قبل الخوض في حيثيات انخراط المغرب في مجلس السلام الذي دعا له الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، تجدر الإشارة إلى أنه خلافا لما تذهب له بعض القراءات من كون هذه الخطوة الأمريكية هي محض "نزوة" للرئيس الحالي، وأن هذا المجلس محكوم بالحل في حال تغير الإدارة الأمريكية، فإن وقائع كثيرة، وربط ما يقع حاليا بمقدمات سابقة، يقودنا إلى استنتاج ان هذه المبادرة الجديدة تدخل في نسق مخطط له، منذ الإعلان عما سمي حينها بصفقة القرن، ذلك ان الفلسفة التي حكمت ذلك السياق وتلك الرؤية وقتها، هي تقريبا التي تحكم السياق الحالي، كما أن الكثير من اللاعبين والمنظرين لصفقة القرن حاضرون في خلفية "مجلس السلام"، وبالتالي فنحن أمام تحول استراتيجي في العلاقات الدولية، وأمام إمكان لتشييد النظام الدولي الجديد على أسس مغايرة.
إن التفكير في استدعاء المغرب للانخراط في هذا المجلس، لم يكن من باب استدعاء الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل يعود ذلك إلى الخيوط الدبلوماسية المرئية والمخفية كذلك التي نسجت طوال سنوات سابقة، والتي جعلت المغرب مواكبا لهذا التحول، مرافقة ومراقبة عن قرب.
لم يتم استدعاء المغرب في الدقائق الأخيرة لتأثيث مشهدية التوقيع، بل كان حاضرا في كواليس المشروع، ومشاوراته، ومفاوضاته، والاتفاق الثلاثي الذي وقع في ولاية ترامب الأولى، كان واحدا من مخاضات هذه اللحظة، وهو ما لم يدركه كثيرون، فيما كانت هذه المجموعة الإعلامية من القلة التي كانت منتبهة لهذه المتغيرات، ومدافعة عن أطروحة: المغرب أولا، ومؤمنة بأن هذا البلد له خدامه الأوفياء الذين يشتغلون بصمت، ويوجدون حيث لا يتخيلهم الآخرون، ويقومون بمهامهم بتجرد، حتى لو كال لهم بعض من فاتهم القطار الشتائم، وروج عنهم الإشاعات.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
إن المغرب بقيادة الملك، وفي إطار استراتيجية "المغرب الصاعد" يراهن على ألا يكون مفعولا به في ظل هذه التحولات، وأن يكون فاعلا ومواكبا لها من موقع المساهم، ولذلك كان الرهان أن يساهم في مستقبل السلم العالمي، من بوابة مهامه الإفليمية: قاطرة للاستقرار، وفاعلا في السلام من مدخل حل القضية الفلسطينية بما يخدم ترسيخ الأمن والتنمية معا، واستدامتهما.
وينطرح السؤال: لماذا المغرب هو الأكثر تأهيلا للقيام بهذه الأدوار المفصلية؟ وخصوصا ان حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني هو مفتاح أساس لحل باقي التوترات الإقليمية.
وما هي أوراق القوة التي يمتلكها؟
إن العالم رغم أن القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية تحدد الجزء الأكبر من توازناته، كما من صراعاته، فإن هذا لا ينفي أن ثمة عناصر للقوة تبقى فارقة، وتنتج عنها مكاسب، في حال وجود قيادة حكيمة، ورؤية استراتيجية لكيفيات توظيف مصادر القوة الحضارية والجغرافية والدبلوماسية.
فالمغرب يمتلك بحكم وجود مؤسسة إمارة المؤمنين، رؤية لكيفيات تحريك البعد الديني في حل النزاعات، ومحاصرة التطرف والإرهاب، والتشجيع على حوار الأديان والثقافات، وتشييد إمكانات التعدد القائم على المثاقفة الإيجابية، لا الاحتراب الذي لا يخدم مصلحة أي جهة أو دولة، وبحكم وجود تاريخي لليهود في هذا الوطن المغربي، وبحكم انتشار اليهودية المغربية في العديد من أقطار العالم، وخصوصا في دول فاعلة دوليا، كفرنسا وكندا والولايات المتحدة وإنجلترا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وسويسرا، وكذا بعض دول أمريكا اللاتينية، وهو حضور من موقع الفاعلية الفكرية والاقتصادية والمالية، وهو الحضور نفسه الموجود بإسرائيل، وبحكم الارتباط الروحي لليهود المغاربة بالملك سلطانا وأميرا للمؤمنين، فإن هذا يجعل فاعلية المغرب في حل القضية الفلسطينية على أسس عادلة، أقوى من أي بلد آخر في المنطقة.
