الأمن والتنظيم في الكان وقميص عثمان .. مدرب السنغال يهين جمهور منتخب بلاده

حنان رحاب الأحد 18 يناير 2026

حسنا فعلت الخارجية السينغالية، وهي تبادر لإصدار بيان يصحح الزلات التي سقط فيها بلاغ الاتحاد السينغالي لكرة القدم، وتصريحات المدرب بابي ثياو، الذي ربما خانته حداثة سنه، باعتبار أنه لم تمر فترة طويلة على ولوجه ميدان التدريب، وبالتالي لم يتمرس كثيرا في الندوات الصحافية، والتي من المفروض أن يخوض خلالها أيها مدرب في الجوانب الرياضية والتقنية للمقابلة، اما قضايا التنظيم وما يرتبط فيها فهي اختصاص للطواقم الإدارية في علاقتها بلجنة تنظيم أي مسابقة، والتي للتذكير في حالة الكان المنظم حاليا ببلادنا، هي غير تابعة للبلد المنظم، بل للكونفيديرالية الإفريقية لكرة القدم.

 
لا يعني هذا، أنه ليس من حق الاتحاد السينغالي إبداء ملاحظاته على التنظيم، ولكن ما يعاب على بلاغه هو التناقضات التي سقط فيها، فيما يخص الإقامة، والحال أنه استفاد من خدمات واحدة من أغلى وأفخم الوحدات الفندقية على المستوى القاري والدولي، والذي تنزل فيها شخصيات من الوزن العالي عالميا (رؤساء ورؤساء وزراء دول، رجال أعمال عالميون،،،)، كما إثارته لقضية التذاكر، والتي حتى أنصار المنتخب المغربي يجدون صعوبة تصل حد الاستحالة في اقتنائها، والتي هي في الأصل من اختصاص الكونفيديرالية الإفريقية لكرة القدم التي تعاقدت مع شركة خاصة لتدبير الاقتناء الإلكتروني للتذاكر، مع العلم أن عملية بيع تذاكر المقابلة النهائية قد شرع فيه قبل حتى انطلاق المنافسة، وبالتالي فالأمر لا يمكن تدبيره بنفس التعامل الخاص بالمقابلات الإقصائية قبل انطلاق الأدوار النهائية، حيت من حق المنتخب الذي يلعب خارج قواعده المطالبة بنسبة مئوية من التذاكر، والحال أنه في النهائيات لا أحد بإمكانه معرفة المنتخبين اللذين سيلتقيان في النهائي، حتى تؤمن اللجنة المنظمة تذاكر كافية لأنصارهما، وبالتالي فالمغرب لا يتحمل أي مسؤولية إذا كان الجمهور السينغالي لم يبادر لاقتناء تذاكر المقابلة النهائية حين طرحت للعموم.
 
وعلى العموم، فهذه تفاصيل تنظيمية هامشية وبسيطة، وتقع في كل المنافسات القارية والعالمية، إذ تظهر أحيانا شكاوى، قد تكون لها دوافع معقولة، وقد يراد منها ممارسة الضغط، على الجهات المنظمة لتحصيل مكاسب غير مستحقة.
 
لكن أن يتهم بلاغ الاتحاد السينغالي ومدرب منتخبهم  المغرب بعدم تأمين بعثتهم حين وصولها لمحطة القطار"أكدال" فمما يعتبر شرودا، واتهامات تفتقد للدليل فضلا عن اللباقة.
ولنعد للوراء قليلا، لقد أقام المنتخب السينغالي بمدينة طنجة، وكان لاعبوه يتنقلون من الفندق الموجود خارج المدينة، إلى ملعب التداريب بشكل يومي، كما قاموا بجولات في المدينة، وبحضور صلوات الجمعة منذ حلولهم بالمدينة، التي تعرف وجود جاليات سينغالية مقيمة، فضلا عن تلك التي قدمت من أوروبا لتشجيع منتخب بلادها، وكانت تنقلاته تعرف انسيابية، وعملا امنيا احترافيا يؤمن الجولات والتنقلات، وهو نفسه الذي تم تأمينه لكل المنتخبات، وقد عبر اللاعبون السينغاليون انفسهم عن ذلك، رغم أن بعض التنقلات كانت فجائية، وخارج ما تم الاتفاق على تأمينه مع اللجنة المنظمة.
الذي حصل يوم الجمعة، هو أن الاتحاد السينغالي أخبر أنصار المنتخب السينغالي بموعد وصول اللاعبين والطاقم التقني والإداري إلى محطة القطار "أكدال"، وهو الأمر الذي جعل أعداد غفيرة من السينغاليين تتوجه للمحطة، لملاقاة نجوم منتخبهم، وتشجيعهم وتحفيزهم.
وبالتالي فالاتحاد السينغالي هو من يتحمل مسؤولية وجود تلك الحشود، وهو من كان يرغب في ذلك، ولم يقم أي منتخب من المنتخبات التي تنقلت لمدن أخرى بإخبار جماهيرهم بمكان وزمان وصول المنتخب، لمعرفتهم المسبقة بمآلات الأمور، ولأن مثل تلك الأمور يتم تدبيرها مسبقا مع الجهات المنظمة، لكي تنسق مع السلطات الأمنية والترابية.
 
