في الوقت الذي انشغل فيه الرأي العام الوطني والعالمي حول أحداث وتداعيات النهاية الدرامية التي عرفته المباراة النهائية لكأس الأمم الافريقية لكرة القدم، وفي الوقت الذي يترقب فيه المغاربة آخر المستجدات والتداعيات المرتبطة بالفيضانات الذي تجتاح حاليا عدة أقاليم بالنصف الشمالي للمملكة، يستيقظ المغاربة على وقع قصاصات أخبار تؤكد وقوع تحرشات للجيش الجزائري على الحدود الشرقية، وهي تحرشات اعتاد المغاربة على وقوعها من حين لآخر؛ لكن منسوب هذه التحركات زادت وثيرتها بشكل لافت ومتكرر وهو يا يطرح أكثر من تساؤل وعلامة استفهام حول التوقيت والغايات المتوخاة من وراء هذه التحركات؟
والسؤال الذي يطرح هنا، هل تستطيع المملكة التحلي بعقيدة ونظرية الصبر الاستراتيجي الذي ظلت تتمسك بها لتجنيب المنطقة المغاربية إشعال فتيل حرب ضروس لا قدر الله بين الدولتين الشقيقتين الجارتين؟ تكون تكلفتها باهظة وقد تدخل المنطقة المغاربية في حروب وحروب مضادة لا يتكهن أحد بمآلاتها؟ والسؤال الأهم من يقف من راء خلف الستار لتحريك معدات جيش العساكر لإذكاء روح الفتنة ء الصراع بين الدولتين في هذا التوقيت بالذات؟ وهل هي خطوة استباقية من حكام قصر المرادية بعد أن ضاق عليهم الخناق في ظل النجاحات الدبلوماسية التي حققتها المملكة في ملف وحدتها الترابية وبروز مؤشرات على الطي النهائي لنزاع الصحراء الذي ظل يشكل أحد أهم ديناميات السياسة الخارجية للجارة الشرقية وعقيدتها العسكرية الثابتة؟
خلال الفترات الماضية تم تسجيل عدد من المؤشرات المتناقضة بخصوص مستقبل العلاقة بين المغرب والجزائر، وهي مؤشرات تعكس حالة الغموض الاستراتيجي الذي يلف النزاع بين الدولتين الجارتين؛ فمن المعلوم أن العلاقات المغربية الجزائرية عرفت منذ استقلال البلدين مسارا متقلبا يتراوح بين الوثر الشديد والهدنة الباردة، مع حضور قوي لمتغير الجغرافيا السياسية من خلال النزاع حول الصحراء هذا الأخير الذي يعتبر أحد أهم الإشكالات المعقدة التي تؤثر على طبيعة العلاقات وتتحكم في اتجاهها، وقد زادت العديد من الأحداث المتقاطعة بين البلدين الجارين من منسوب التوتر والصراع بين البلدين الجارين، وتحول إلى أداة ضغط متبادل بين الطرفين، وهي عوامل حولت المنطقة إلى مجال مشحون بالتوترات ولا ينعم بالاستقرار بل قابل للانفجار في أية لحظة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
وقد أعادت الأحداث الأخيرة الصراع بين البلدين إلى الواجهة من جديد لكن بصيغة مختلفة من حيث سقف الأهداف الاستراتيجية المتوخاة من هذه التحركات الميدانية التي تقابلها تحركات على مستوى مساحات السياسة والدبلوماسية؛ وهذا ما تعكسه لهجة الخطاب ولغة التهديد التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى من قادة الجارة الشرقية.
