في سياق انفتاحها على مختلف الفاعلين المهتمين بنقاش مراجعة مدونة الأسرة، نظمت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، يوم الجمعة 27 فبراير بمدينة الدار البيضاء، ندوة تحت عنوان" الفاعل الديني والمؤسسي والمدني في مواجهة العنف ضد النساء" ;عن أسباب هذا الاختيار والانتظارات المرتقبة منه، وحدود التعاون الممكن مع الفاعل الديني الذي سيتوج مستقبلا بدليل عملي موجه للمرشدات ... كان لنا الحوار التالي على هامش هذه الندوة مع بشرى عبده، المديرة التنفيذية لجمعية التحدي للمساواة والمواطنية.
ما الدافع خلف انفتاحكم كجمعية نسائية على الفاعل الديني من أجل إشراكه في نقاش قد تتضمن بعض محاوره مواضيع ينظر لها كطابوهات في خانة التداول الديني؟
انفتاح جمعية "التحدي للمساواة والمواطنة" على الفاعل الديني، ليس وليد اليوم، فقد فكرنا في الأمر منذ مدة طويلة، إيمانا منا بدوره داخل المجتمع، خاصة المرشدات و المحفظات و الواعظات اللواتي لهن علاقة مباشرة بالنساء داخل المساجد والمجالس العلمية، وذلك على غرار انفتاحنا وعملنا الميداني السابق مع أكثر الفئات تواصلا بالنساء، كما هو الحال بالنسبة لأصحاب الصيدليات والطاكسيات والدكاكين.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
في البداية، كان لنا تخوف كبير من عدم تجاوب الفاعل الديني مع مراسلتنا، لكننا وجدناه مستعدا للتجاوب وله قابلية للاستماع عندما لمس أن خطابنا موجه لخدمة قضايا المرأة ومجتمع خال من العنف، بعيدا عن الأفكار المغلوطة التي ترى في الخطاب النسائي بحثا عن التسيب والعدائية بين الجنسين ... لذلك كان معطى الثقة حاضرا ما مكننا من الاشتغال على قضايا قد يعتبرها البعض من الطابوهات، حيث نظمنا لقاءات تضمنت نقاشات حول المدونة، تزويج الطفلات، التعدد، تقسيم الممتلكات، وعدد من القضايا التي تضم نقاطا خلافية في الأصل، لكن الأهم لنا كان هو فتح النقاش لسماع رأي الآخر، وذلك من خلال إشراكه في معطيات تستند للواقع بسبب احتكاك الجمعيات اليومي بمشاكل النساء.
وفي هذا السياق، نظمنا هذه الندوة من أجل خلق جسر للتواصل وتقريب الرؤى ، والتأكيد أن الفاعل الديني حاضر بقوة انطلاقا من رأيه ضمن هيئة تعديل المدونة، ما يجعل من الندوة مناسبة لبلورة رؤية متنورة يقدمها الفاعل الديني الذي يمتلك قوة الاجتهاد والتأويل التي لا نملكها نحن، لكننا بالمقابل نملك خبرة في العمل الميداني الذي يجعلنا قادرين على تقريب الواقع المأساوي المرتبط بعدد من القضايا، كتزويج الطفلات على سبيل المثال الذي نطمح في أن نصل إلى منعه استنادا على رأي الدين.
إلى أي حد تعولون على الفاعل الديني الرسمي المؤطر من طرف إمارة المؤمنين، لمواجهة الخطاب المتطرف الموجه ضد النساء استنادا على تأويلات مغلوطة أو موجهة؟
نحن اليوم نقول أن المؤسسة الرسمية الدينية يجب أن تقف بوجه الخطابات العدائية باسم الدين، لأننا كجمعويين لا نملك نفس الحجج الدينية التي يمتلكونها .. على سبيل المثال لا يعقل اليوم أن نسمح إلى تيكتوكر يطلق على نفسه اسم الفقيه، أن يزوج فتيات باسم الدين ويمرر إيحاءات جنسية باسم الدين، ما يستدعي متابعته قضائيا عن طريق النيابة العامة بدل تركه يجمع الملايين من مشاهدات مبنية على تجاوزات بحق النساء.