ويضاف إلى ذلك، أن المغرب يبقى وسيطا مقبولا من كل أطراف النزاع، وحتى من مختلف المحاور الإقليمية التي تشكلت في السنوات الأخيرة، بل إن حتى مختلف الفصائل الفلسطينية بمختلف تقديراتها، تحتفظ له بمزية عدم الانخراط في الصراعات الفلسطينية البينية، ولذلك كان وسيطا في الكثير من جولات الحوارات الفلسطينية، المعلن عنها والسرية، كما انه ظل مصدر ثقة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ووسيطا موثوقا به من طرف الجانب الإسرائيلي، حتى قبل توقيع الاتفاق الثلاثي، رغم تشبته الصارم بحل الدولتين، الذي ترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية، ويضاف إلى ذلك أن المغرب ظل على المسافة نفسها بين المحاور الإقليمية، ويمكن الرجوع إلى مواقفه إبان أزمة "حصار" قطر، وإلى الخلافات الحالية بشأن الأزمة اليمنية، مع التشدد في مواقفه المنحازة إلى وحدة الأوطان والشعوب، ورفض التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي للدول، كما كانت تفعل إيران مثلا.
وهو النهج نفسه المتبع في التعامل مع الأقطاب الدولية الكبرى، ذلك أنه رغم شراكاته المتقدمة مع الولايات المتحدة، ومع حلف شمال الأطلسي، ومع الاتحاد الأوروبي، فإنه استطاع فتح قنوات ناجعة لتدبير العلاقات والمصالح مع الصين وروسيا، مما يبين أن ارتباط المغرب بأمريكا وأوروبا أساسا، غير محكوم بالتبعية، بل بالمصالح المتبادلة، وبتدبير معقلن للتحالفات، بحيث يكون المغرب وفيا لشراكاته، مما يعزز الثقة فيه، دون أن ينخرط في صراعات محاور تجعله في قلب استقطابات لا تخدم مصالحه، ولا أدواره المستقبلية فاعلا من أجل الاستقرار والأمن الإقليميين والدوليين.
لكن، هل مشاركة المغرب في مجلس السلام مرتبطة حصرا برغبة بلادنا في تثبيت الامن والاستقرار الدوليين؟ ام ان ثمة مصلحة وطنية عليا في ذلك؟
قبل الخوض في المكاسب المحتملة للمشاركة المغربية، يجب توضيح ان تثبيت السلم والاستقرار والامن في العالم هو في حد ذاته مصلحة وطنية كذلك، إذ من شأن ذلك أن يفتح ممكنات للتطور المغربي، باعتبار أن المغرب من الدول المتوسطة، ولكن الصاعدة، ومثل هذه الدول تكون مكاسبها اكبر عند تراجع النزاعات المسلحة وحروب المحاور والاستقطابات، مما يشكل لها هامشا أكبر على مستوى تنويع الشراكات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.
إن أكبر مكسب للمغرب وأرقاه من المشاركة في مجلس السلام، يظل هو تعزيز الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على الصحراء، خصوصا ان أمريكا باعتبارها قاطرة هذا المجلس، هي نفسها التي ستحتضن وترعى المفاوضات المرتقبة بخصوص تنزيل الحكم الذاتي الموسع بأقاليمنا الجنوبية الصحراوية، وبالتالي فإن حل قضية الصحراء المغربية سيكون بالحتم واللزوم واحدا من أجندات مجلس السلام، واختبارا له في الآن ذاته.
كما ان هذه المشاركة ستدعم وتطور المكاسب المحصلة سالفا من الاتفاق الثلاثي، على مستوى جذب الاستثمارات وتوطين التكنولوجيات المتقدمة، وهي مكاسب للأسف لا ينتبه لها كثيرون ممن يغرقون في التحليل السياسي المعتمد على الإثارة واستجلاب العاطفة إلى حقل التحليل الاستراتيجي.