فما بين قراءات تؤشر على أن تحرشات الجيش الجزائري على الشريط الحدودي بالجهة الشرقية يمكن في أية لحظة أن يتحول إلى اشتباكات عسكرية محدودة مع إمكانية تطور الأمور إلى نزاع عسكري مكتمل الأركان؛ خاصة في ظل الاستفزازات المتكررة للجيش الجزائري خلال الآونة الأخيرة. وقراءات أخرى تربط هذه التحركات ضمن إطار تحسين أوراق الضغط لدى الجزائر تمنحها نقاط إضافية في لعبة الشطرنج وخارطة الصراع المفتوح مع جارتها الغربية، من خلال إثارتها لورقة الحدود ومحاولة فرض أمر الواقع مع علمها أنها من باردت إلى خرق بنود اتفاقية ترسيم الحدود الموقعة بين البلدين، وهي خطوة استباقية من الجارة الشرقية وكأنها تبعث برسائل ّإلى المنتظم الدولي مفادها بأن الجزائر لا يمكن أن تجلس في طاولة المفاوضات مع الرباط لإيجاد حل لنزاع الصحراء تطبيقا لمقتضيات قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 بشأن الصحراء، بل تحاول خلط الأوراق بجعل المفاوضات شاملة تطال موضوع ترسيم الحدود البرية بين البلدين، لأن الجزائر تعلم علم اليقين بأن الحسم النهائي لنزاع الصحراء سيجعل بوصلة الصراع تتجه من الجنوب نحو الشرق من خلال إثارة موضوع إشكالية الحدود الشرقية التي لازالت معلقة بين البلدين الجارين. ويمكن فهم وتفسير التحركات الجزائية المتكررة على الحدود الشرقية في المعطيات التالية:
أولا: ارتباط هذه الاحداث بقرار مجلس الامن رقم2797 حول الصحراء: بحيث أصبحت السيادة المغربية على الصحراء مكرسة بشكل لا لبس فيه بموجب هذا القرار وأصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل المرجعي القابل للتطبيق لهذا النزاع والإطار الشرعي الوحيد لحل النزاع هو الإطار المغربي. فالجزائر تهدف من ورا مناوشاتها العسكرية ليس دق طبوع الحرب فهي غير قادرة على تحمل تكلفتها العسكرية والاقتصادية أو التكهن بمسارتها، ولكنها تحاول من خلال تحركاتها تحسين الورقة التفاوضية لديها بشأن النزاع حول الصحراء الذي وصل دروته ويوشك على الانتهاء، خاصة في ظل الثقل والضغط الدبلوماسي الذي تمارسه الولايات المتحدة صاحبة القلم بمجلس الأمن الدولي، وتحسين تموقعها الجيوسياسي في خريطة التحالفات الاقليمية والدولية ما بعد مرحلة إنهاء هذا النزاع الصحراء الذي ظل يشكل بالنسبة للجزائر محركا أساسيا لسياساتها الخارجية وعقيدتها العسكرية، وورقة إلهاء للتستر على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المتردية والتي تؤكد عديد التقارير الدولية أنها على وشك الانفجار.
ثانيا: تحسين أوراق التفاوض لدى الجزائر في ظل الضغوطات التي تتعرض لها في ملف الصحراء: وتتجلى أساسا في مدى قبول الجزائر بالمسار الجديد للتفاوض الذي أسس له القرار الأممي الأخير المتعلق بقضية الصحراء، وقد تبين من الخطاب الرسمي الجزائري أنه إما خطاب يعطي تأويلات خاطئة ومغلوطة للقرار في محاولة منه للهروب إلى الأمام وكسب مزيد من الوقت لترتيب أورقه بعد النكسة التي أصابته بعد المكتسبات السياسية والدبلوماسية التي تحققها المغرب بمقتضى القرار الأممي الأخير حول الصحراء. فقبل يومين طلع بيان بموقع العربية كشفت فيه وزارة الخارجية الجزائرية عن مفاوضات سرية جرت بين الجزائر والمغرب كانت تهدف إلى الاتفاق على خطوات لفتح الحدود بين البلدين. وأورد المتحدث الرسمي باسم وزارة الشؤون الخارجية بأن هناك بوجود "محادثات سرية بين الجزائر والمغرب لكنها فشلت بسبب شروط مسبقة وضعها المغرب" على حد قوله. واتهم نفس البيان المملكة المغربية بأنها من حاولت ابتداء فرض شروط مسبقة لفتح الحدود المغلقة منذ سنة 1995، كما ادعت الخارجة الجزائرية أن الحملة الإعلامية التي يشنها المغرب ضد الجزائر تعتبر تصعيدا متعمدا وعملا عدائيا يشكك في السلامة الترابية للجزائر"، مضيفا: "كيف يمكننا أيضاً أن نفسر كون أولئك الذين يطالبون بشدة بإعادة فتح الحدود بين البلدين هم أنفسهم الذين يشككون في الوقت ذاته في الحدود المرسومة بين البلدين والمعترف بها دولياً".
