إنه سؤال يختزل قصة هذا النص المفتوح لحرب متعددة الابعاد، من هنا لالغرابة من هذا التناسل الغريب لاحداث الاخيرة و تداعيتها التي سبق أن حالونا تناولها سابقا ، خاصة تلك المتعلقة بتداعيات الحرب على موقع المغرب الاستراتيجي كممر بحري بديل أو على الاقل مخزن استراتيجي لوجيستيكي موثوق به.
لقد غدا من اليسير اليوم قراءة الأحداث العاصفة في الخليج من زاويتين تبدوان، في الظاهر، على طرفي نقيض، غير أنهما تصدران في العمق عن المنطق ذاته. ففريق يرى في هذه الوقائع ما تجاوز السياسة والعلاقات الدولية نفسها بمعناها الكلاسيكي ، كأنها قد أُقصيت إلى هامش المشهد، لا تملك تقديما ولا تأخيرا، ولا تحسن غير التفرج المرتبك على ما يجري، حتى ليخيّل إلى الناظر أن القائمين على تدبيرها يعبثون بأوراقهم فيما العاصفة تضرب في الصميم.
وعلى الضفة الأخرى، يذهب فريق ثان إلى النقيض التام، فيجعل من كل ما يقع صنعة محكمة ونتيجة لمراكز THINK TANK، ويحمّلها قدرة شبه مطلقة على افتعال الأحداث وتوجيهها وإخراجها على النحو الذي تريد. وهكذا ينحدر قوم بالسياسة إلى درك العدم، فيما يرفعها آخرون إلى مرتبة القدرة الكلية. مابين هذا و ذاك وعلى غرار المحاولات السابقة سنحاول ترصد أو لنقل قنص بعض الفرص الممكنة التي يمكن للمغرب الاستفادة منها و استثمارها.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
من طنجة إلى الدرالبيضاء.. من اللوجيستيك إلى القطب المالي
الحروب لا تنقل المراكز المالية من مدينة إلى أخرى بشكل آلي، لكنها تضرب أول ما تحتاجه هذه المراكز: الثقة، وفي الحالة الخليجية الأخيرة و خاصة وصول صواريخ ايران الى عمق المراكو المالية و ايضا الفنادق الفخمة ، كان تلك الصواريخ لاتفجر فقط قنابل نارية و إنما تحمل في طيّاتها رسائل، مفادها أن المراكة المالية في دبي و الخليج ككل ليست بمنآى عن النيران ، رأس المال جبان ، مقولة اقتصادية و جيوسياسية ايضا ، إذن لم يعد الحديث نظريا، لأن التقارير الدولية تحدثت عن وصول الهجمات إلى دبي نفسها، وعن تعرض الحي المالي في الإمارة لاضطراب نفسي وتشغيلي، مع لجوء بعض المؤسسات إلى العمل عن بعد وتزايد قلق المستثمرين والموظفين. هذا النوع من الأحداث لا يعني انهيار مركز مالي مثل دبي، لكنه يعني أن صورة “الملاذ الإقليمي الآمن” لم تعد مطلقة كما كانت.
وهنا بالضبط تظهر فرصة الدار البيضاء. فالقطب المالي للدار البيضاء لا ينافس الخليج على أساس الحجم أو عمق الرساميل، بل على أساس الاستقرار النسبي والتموقع الجغرافي والوظيفة الإفريقية. فحسب تقريره السنوي لعام 2024، بلغ عدد أعضاء Casablanca Finance City 222 عضوا من 25 دولة بعد منح 27 صفة جديدة خلال السنة، وهو ما يعكس استمرار جاذبيته الدولية، لا سيما كمنصة موجهة نحو إفريقيا. كما استقبل أكثر من عشر وفود رسمية واقتصادية في العام نفسه، ما يعزز وظيفته كجسر بين المغرب وإفريقيا والعالم.
وتزداد هذه الفرصة وضوحا إذا نظرنا إلى ترتيب المراكز المالية. فالدار البيضاء ما تزال، وفق GFCI 37، المركز المالي الأول في إفريقيا، بينما تواصل دبي وأبوظبي احتلال المركزين الأول والثاني في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وجاءت الدار البيضاء في المرتبة 56 عالميًا. هذا يعني أن الدار البيضاء ليست مركزا هامشيا، بل هي موجودة أصلا في الخريطة المالية الدولية، وتملك قاعدة انطلاق يمكن أن تستفيد من أي إعادة تموضع جزئي لرؤوس الأموال أو المقرات الإقليمية الباحثة عن موقع أقل تعرضا للتقلبات الجيوسياسية.
