شهدت الجلسة الجديد من محاكمة المتهمين المتابعين في ملف (إسكوبار الصحراء) التي انعقدت اليوم الخميس 5 مارس، استماع هيئة المحكمة التي يرأسها المستشار علي الطرشي لمرافعة دفاع كل من علال حجي وشقيقه أحمد حجي، حيث تم خوض نقاش قانوني مطول بين هيئة الدفاع والنيابة العامة، تمحور أساسا حول قوة الأدلة المعتمدة في توجيه التهم الثقيلة للمتهمين، وعلى رأسها الاتجار الدولي في المخدرات والمشاركة فيه، إلى جانب تهم تتعلق بتنظيم وتسهيل خروج أشخاص للانضمام إلى الإرهاب والارتشاء ومحاولة تصدير المخدرات دون ترخيص.
وخلال الجلسة، بسط المحامي يقيني، عضو هيئة الدفاع عن الشقيقين حجي، مرافعته أمام المحكمة، ملتمسا التصريح ببراءة موكليه من كافة التهم المنسوبة إليهما في الدعوى العمومية، وفق ما جاء في صك الاتهام الصادر عن قاضي التحقيق والمؤيد من طرف الغرفة الجنحية.
كما التمس الدفاع رفع الحجز العيني عن ممتلكات المتهمين، معتبرا أن هذا الإجراء “لا يستند إلى أساس قانوني سليم في ظل غياب أدلة مادية تثبت ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهما”، فضلا عن مطالبته بعدم قبول المطالب المدنية شكلا وموضوعا.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وفي سياق مرافعته، توقف الدفاع مطولا عند مسألة الشهادات التي بني عليها الملف، مشيرا إلى ما وصفه بـ“التضارب الواضح” في أقوال كل من نبيل الضيفي وتوفيق زنطار، اللذين اعتبرا من المقربين من بارون المخدرات المالي الحاج أحمد بنبراهيم، الملقب بـ“إسكوبار الصحراء”. وأكد المحامي أن تصريحات المعنيين عرفت تحولات وتناقضات خلال مراحل التحقيق والمواجهة، وهو ما يفقدها، حسب قوله، قيمتها الثبوتية أمام القضاء.
كما شدد الدفاع على أنه لا يمكن قانونا اعتبار الحاج أحمد بنبراهيم شاهدا في القضية، بالنظر إلى كونه طرفا مشتكيا ومطالبا بالحق المدني، الأمر الذي يجعله خصما مباشرا في الدعوى، ولا يمكن بالتالي اعتماد تصريحاته كدليل إثبات ضد المتهمين.
وانتقد الدفاع الطريقة التي تم بها تدبير الملف خلال مرحلة التحقيق، معتبرا أن هناك خلطا واضحا بين صفات الأطراف القانونية، سواء تعلق الأمر بالمصرحين أو الشهود أو المتهمين أو المطالبين بالحق المدني. واستند في هذا الطعن إلى مقتضيات المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على أن تصريحات المتهم على متهم آخر لا يمكن أن تشكل حجة قاطعة ما لم تدعمها قرائن قوية ومنسجمة.
كما ركزت المرافعة على التهم المرتبطة بمسك المخدرات والمشاركة فيها، حيث اعتبر الدفاع أن هذه التهم تفتقد في الملف إلى الركن المادي للجريمة. وأوضح أن جرائم المخدرات توصف عادة بـ“جرائم البصمة”، لأنها تترك وراءها آثارا مادية واضحة مثل محاضر الحجز والكميات المضبوطة أو وسائل النقل المستعملة.
غير أن الدفاع أشار إلى أن المتهمين جرى توقيفهما في ظروف عادية، أثناء حضورهما لتقديم واجب العزاء، دون ضبط أي مخدرات بحوزتهما أو في مكان توقيفهما، معتبرا أن ذلك يشكل مفارقة أساسية في هذا الملف.
وبخصوص تهمة المشاركة في مسك المخدرات، أكد الدفاع أن القانون يشترط وجود الفعل الأصلي أولا قبل الحديث عن المشاركة فيه، مضيفا أن غياب أي محجوزات أو أدلة عينية يجعل الحديث عن هذه التهمة غير قائم قانونيا.
كما توقف الدفاع عند مسألة وسائل الإثبات المعتمدة في الملف، مؤكدا أن القانون يتيح إثبات الجرائم بمختلف الوسائل، غير أن هذه الوسائل يجب أن تكون مشروعة وتحترم الضوابط القانونية. وأوضح أن الملف يعتمد أساسا على تصريحات فردية لا ترقى إلى مستوى الشهادة القانونية، مستشهدا في ذلك بالمادة 291 من قانون المسطرة الجنائية، التي تميز بين التصريح والشهادة المؤداة تحت اليمين.
وفي السياق ذاته، أثار الدفاع مسألة وجود اختلالات في بعض المحاضر المنجزة سنة 2023، مشيرا إلى أن بعضها لم يحمل توقيع المتهمين، ومتسائلا عن أسباب رفض التوقيع، وما إذا كان ذلك بسبب عدم تطابق مضمون المحضر مع ما تم التصريح به فعليا.
وكشف الدفاع أيضا أن الملف يضم في الواقع قضيتين منفصلتين، الأولى تعود إلى أكتوبر 2023 وتتعلق بحجز كمية كبيرة من المخدرات تقدر بحوالي 40 طنا، فيما تتعلق الثانية، التي فتحت في دجنبر من السنة نفسها، بشخص يدعى أسامة رشيد دون ضبط أي مخدرات، معتبرا أن الخلط بين الملفين أدى إلى خلق لبس قانوني في مسار المتابعة.
كما انتقد الدفاع اعتماد الملف على تصريحات شخص يلقب بـ“المالي”، سبق أن أدين في قضايا تتعلق بتزوير الوثائق، مبرزا تناقض تصريحاته بخصوص تاريخ دخوله إلى المغرب وطبيعة علاقته بالمتهمين، إضافة إلى غياب أي أدلة تقنية، مثل المكالمات الهاتفية أو المعطيات الرقمية، تدعم الاتهامات الموجهة إليهما.
وفي ختام مرافعته، أكد الدفاع أن الركن المادي لتهم المخدرات والارتشاء غير متوفر في النازلة، وأن عنصر الاعتياد، الذي يعد شرطا أساسيا في بعض جنايات المخدرات، غير ثابت في الملف، معتبرا أن التكييف الجنائي للتهم يبقى ضعيفا، وقد يندرج، في أقصى الحالات، ضمن الجنح وليس الجنايات.
وشدد الدفاع على أن المحاكمة الجنائية يجب أن تبنى على أدلة قوية ومشروعة، مع احترام قرينة البراءة وقواعد المحاكمة العادلة، ملتمسا من المحكمة التصريح ببراءة المتهمين لغياب الأركان القانونية للجرائم المنسوبة إليهما.