وبغض النظر عن هذه التصريحات الباطلة والاتهامات المجانبة للصواب وللحقائق التاريخية والأدلة والحجج القانونية ذات الصلة بإشكالية الحدود بين البلدين فالجزائر هي التي كانت ولا تزال الطرف الذي نقض بنود كل الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة بهذه القضية. ولكن مع نفسها تعرف حق المعرفة بأن هذا الإشكال لا زال معلقا لأنه لا يمكن للمغرب أن يفرط في شبر من أراضيه التي اقتطعت منه بجرة قلم في عهد الحماية الفرنسية وتم منحها للجارة الشرقية، وزاد النظام العسكري الجزائري من تعقيد هذا الوضع الموروث عن الحقبة الاستعمارية، بل أن دولة العساكر حاولت تقسيم المملكة من خلال خلق جبهة انفصالية في جنوبها "اسمها البوليساريو" منذ عام 1973 ودافعت عنها في كل المحافل الاقليمية والدولية وقدمت لها الدعم والمساندة وزودتها، بمعية نظام معمر القذافي البائد، بالمال والعتاد والسلاح.
- ثالثا: إثارة ترسيم الحدود بين البلدين بعد إنهاء المغرب نزاع الصحراء: التحرشات العسكرية الجزائرية تدخل ضمن دائرة تحريك ملف الحدود الشرقية بالموازاة مع بداية المفاوضات بمدريد حول موضوع الصحراء تفعيلا لمقتضيات قرار مجلس الأمن رقم2797. وهذا ما تؤكده التحرشات العسكرية المتعددة والمتكررة بأراضي مغربية بالحدود الشرقية. فمن الواضح جدا أن الذي يجمع بين استهداف الجيش للمغاربة الثلاثة على مشارف الحدود الجزائرية وبين غار جبيلات هو شيء واحد، هو أن السلطات الجزائرية تريد أن تبعث برسالة تتعلق بسيادتها السياسية والترابية والاقتصادية على المنطقة الشرقية، أو بالأصح على الصحراء الشرقية، التي تزعم وسائل الإعلام الجزائرية أن المغرب سيطالب بها في اللحظة التي ينتهي فيها من تسوية ملف الصحراء.
- رابعا: ربط هذه التحرشات بالوضعية الداخلية للجزائر: يبدو واضحا من خلال تحليل الخطاب أن تصرفات السلطة السياسية في الجزائر أنها تحاول أن تستبق التفاوض، بتعلية مستوى ترصيص الجبهة الداخلية بخصوص الصحراء الشرقية، وأنها في أحسن الأحوال لا تفعل أكثر من تجهيز سيناريو ثاني بعد فشل سياسة إغراء واشنطن بورقة الطاقة والمناجم وهو السيناريو الأول الذي هيأته الجزائر. لكن بعد تأكدها بأن كفة واشنطن الدبلوماسية وبل وحتى العسكرية تميل لصالح المغرب، فإن الجارة الشرقية ستجد نفسها مضطرة لطرح وعرض السيناريو الثاني، وهنا ستجد الجزائر نفسها أمام ثلاثة خيارات. أن تستجيب للضغط الأمريكي وتتعاون من أجل تنفيذ استحقاقات إقرار مجلس الأمن 2797 وتسوية التوتر مع المغرب بما يضمن تعاون وتنسيق البلدين لتعزيز الأمن الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء، وانتزاع الجزائر من المحور الروسي بعد توتر العلاقات بين البلدين؛ والثاني المماطلة وانتظار حصول تغيرات دولية تطيح بالرئيس ألأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض، بما يتيح نوعا من التخفيف ليس فقط من الضغط الأمريكي، ولكن أيضا من الثقل الذي يمثله قرار مجلس الأمن. وأما الخيار الثالث فهو التعنت في الموقف بخصوص التعاون لتنفيذ قرار مجلس الأمن، وتعبئة الداخل الجزائري لمواجهة استعمال واشنطن وفرنسا وربما حتى المغرب لورقة الصحراء الشرقية.