لكن نوع الاستفادة المرجح هنا ليس انتقال قلب المنظومة المالية الخليجية إلى المغرب، وإنما انتقال جزء من الأنشطة التي تبحث عن تنويع المخاطر. فالشركات التي تدير عمليات إفريقية، أو التي تريد مركزا عربيا قريبا من أوروبا وخارج نطاق التهديد المباشر في الخليج، قد تجد في الدار البيضاء خيارا أكثر إقناعا، بهذا المعنى، يمكن للدار البيضاء أن تتحول من مركز إفريقي مهم إلى خيار احتياطي أو مكمّل لبعض الأعمال التي كانت متمركزة بالكامل في الخليج. وهذه ميزة استراتيجية، لأن المراكز المالية في زمن الأزمات لا تربح فقط من نقل الرساميل، بل أيضا من نقل الثقة كقيمة اقتصادية حاسمة بالنسبة للاستثمارات.
حدود الطموح المالي
حتى لايتهمّنا البعض أننا شططنا في الحلم والتمني، مع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة. فحتى لو تزعزعت صورة الخليج بسبب وصول الصواريخ أو المسيّرات إلى دبي، فإن دبي وأبوظبي لا تزالان تملكان تفوقا بنيويا واضحا على الدار البيضاء. دبي ما زالت تحتل المرتبة 12 عالميًا في GFCI 37، وأبوظبي المرتبة 38، بينما الدار البيضاء في المرتبة 56. وهذا الفارق ليس رمزيا فقط، بل يعكس فروقا في الكثافة المؤسسية وعمق الأسواق ونوعية الخدمات.
الأرقام المؤسسية تؤكد ذلك. فأبوظبي العالمية (ADGM) أعلنت أن الأصول تحت الإدارة لديها قفزت بنسبة 245% في 2024، وأنها تضم 134 مدير أصول وصناديق يشرفون على 166 صندوقا. هذه المؤشرات تعني أن الخليج لا يزال يملك تفوقا كبيرا في إدارة الأصول والتمويل العابر للحدود. وبالتالي، إذا ضعفت الثقة بالخليج بسبب الحرب، فالأثر المرجح لن يكون “سقوط الخليج وصعود الدار البيضاء” بل إعادة توزيع جزئي للمخاطر داخل شبكة أوسع من المراكز.
لذلك، فإن حظوظ الدار البيضاء الحقيقية تتركز في ثلاثة مجالات محددة. أولها المقار الإقليمية الموجهة نحو إفريقيا، لأن هذه الوظيفة تتناسب أصلا مع هويتها الحالية. ثانيها الخدمات القانونية والاستشارية المرتبطة بالاستثمار الإفريقي، وهي خدمات يمكن نقلها بسهولة أكبر من الأنشطة المالية الثقيلة. ثالثها الإدارة الإقليمية والخزينة والوظائف التشغيلية التي تبحث عن بيئة أكثر هدوءا سياسيا من الخليج إذا استمر التوتر. أما الأنشطة الكبرى مثل إدارة الثروات العالمية أو التمويل السيادي أو الأسواق المالية العميقة، فمن الصعب أن تنتقل سريعا من دبي أو أبوظبي إلى الدار البيضاء في المدى القصير. وهو أمر واقعي ليس بغائب عنا ولا هو دليل على سيكلوجية مختلة و مفارقة للحقيقة ، هذا استنتاج تحليلي تفرضه الفوارق الواضحة في الحجم والهيكل بين الطرفين.
ومن هنا، فإن الاستفادة الممكنة للدار البيضاء مشروطة وليست تلقائية. فإذا اكتفى المغرب بالمراقبة، فستبقى الاستفادة محدودة. أما إذا تحرك بسرعة من خلال تسويق الدار البيضاء كمركز آمن ومستقر، وتبسيط المساطر، وتقوية الربط الجوي والرقمي، وتقديم حوافز عملية للمقار الإقليمية، فإن الظرف الحالي قد يتحول من مجرد توتر خليجي إلى فرصة تموقع استراتيجي للدار البيضاء. لأن المراكز المالية لا تنتظر دائما انهيار منافسيها؛ أحيانًا يكفي أن تظهر أنها الأكثر استعدادا عندما تهتز بيئة الآخرين. ولدينا في لبنان نهاية السبعينات و قبرص و البحرين مثالا لمن ألقة السمع و هو شهيد.
إن الحرب الخليجية الأخيرة قد تمنح الدار البيضاء فرصة حقيقية ولكن جزئية. فهي لن تجعلها بديلا مباشرا لدبي أو أبوظبي، لكنها قد تمنحها فرصة لتكريس نفسها كمركز عربي-إفريقي أكثر جاذبية للشركات التي أصبحت ترى في الخليج مركزا قويا لكنه أكثر تعرضا للمخاطر الجيوسياسية من السابق. وبذلك، فإن الرهان الحقيقي للدار البيضاء ليس أن ترث الخليج، بل أن تستفيد من لحظة اهتزت فيها اليقينات، لتثبت أنها ليست فقط أول مركز مالي في إفريقيا، بل أيضا أكثر مركز عربي-إفريقي أهلية لالتقاط التحولات القادمة.