الحاجة إلى "التفوسيخ"!!!

بقلم: المختار لغزيوي الأربعاء 28 يناير 2026
cdn4.premiumread
cdn4.premiumread

أمضينا، نحن المغاربة، قرابة الشهر ونحن نسخر من التصريحات الحمقاء التي ظلت تتحدث منذ أول مباراة لكأس أمم إفريقيا، عن مؤامرة جاهزة بموجبها سيتم تسليم الكأس القارية للمغرب، بأي شكل من الأشكال. 

فهمنا بنبوغنا المغربي المعهود أن من يروجون لهذا الكلام لم يفهموا أي شيء، لا عن المغرب، ولا عن قارة إفريقيا التي يتحدثون عنها ويدعون أنهم يغارون على سمعتها، ويدافعون عن مصالحها. 

وفجأة، انقلبنا نحن الذين كنا نسخر من غباء الإعلام الجزائري ومن عنصرية جزء من الإعلام الفرنسي، اللذان لم يستطيعا هضم النجاح الخرافي للمغرب في تنظيم هذه الكأس، إلى العكس، وشرعنا نحن أيضا في ترويج فكرة المؤامرة عن ضربة جزاء دياز، وعن كولسة مست اللحظات الأخيرة من النهائي، وأشياء أخرى تدخل بالتحديد في إطار ما كنا نسخر منه منذ بدء المنافسة. 

لماذا؟ 

بكل بساطة، لأن عقلية المؤامرة جزء لا يتجزأ من تكوين شعوبنا، ولأننا لا نتوفر على الزاد المعرفي الكافي الذي سيقينا شر الوقوع في حبال هذا التفكير السهل والسخيف. 

من أين تستقي الشعوب المتحضرة ترياق مقاومة فكر المؤامرة؟ 

من القراءة، والمطالعة والتلاوة والفضول الإيجابي. 

من صحافة متخصصة تقدم المعلومة الفعلية والحقيقية، من مصدرها. لا تمارس التنجيم، ولا تقلد ليلى عبد اللطيف، ولا تكتب بشكل إيجابي عندما تكون مستفيدة، ثم تنقلب إلى الضد وتكتب بكل سلبية الكون عندما لا تسافر، أو لا تحضر، أو لا تأكل، أو لا تشرب حد الثمالة، وإخراج ما في جوفها رداءة تلقيها فوق رؤوس العباد.

يعرف الناس الفرق بين الشعوب المتحضرة وبين الشعوب الأخرى، من خلال مراقبة ما يطالعه الناس هنا وهناك. وعندما أراك منشغلا بمراقبة مولينكس أو نزار أو بقية البقية من رداءات الوقت (الأنترنيتي) لا أستغرب أن تكون مؤمنا بأن العالم يتآمر عليك، وأجد صعوبة كبرى في التمييز بينك وبين معلق "بي إين سبور" القطرية، الجزائري الذي يبتلع غرامات مهمة من "الكالة" قبل أن يشرع في الهذيان. 

المشكل حقيقي، وقد أرعبني صديق كنت أحترمه كثيرا إلى أن تحدث لي ــ خلال إحدى مباريات هذه الكأس ــ بإيمان عميق ومذهل عن "السحر الأسود"، وعن "أثر الفوطة"، وروى لي قصصا وحكايات وروايات عن هذا العالم السفلي العجيب، استحضر خلالها كل (الجنون) الذين يعرفهم بمختلف قبائلهم وعشائرهم، وافترقنا وأنا أتساءل كيف نال شهادة الدكتوراه التي يضعها في صدر صالون بيته، وفوق رأس مكتبه الباذخ والجميل. 

هناك مشكل فعلي في رأس هذه الأمة، التي تهرب من واقعها باستمرار نحو تخيل منافذ إغاثة وهمية، باصطناع المؤامرات، وتخيل اجتماع الماسونية مع الصهيونية مع بقية الجمعيات والروابط من أجل الإيقاع بنا. 

مع أننا نوقع بأنفسنا دون حاجة لأي مساعدة، لا من صديق، ولا من عدو. 

لذلك لا مفر من حضنا، وحثنا، جميعا دون أي استثناء، على إعادة النظر فينا، من ألفنا إلى يائنا، لأننا فعلا نعاني من عديد الأمراض والأدواء، لكننا نرفض الاعتراف بالعلة، ونفضل بكل غباء، وبكل افتخار في الوقت ذاته القول: لقد تآمروا علينا! 

نحن نشبه تماما ذلك العاطل العربيد والمتناول لكل أنواع المخدرات الذي يمضي اليوم بطوله جالسا في الدرب العتيق، (الحومة) وهو يصرخ: «وا بقاو تابعيني، وا بقاو حاضييني، عارفكم ساحرين ليا باش ما ندير والو».

نحن نشبهه تماما، للأسف الشديد.