خامسا: الأفق الاستراتيجي لنزاع الصحراء في ظل المفاوضات الجارية حاليا بمدريد
يمكن أن تؤشر هذه المفاوضات إلى بداية عهد جديد في مسار العلاقات المغربية الجزائرية والعلاقات المغاربية بشكل عام، وهو مسار له من الشروط والمقومات ما يضمن له النجاح في ظل الانخراط القوي للولايات المتحدة الأمريكية لوضع حد لهذا النزاع ، والذي يبدو بأنه لم يعد مجرد صراع سياسي بين بلدين مغاربيين، بل تحول إلى رهان جيوسياسي وجيواقتصادي ذو طابع إقليمي ودولي حول من يملك الزعامة الإقليمية بالمنطقة. بالنسبة للرباط ترى بأنها اللحظة المناسبة لجني ثمار سياسة الصبر الاستراتيجي التي ظلت تتمسك بها، والتضحيات الكبيرة التي قدمتها المملكة من خلال التضحية بمنح جزء من ترابها لحكم ذاتي لسكان أقاليمها الجنوبية وإن كان هذا الخيار الصعب لا يخرج في آخر المطاف عن نطاق السيادة المغربية، بل الأكثر من ذلك فالمملكة صيرت كثيرا على تهور وقصر نظر حكام الجزائر الذين حاولوا طيلة هذا الصراع جر المنطقة إلى حرب عسكرية ضروس وطاحنة تكون نتائجها باهظة التكلفة ليس فقط على الشعبين المغربي والجزائري بل على كافة شعوب البلدان المغاربية ومنطقة الساحل المحاذية.
قد تؤشر المفاوضات الجارية حاليا بالعاصمة الإسبانية مدريد والتي لها رمزيتها التاريخية والسياسية والقانونية في هذا النزاع، أن المغرب سيدخل مرحلة جديدة تفرضها مستجدات قضية الصحراء والسياق الاقليمي والدولي الداعم للطرح المغربي وهو ما يستدعي بداية التنزيل الفوري للحكم الذاتي لإرباك الطرف الآخر من خلال المرور إلى السرعة القصوى لإنهاء هذا الملف واستغلال الزخم السياسي الداخلي والسياق الدولي الملائم؛ لأنه أصبح خارج المرحلة والسياق وبدون إطار للاشتغال ولا زال يتلكأ أطروحته البالية والمتجاوزة والتي تخالف منطق التاريخ والجغرافيا السياسية والتوجهات الإقليمية والدولية، وتعاكس حلم الشعوب المغاربية في التوحد والاندماج والتعاون والمصير المشترك، حيث تم إقبار الطرح المناوئ للطرح المغربي والمتمثل في أطروحة تقرير المصير والانفصال إلى الأبد بمقتضى القرار الأمم الأخير، بينما منح هذا القرار أريحية لصناع القرار بالمغرب للتحرك سريعا للحسم النهائي لهذا الملف الذي طال أمده، خاصة وأن المغرب أصبحت مجهوداته في هذا الإطار منسجمة ومتناغمة على توجهات الأمم المتحدة باعتبارها الهيأة الوحيدة المخول لها في البث والنظر في هذا الملف، عكس الطرف الآخر الذي وجده نفسه محصورا في الزاوية الضيقة ولا مجال له للمناورة والحركة، فما عليه إلا الاشتغال داخل الطرح المغربي وضمن نطاق تصورات وقرارات الأمم المتحدة وهذا ما يترجم حاليا على أرض الواقع بمدريد.