لقد استفاد المغرب من شراكته مع الولايات المتحدة على مستوى بناء صناعة متطورة فيما يخص الطاقات المتجددة التي لها أهمية كبرى على مستوى الأمن الطاقي في العقود المقبلة، كما استفاد من تطوير بنياته التحتية على التي أصبحت اكثر اعتمادا على التكنولوجيات المتقدمة، كما ان الاتفاق الثلاثي نفسه مكن بلادنا من الاستفادة من تجربة إسرائيل على مستوى الزراعات المتطورة، والامن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، ومن شأن الاستمرار في هذا الأفق، وتوسيعه عبر بوابة مجلس الأمن ان يدعم هذه المكتسبات ويطورها. بحيث يتحول المغرب إلى مصاف الريادة الإقليمية والقارية، ومرجعا دوليا في إمكان النهوض بذكاء الاستثمار في المتاح.
وعلى مستوى الأمن والتعاون العسكري، فإن الانضمام إلى مجلس السلام بدعوة أمريكية، سيمكن بلادنا من الحصول على معدات عسكرية متطورة، ورفع وتيرة التدريبات المشتركة مع الجيش الأمريكي، وتبادل المعلومات الاستخبارية في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، وخصوصا ان منطقة الساحل ستكون بدورها من مجالات تدخل مجلس السلام، وهي المنطقة التي يوجد فيها حضور استخباري مغربي قوي.
إن كل ما سبق يقود إلى ترسيخ الدور الإقليمي للمغرب، على الواجهة المتوسطية، والتي يمكن أن ينتزع فيها أدوارا متقدمة على حساب حتى دول من حلف الناتو نفسه، وعلى واجهة غرب إفريقيا ارتباطا باستراتيجية "المغرب الأطلسي"، ومن هنا يمكن الحديث المسبق على ان منطقة الساحل والصحراء ستمثل في المرحلة المقبلة حديقة خلفية مزدهرة للصعود المغربي، بما يخدم مصلحة كل شعوب هذه المنطقة، فضلا عن الدور الإقليمي للمغرب على المستوى الشمال إفريقي والشرق الأوسطي، فاعلا في حل القضية الفلسطينية، والتقليل من النزاعات الإقليمية، والتوسط في تخفيف التوترات، بما يعني ان المغرب هو في طور التحول إلى قيادة محور إقليمي صاعد وناهض.
وهذا ما يفسر ان تبئير الملك والدبلوماسية المغربية على موضوع القضية الفلسطينية في البنية الخطابية المرتبطة بالانخراط في مجلس السلام، يأتي لبيان الدور المتقدم الذي تم منحه لبلادنا في مفاوضات الانخراط في هذا المجلس، باعتبار حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو المختبر الحقيقي لنجاعة هذا المجلس، ومن ثم الحاجة للمغرب.
ولقد اكدت بلادنا بوضوح انها ستدافع عن الثوابت الفلسطينية باعتبارها حقا لا يقبل التقادم من جهة، وباعتبارها كذلك مدخلا أساسيا لاستتباب السلام والامن في المنطقة.
ولقد كانت بلادنا واضحة في انها ستسعى من خلال مشاركتها في مجلس السلام إلى الدفاع عن دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على قاعدة الإنصاف المفضي إلى طي هذا الملف الذي يظل واحدا من مآزق الوصول إلى سلام عادل ودائم ولمصلحة الجميع.
والمغرب يمتلك على هذا المستوى العديد من الخبرات، التي تظل مطلوبة في المرحلة الحالية، ومن ذلك نجاحه في ظل حرب غزة الأخيرة على التحول إلى جسر بين الإسرائيليين والفلسطينيين في القضايا الإنسانية، بدليل قدرته على إدخال المساعدات إلى غزة من معابر متاخمة لإسرائيل، وتتحكم هذه الأخيرة فيها، متجنبا معبر رفح حيث تتكدس المساعدات بدون أي إمكانية لدخولها في آجال معقولة.
