"لعبة الكراهية!"

بقلم: المختار لغزيوي الثلاثاء 27 يناير 2026
cdn4.premiumread
cdn4.premiumread

يكره الناس الصحافة والصحافيين في المغرب حقا. 

الأمر غير مقتصر على بلادنا، إذ الفئتان الأكثر كرها من طرف الشعوب في كل دول المعمور هما فئتا السياسيين والصحافيين، هذا أمر معروف، لكن في المغرب الأمر أسوأ والحالة أكثر استفحالا بكثير. 

تخيلوا أن سياسيا كان يناديه المغاربة فقط بوزير الكراطة، ولم يكونوا يتحملون رؤية سحنته في التلفزيون، وكنا نسمع كلاما سيئا عندما نستضيفه في برامجنا مثل "سي محمد أوزين"، أصبح فجأة محبوبا من طرف الناس، فقط لأنه هاجم الصحافة والصحافيين. 

وتخيلوا أن سياسيا آخر أصبح لقبه منذ ولايته الرابعة، (نتمنى له طول العمر وألا تكون هذه الولاية هي الأخيرة) هو "إدريس الرابع"، وتعامل معه الناس دائما بنفور شديد، أصبح هو الآخر من معشوقي الجماهير، فقط لأنه هو الآخر هاجم الصحافة والصحافيين. 

وطبعا لن نذكركم بالقاعد في صالونه، "يقطر الشمع" على الجميع، والذي اكتشف قبلهما بوقت طويل أفضال شتم الصحافة والصحافيين، وجعل من هذا الاكتشاف وسيلته للبقاء على قيد العيش في الصالون إياه، في انتظار أن يقضي ربك أمرا كان بالتأكيد مفعولا، ولا مفر منه إطلاقا.

هذا الأمر يتطلب من قبيلتنا طرح السؤال على نفسها، مثلما طرحه الأمريكيون قبلنا ذات زمن مضى وانقضى "لماذا يكرهنا الجميع؟".

والحقيقة هي أن السؤال، ورغم أنه يبدو مثل حال مهنتنا موغلا في التعقيد والكآبة، إلا أن إجابته سهلة، والرد عليه من أبسط الأشياء في هذه الحياة الفانية.

الجواب هو: لأننا نكره أنفسنا، ونكره بعضنا البعض. 

فقط، لا غير. 

ذلك أنه ومن بين كل مهن هذا العالم الفسيح لن تجد، بمطلق المطلق، مهنة يكره ممتهنوها بعضهم البعض أكثر من هذه المهنة.

فهذه القبيلة الملعونة المسماة قبيلة الصحافيين مصنوعة فعلا من ماء مهين، متسخ وغير صاف، تشوبه كل الشوائب. وحتى الذين يلتحقون بنا أول مرة دون أن تمسهم المواد الحافظة للكراهية ينقلب حالهم مع توالي السنين، ويصبحون مثل السلف غير الصالح: صالحين فقط للكراهية والغيبة والنميمة وبقية المثالب والعيوب. 

متى يحب الصحافيون صحافيا أو صحافية من بينهم؟ 

في لحظة واحدة ووحيدة: عندما يزوره أو يزورها سيدنا عزرائيل، ملاك الموت، عليه السلام. 

يستل حينها الكارهون أقلامهم من أغمادها، ويشرعون في كتابة التأبين الكاذب، حتى صار الصحافيون المغاربة متميزين في جنس صحافي واحد: جنس تأبين بعضهم البعض كذبا وزورا وبهتانا. 

لماذا نكتشف خصال بعضنا البعض الطيبة فقط عندما نموت؟ ولماذا لا نرى في بعضنا البعض إلا المصائب والكوارث ونحن على قيد الحياة؟ 

علم ذلك عند ربي أولا، ثم عند أطباء النفس ومتخصصي السلوكيات، الذين لا تلجأ إلى خدماتهم المقاولات الإعلامية المغربي قبل توظيف مواردها البشرية. 

ولو كانت المسكينة، ونقصد هذه المقاولات، تقوم بذلك وتفرض اختبار السلامة العقلية على كل راغب وكل راغبة في امتهان هذه الحرفة العجيبة لأعفينا أنفسنا، والمتلقي معنا، من علامات الحمق والجنون، والخروج عن سطر العقل التي تميز تعامل بعضنا مع بعضنا، وتعاملنا جميعا مع البعض الآخر من المجتمع. 

لذلك، وقبل طرح السؤال "لماذا يكرهنا الناس؟"، لا مفر من التأمل في السؤال الأهم: لماذا يكره الصحافي المغربي نفسه أولا؟ ولماذا يكره زملاءه وزميلاته ثانيا؟ 

قبل العثور على جواب عن السؤالين، سنظل "محلك سر"، مكروهين من طرف الجميع، وقابلين للامتطاء من طرف أي حزبي فقد كل أمل في الحياة أن يحترمه في يوم من الأيام الشعب، ثم تذكر أنه يستطيع نيل الثقة من جديد فقط بسب الصحافة والصحافيين. 

ما القول ختاما؟ 

"الله يعفو"، والسلام، فالأمر حقا لم يعد مسليا، وكل الضحك الكامن فيه هو مجرد بكاء مرعب ولعين، مهما قالت كل الظواهر العكس، أو حاولت هي الأخرى الكذب علينا، والتظاهر بأن كل شيء بخير وعلى خير، ولا ينقصه إلا النظر في الوجه العزيز...