كما يمكن أن تؤشر هذه المفاوضات، وإن كنا لا نعلم خطة الحكم الذاتي المحينة التي تشكل أرضية المفاوضات الجارية حاليا بمدريد، أن المغرب قد يتجه للقيام بتعديل دستور خلال الشهور القادمة وقد تستتبعه انتخابات مبكرة، حيث يتطلب الأمر إعادة النظر في بعض الأحكام الدستورية وخاصة تلك المتضمنة في الباب التاسع من الوثيقة الدستورية المعنون ب: الجهات والجماعات الترابية الأخرى"، والذي تمتد فصوله من الفصل 135 الى الفصل 146، وهي الفصول التي ترسم هندسة ومعالم التنظيم الجهوي والترابي، ويؤسس لمنطق جديد وهي مقتضيات تشكل مرجعية دستورية مرنة يمكن البناء عليها لتوسيع صلاحيات الجهات لا سيما المناطق ذات الخصوصية التاريخية والثقافية كما الحال بالنسبة للأقاليم الجنوبية للمملكة؛ وذلك من منطلق أن مفهوم الجهوية المتقدمة يمكن أن يشكل مدخلا من مداخل تطبيق الحكم الذاتي في هذه المنطقة إذا ما فتم تفعيل المقتضيات الواردة في الباب التاسع من الدستور في أقصى مداها، وهو ما يفتح الباب أمام نمط من الحكم الذاتي المؤسسي المنضبط لمبدأ وحدة الدولة والمندمج في منطق السيادة الوطنية دون الحاجة إلى إحداث قطيعة من النظام الدستوري القائم حاليا بالمملكة، وفي كل الأحوال يتطلب الأمر أجراء تعديل للوثيقة الدستورية لجعلها تتلاءم مع التطورات والمستجدات الحاصلة في ملف الوحدة الترابية، بل الأكثر من ذلك فالهندسة القانونية لدستور يمكن اعتبارها تمهيدا ومرحلة أولية لتطبيق الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية وهوما تؤكده القراءة القانونية والسياسية لأحكام الدستور وخاصة مقتضيات الباب التاسع منه.
وبالمقابل، تجد الجزائر نفسها توظف آخر أوراقها في قضية تعرف أكثر من غيرها بأنها ليست قضيتها وحتى وإن طال أمدها وسخرت الملايين من الدولارات لإطالة فصولها ستخسر الرهان في آخر المطاف، لا لشيء إلا لكونها تدافع عن قضية تجانب عناصرها معطيات التاريخ والجغرافية السياسية وتناقض تفاصيلها الحجج التاريخية والأدلة القانونية، ومع ذلك حاولت الجزائر لعب لعبتها الخبيثة من خلالها توجيه سهام الغدر للمملكة التي كان ذنبها الوحيد تقديم كل الدعم والمساندة لنيل استقلالها، بل فضلت عدم التواطؤ مع الدولة الاستعمارية التي ساومت المغرب باسترجاع اراضيه التي اقتطعتها وضمتها لمستعمرتها آنذاك الجزائر مقابل توقف المملكة على دعم جيش التحرير الجزائري، لكن المملكة فضلت تأجيل مناقشة هذه القضية وحلها بالطرق السلمية بعد أن تنال الجارة الشرقية استقلالها، لكن للأسف الشديد خانت قيادة الحيش التحرير كل الوعود والعهود، وانساقت الجزائر بعد استقلالها تحت شعارات الحرب الباردة وبنادق وهواجس والطموحات التوسعية للعساكر الذين لا يعرفون كيف يديرون الخلافات بمنطق التفاوض الهادئ بل حولوا الخلاف إلى برميل بارود قابل للانفجار، فعد مرور خمسين سنة من هذا النزاع، وبعد إدارته بحكمة وتبصر وتعقل من قبل الملوك المغاربة الذين منذ بداية النزاع وإلى حدود هذه اللحظة ظلوا يفضلون منطق الحوار الأخوي والتفاوض البناء لإنهاء ووضع حد لكل الخلافات القائمة بين الدولتين الجارتين. فهل يقف حكام الجزائر وقفة تأمل مع التاريخ ويغلبوا منطق العقل ويهتدوا إلى ضالة صوابهم وينهون المأساة التي يعيشونها إخواننا بمخيمات الذل والعار؟ أم أنهم سيحاولون الهروب إلى الأمام وإن كانوا يعرفون بأن المعطيات الجيواقتصادية والجيوسياسية الدولية والإقليمية لم تعد في صالحهم؟
++ محمد الكيحل، استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الافريقية جامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات