كشفت عنها الصفقة الكبرى لإعادة وترميم سور مدينة تارودانت، شهدت الأوساط المحلية خلال الأيام الأخيرة جدلا واسعا عقب تداول معطيات تفيد بتحفيظ جزء من الملك العمومي المرتبط بأبراج السور التاريخي لمدينة تارودانت لفائدة مستثمرين أجانب، في خطوة أثارت تساؤلات قانونية ومجتمعية حول مدى احترام المساطر الجاري بها العمل، وحول حماية الرصيد التاريخي والمعماري للمدينة.
ووفق مصادر مطلعة، فإن عملية التحفيظ شملت نطاقا عقاريا يُعتقد أنه يدخل ضمن الملك العمومي أو ضمن المجال المصنف تراثًا تاريخيًا، وهو ما دفع فعاليات مدنية وحقوقية إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات والتأكد من سلامة الإجراءات القانونية المعتمدة في هذه العملية.
وتعد أبراج السور التاريخي من المعالم البارزة التي تؤرخ لمراحل مهمة من تاريخ المدينة، وتشكل جزءا من هويتها العمرانية والثقافية. ويرى مهتمون بالشأن التراثي أن أي تصرف قانوني يمس هذا الرصيد ينبغي أن يخضع لمقتضيات صارمة، تشمل استشارة الجهات المختصة في الثقافة والآثار، واحترام القوانين المنظمة للملك العمومي وحماية المآثر التاريخية.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
في المقابل، تشير مصادر قريبة من الملف إلى أن المستثمرين المعنيين يؤكدون توفرهم على وثائق ومستندات تثبت سلامة مسطرة التحفيظ، وأن المشروع المزمع إنجازه يندرج ضمن خطة لتثمين المجال وتحسين جاذبيته السياحية والاقتصادية، مع الالتزام بالحفاظ على الطابع المعماري للموقع.
غير أن خبراء قانونيين أوضحوا أن الملك العمومي، بطبيعته، غير قابل للتفويت أو التحفيظ لفائدة الخواص إلا وفق شروط استثنائية يحددها القانون، وغالبًا ما تتطلب مساطر خاصة وتحويلا قانونيا مسبقا لطبيعته. كما أن المواقع التاريخية المصنفة تخضع لمراقبة صارمة من الجهات الوصية، وأي إخلال قد يعرض القرارات المتخذة للطعن أمام القضاء الإداري.
وأمام تزايد المطالب الشعبية، دعت جمعيات المجتمع المدني إلى تمكين الرأي العام من المعطيات الكاملة المرتبطة بالملف، ونشر تفاصيل الرسوم العقارية والقرارات الإدارية ذات الصلة، ضمانًا لمبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويبقى فتح تحقيق إداري وقضائي، في حال تأكدت المعطيات المتداولة، خطوة أساسية لجلاء الحقيقة وتحديد ما إذا كانت عملية التحفيظ قد تمت وفق الضوابط القانونية، أم أن الأمر يتعلق بتجاوزات تستدعي المساءلة.
وللاشارة، فسور تارودانت تم تصنيفه ضمن التراث الوطني المغربي بموجب ظهير شريف بتاريخ 7 شتنبر 1931 (منشور في الجريدة الرسمية رقم 988 بتاريخ 2 أكتوبر 1931)،
وهذا يعني أن السور يعتبر معلمة تاريخية محمية قانونياً في المغرب، ويخضع لقوانين حماية التراث (الترميم، منع التشويه، مراقبة الأشغال…).
كما توجد ظهائر تاريخية أخرى مرتبطة بالسور، مثلاًفي سنة 1842م (1258هـ) أصدر السلطان مولاي عبد الرحمن ظهيراً يخصص أعشار مدينة تارودانت لإصلاح السور وصيانته.
وتنويرا للرأي العام حول الموضوع، وفي اتصال هاتفي مع مدير المصالح بجماغة تارودنت، أكد هذا الاخير ان الجماعة واعتماد على تقارير اللجنة المشتركة لمتابعة المشروع بعد وقوفها على كافة الخروقات التي عرفها سور المدينة، شرعت الجماعة في اتخاذ العديد من المساطر القانونية من أجل إعادة الأمور الى نصابها، بما في ذلك اللجوء إلى اقتناء بعض الدور المعنية من أجل تحرير الابراج واعادتها إلى ما كانت عليه، من جهته أكد المدير الإقليمي للثقافة أن ادارته قامت بدورها حيث الاستفسار حول ظروف وملابسات عملية التحفيظ.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحريات، يظل ملف تحفيظ أبراج سور المدينة اختبارًا حقيقيًا لمدى حماية التراث والملك العمومي من أي استغلال غير مشروع، ولقدرة المؤسسات على صون الذاكرة التاريخية للأجيال القادمة.