نراهن اليوم على الفاعل الديني الذي أصبح منفتحا في العالم الرقمي لتتبع هذه التجاوزات، كما نعول على الخطاب الديني المتنور لخدمة قضايا النساء، كتعدد الزوجات التي يستحضر فيها البعض قراءات معنية لآيات قرآنية وأحاديث نبوية يمكن للخطاب الديني أن يتصدى لتأويلاتها الخاطئة والتلاعب بها لوقف ظاهرة التعدد أو ظاهرة تزويج الطفلات، إلى جانب النصوص المرتبطة بتقسيم الممتلكات، وغيرها من المطالب التي يمكن للدين أن يقدم فيها قراءات تدعم الملفات المطلبية للمجتمع المدني، بعيدا عن التأويلات الخاطئة التي يروج لها أصحاب الاستغلال السياسوي للدين، الذين نجحوا في تجييش المجتمع ضد عدد من المواقف الإنسانية.
لذلك، لو تمكن الفاعل الديني من لعب هذا الدور داخل المجتمع ، أكيد سننجح في وقف مد سياسوي إسلاموي يتبجح بكونه المالك الوحيد للمعرفة في المجال الديني، وهو ما يمكن الوصول إليه من خلال خطة تسديد التبليغ التي تمتلك رؤية متقدمة نوعا ما، حيث تتضمن الحديث عن التربية الجنسية، قضايا المرأة، وغيرها من المواضيع التي يمكن أن تجمع الفاعل المدني بالفاعل الديني.
ما هي الحدود الممكنة لرفع سقف النقاش بين الفاعل المدني والفاعل المؤسسي والفاعل الديني حول القضايا الخلافية التي تؤطرها نصوص ثابتة؟
لمسنا منذ سنة 2022 استقبالا إيجابيا من طرف الفاعل الديني الرسمي، وقد كان آخر لقاء لنا من تأطير رئيس المجلس العلمي بالدار البيضاء أنفا، وذلك ضمن أجواء مميزة ناقشنا فيه قضايا الوساطة والصلح بين ذات البين، وكان النقاش مثمرا حول إمكانية تبادل الحالات المستعصية فيما بيننا، بحيث يقدمون الدعم التوعوي الديني ونقدم الدعم القانوني، وهو تعاون إيجابي جدا، ، الى جانب فتح الباب للاشتغال على دليل عملي للمرشدات بطريقة تشاركية مع المجلس.
لكن بالمقابل هذا لا ينفي وجود نقاط خلافية قد لا يكون هذا وقت طرحها، مقابل العمل على تقوية النقاش حول النقاط المتفق عليها بما يعود على النفع على النساء، انطلاقا من تقديم براهين دينية تثبت أن عددا من المطالب لا تمس الدين ولا تتعارض معه ولا تدعوا لتخريب الأسر كما يدعي البعض.
هل سيستحضر الدليل العملي الذي سيتم العمل عليه بطريقة تشاركية مع الفاعل الديني، مفاهيم حقوقية كونية قد تخالف المفاهيم المتعارف عليها ضمن اللغة الشرعية؟
سنستند على مرجعيتين أساسيتين، المرجعية الكونية والمرجعية الدينية، وذلك لكون المرجعية الكونية مرجعية إنسانية وإن تضمنت بعض النقاط الخلافية مع المرجعية الدينية، ومن الممكن عدم تناولها الآن انطلاقا من العمل على المواضيع ذات الراهنية التي تقلق المجتمع وفي مقدمتها موضوع تزويج الطفلات، النيابة القانونية، النفقة، تدبير الممتلكات .. وغيرها من النقاط ذات الأولوية، أما النقاط الأخرى كالإرث والحريات يمكن أن تتأتى في فرصة مستقبلية، لكن اليوم ما يشكل ثقلا على المجتمع ويلمس ضرره على فئة كبيرة من المجتمع ، هو زواج الطفلات، حيث أن الإسلام بعيد كل البعد على فكرة السماح لأذية طفلة واغتصابها تحت مسمى الزواج.