمي أن أكثر من نصف الوفيات العالمية المرتبطة بالإرهاب تتركز في مناطق إفريقيا جنوب الصحراء. حيث إنه للعام الثالث على التوالي، تقع ست بلدان من أصل الدول العشر الأكثر تضرراً في هذه المنطقة، التي تضاعفت فيها الهجمات عشر مرات منذ عام 2007.

المغرب: نموذج دولي رائد في مكافحة الإرهاب

في ظل هذه الاضطرابات الإقليمية والتحولات الاستراتيجية التي تعرفها جغرافية الإرهاب العالمي، برز المغرب من خلال تقرير معهد الاقتصاد والسلام العالمي كنموذج فريد للاستقرار والفعالية الأمنية. حيث يصنف التقرير المملكة ضمن قائمة ضيقة تضم 25 دولة فقط (من أصل 163) التي لم تسجل أي هجوم إرهابي منذ عام 2011.

ويعزى هذا الأداء الاستثنائي للمغرب في مجابهة الإرهاب إلى الاستراتيجية الاستباقية وقوة المقاربة الأمنية المتعددة الأبعاد التي تنهجها المملكة، فضلا عن مناخ الاستقرار المؤسساتي، حيث أشار التقرير إلى أن 1% فقط من وفيات الإرهاب عالمياً حدثت خارج مناطق النزاع، مما يجعل استقرار مؤسسات المغرب "درعاً واقياً" يعزله عن ديناميكيات العنف المنتشرة في الجوار.

المغرب مقابل دول الجوار: مفارقة الاستقرار والاضطراب

وفي تحليل لأسباب تفوق النموذج المغربي مقارنة مع دول محيطه الإقليمي التي تغرق في دوامة من العنف والعنف المضاد، حيث تشير معطيات التقرير إلى أن المغرب نجح في الحفاظ على "صفر حالة" من العمليات الإرهابية منذ عام 2011، مما يجعله حالة استثنائية في شمال أفريقيا.

ويظهر بوضوح تفوق المغربي في مواجهة الخطر الإرهابي مقارنة بمحيطه القاري القريب. ففي الوقت الذي يتم تصنيف المغرب من بين الدول الـ 25 الأكثر أماناً عالمياً، تعتبر بعض دول الساحل وجنوب الصحراء ضمن العشر دول الأكثر تضرراً من الإرهاب!

وأمام الغياب التام للعمليات الإرهابية منذ 15 عاماً بالمغرب، وعدم تسجيل أي ضحايا للإرهاب، يسجل في المقابل، تضاعف منسوب الهجمات الإرهابية بنسبة 10 مرات منذ 2007 بدول الساحل جنوب الصحراء، حيث تمثل هذه المنطقة حالياً أكثر من 50% من الوفيات العالمية بسبب الخطر الإرهابي.

لماذا يتفوق النموذج المغربي؟

يشير التقرير والخبراء إلى أن "الاستثناء المغربي" ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لتكامل مجموعة من السياسات العمومية في مواجهة الفكر الإرهابي المتطرف، وفي طليعتها المقاربة الأمنية الاستباقية، التي ترتكز على عمل أمني في العمق، يقوم على منظومة متكاملة لجمع وتحليل المعطيات وتتبع حركية التنظيمات الإرهابية، بشكل يمنح الأمن المغربي، وخصوصا المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ميزة التفوق في تفكيك الخلايا في مراحل التخطيط الأولى قبل المرور إلى التنفيذ.

ومن أهم منطلقات الاستراتيجية المغربية لمكافحة الإرهاب، نجد كذلك تنشيط قنوات التعاون الدولي، حيث يُنظر للأجهزة الأمنية المغربية كشريك موثوق به ولا غنى عنه للقوى الدولية (أوروبا والولايات المتحدة) في تبادل المعلومات الاستخباراتية.

ولا نغفل كذلك الأوراش الكبرى المرتبطة بإصلاح الحقل الديني، والتي تتميز بالعمل التشاركي مع باقي المتدخلين في تحصين المجتمع في مواجهة الفكر المتطرف عبر نشر قيم الاعتدال والوسطية، وكذلك الاستثمار المتزايد في حقل التنمية البشرية عبر برامج تنموية تعمل على معالجة الجذور السوسيو-اقتصادية التي قد يستغلها المتطرفون للتجنيد.

وتتويجا لهذه المقاربة المتعددة الأبعاد، فقد أكد تقرير مؤشر الإرهاب العالمي أن 1 بالمائة فقط من ضحايا الإرهاب في عام 2025 سقطوا في دول تتمتع باستقرار سياسي ومؤسساتي، وهو ما يفسر "الحصانة" التي بات يتمتع بها المغرب، مقارنة بجيرانه الذين يعانون من اضطرابات عسكرية أو نزاعات مسلحة.

التحديات المستقبلية أمام المغرب.

رغم نجاح المغرب باعتراف مجموعة من الشركاء الدوليين والمؤسسات البحثية المتخصصة، فقد حذر معهد الاقتصاد والسلام العالمي من أن عام 2026 يمثل "عنق زجاجة" بسبب العدوى الإقليمية التي يمثلها تمدد الجماعات المتطرفة من منطقة الساحل نحو دول شمال أفريقيا.

ويشير التقرير إلى أن هاته الجماعات، وبعد أن أحكمت سيطرتها على مناطق شاسعة من منطقة الساحل، مستفيدة من مناخ عدم الاستقرار السياسي والهشاشة الاقتصادية، فهي قد دخلت فعلا في مرحلة التمدد في مرحلة أولى نحو دول شمال إفريقيا، في أفق الوصول إلى أوروبا مستقبلا، وهو ما يقضي رفع درجات الاستعداد لمواجهة موجات مستقبلية من التهديدات الإرهابية.

وإلى جانب الحركية الجغرافية للجماعات المتطرفة، يطرح التقرير التهديدات القائمة على تطور عمليات التجنيد الرقمي، الذي يستهدف فئة الشباب والمراهقين بشكل متزايد، حيث أظهرت التحقيقات الدولية أن أكثر من 42 بالمائة من عمليات التجنيد تتم عبر شبكات الانترنيت وخصوصا شبكات التواصل الاجتماعي وخوادم التواصل المغلقة.

واختتم معهد الاقتصاد والسلام تقريره بالتأكيد على أن المغرب ليس فقط بلداً آمناً، بل هو "مصدر للاستقرار" في منطقة جغرافية شديدة التعقيد. إن إشادة مؤشر الإرهاب العالمي هذه تعزز الثقة الدولية في المملكة، ليس كوجهة سياحية واقتصادية فحسب، بل كشريك استراتيجي رائد في صياغة مستقبل أمني أكثر أماناً.