لقد اختار المغرب في الحرب الأخيرة، تقديم البعد الإنساني على باقي الأبعاد، بما فيها السياسية باعتبار التعقيدات التي كانت ولا تزال محيطة بكل المفاوضات والتسويات، مع احترامه لمجهودات الوسطاء القطريين والمصريين، فكان الرهان الأساس للمغرب هو وصول المساعدات الإنسانية لغزة، وتدعيم التنمية في الضفة الغربية، والمساعدة في جهود منع انهيار المجتمع الفلسطيني في القدس، وهذا ما سيؤهله لاحقا للعب أدوار متقدمة غي غزة نفسها على مستوى دعم جهود إعادة الإعمار والبنيات الصحية والتعليمية، وشروط العيش الكريم بصفة عامة.
هذا دون أن ننس أن المغرب يمتلك أوراقا متقدمة بخصوص مدينة القدس، مع العلم ان هذه المدينة المقدسة في جميع الديانات تظل مفتاحا أساسيا لحل هذا النزاع من خلال الانتصار لسردية التعايش الديني.
يمتلك المغرب إرثا في التعايش الديني بين المسلمين واليهود، كما يمتلك علاقات قوية مع المرجعيات المسيحية العالمية، وبفضل القراءة المتنورة لمؤسسة إمارة المؤمنين إلى أدوار الدين حاملا للحوار والتعايش والاعتدال والوسطية، فإن سيفعل هذه القوة الروحية في التأسيس لإمكان تحويل القدس إلى مختبر عالمي للتعايش الديني، مواصلة لإرث توما الإكويني وابن ميمون وابن رشد.
إن كل ما سبق يفيد توفر بلادنا على دبلوماسية قوية، بقيادة ملكية حكيمة، وبمستشارين ذوي كفاءات استراتيجية، وبوزارة حريصة على التفعيل الأمثل وفق بعدي الاستباقية وتوفير المعطيات، وبجهد مخابراتي متقدم على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ومجهودات لنخب إعلامية وأكاديمية ومالية واقتصادية تشتغل في صمت وتفان، وهي جزء من هذه الدينامية الدبلوماسية بترافعها وعلاقاتها.
هذا المجهود الدبلوماسي غير المسبوق في تاريخ المغرب، جعل دبلوماسيتنا استباقية، ومبدعة، بحيث تحول أي وضع دولي معقد، مثل الوضع في الشرق الأوسط والحرب الأوكرانية الروسية إلى فرصة لتعزيز المصالح الوطنية من خلال تفعيل شبكة العلاقات الدولية المتعددة، وبحيث تفعل آلية الربط الذكي بين الملفات التي قد تبدو متناقضة، من مثل الربط الخلاق بين ملف الصحراء المغربية وملف السلام في الشرق الأوسط، دون ان تقدم تنازلات في قضية الوحدة الترابية، ودون أن تخل بالتزاماتها تجاه الفلسطينين وتجاه العمل على السلام بينهم وبين الإسرائيليين.
هذا دون إغفال المرونة والتكيف مع المتغيرات المتسارعة، سواء على مستوى الأقطاب والمحاور، او على مستوى تغير الإدارات في العواصم الدولية الكبرى.
والخلاصة أن مشاركة المغرب في مجلس السلام تمثل منعطفا مهما في السياسة الخارجية للمملكة، تعكس نضجا دبلوماسيا وقدرة على التعامل مع تعقيدات النظام الدولي المتغير. وأنه اختار نهجاً واقعياً يزاوج بين الدفاع عن المبادئ والسعي لتحقيق المصالح، وبين الحفاظ على الثوابت والتكيف مع المتغيرات.
وستثبت المرحلة المقبلة النجاح الحقيقي لهذه المشاركة من خلال الطي النهائي لملف الصحراء المغربية، وتثبيت المغرب قوة إقليمية قائدة، مع النجاحسيق، مع المساهمة في إنعاش العملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية بطرق عملية، والحفاظ على مكانة المغرب كدولة محورية في استقرار المنطقة وتنميتها.
في النهاية، تثبت التجربة المغربية أن الدول المتوسطة القوة يمكن أن تلعب أدواراً مؤثرة في السياسة الدولية عندما تتمتع برؤية استراتيجية واضحة، ودبلوماسية مرنة، وقيادة حكيمة، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه مشاركة المغرب في مجلس السلام للدول التي تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز دورها في عالم سريع التحول.