لقد جنب الأمن المغربي بخبرته الكبيرة في تدبير مثل هاته المنافسات بعثة المنتخب السينغالي من احداث غير مرغوب فيها، فلو كان قد اعتمد تفريق تلك الحشود بالقوة (والتي يبيحها القانون)، لتطورت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه، مما يسيئ إلى التظاهرة، وإلى العلاقات الأخوية بين الشعبين المغربي والسينغالي، وإلى صورة الجمهور السينغالي نفسه الذي يمثل شعبا معروفا بانسجامه مع الشعب المغربي لوجود مشتركات كثيرة.
لقد كان تدخل الأمن المغربي بالقوة لتنظيم الحشود لو تم، سيؤدي إلى خلق جو مشحون خلال مقابلة النهاية، التي يريدها الجميع عرسا اخويا، وفرصة لإظهار الأخوة بين الشعوب الإفريقية، وهو ما انتبه له بلاغ الخارجية السينغالية، الذي كان على درجة واعية من النضج والتعقل والحكمة.
 
 إن الفيديوهات المنتشرة للحشود التي أحاطت بالمنتخب السينغالي، كلها تبين أن اللاعبين لم يكونوا متضايقين، وأن الجمهور كان متفهما للوضع، بحيث لم تسجل أي احتكاكات من شانها التأثير على سلامة اللاعبين الجسدية، وكل واحد يعرف الترتيبات الأمنية في مثل هذه الحالات المفاجئة، يعرف أن المسؤولين عن الأمن يبحثون عن الوسيلة الأفضل لتأمين الجميع، دون الاضطرار لاستعمال ما يمكن أن يؤدي إلى تطورات غير مرغوب فيها، ويعرف ان رجال الأمن بزي مدني يكونون منتشرين وسط الحشود للتدخل إذا اقتضت الضرورة ذلك.
 
وهو الأمر الذي حصل في محطة أكدال، بحيث انتهى الأمر بأن استقلت البعثة الحافلة بعد وقت قصير قياسي دون ان يحصل أي حادث عرضي، مما كان يستوجب التنويه بهذه الاحترافية للمسؤولين عن الأمن.
 
الغريب أن مدرب المنتخب السينغالي قال بانه كان بالإمكان تعرض لاعب ما للاعتداء وسط ما اعتبره فوضى الحشود، وهنا يثار سؤال: إذا كان ما وقع هو فوضى (والأمر خلاف ذلك) فالمدرب يصف جماهير منتخب بلاده بأنهم غير منضبطين، وإذا كان هناك ثمة احتمال للاعتداء على لاعب، فالمدرب مرة أخرى يتهم هذه الجماهير التي حركها حب اللاعبين والمنتخب بالبلطجة.
لم يسئ مدرب المنتخب السينغالي إلى الأمن المغربي، بل إلى جماهير السينغال، التي نشهد لها نحن المغاربة بالوداعة والتحضر واللطف، اما الأمن المغربي فيكفي انه سهر على تأمين إقامة وجولات وتنقلات 24 منتخبا، وتنظيم السير والجولان وتدبير الأمن لجماهير كثيرة قدمت من خارج المغرب، وجاليات مقيمة به، فضلا عن الجماهير المغربية الكثيرة في الشوارع والملاعب والساحات والأماكن العمومية، فضلا عن تأمين 52 مقابلة عرفت حضورا جماهيريا قياسيا، وذلك في ظرف زمني قصير، دون تسجيل أي تقصير، أو مظاهر عنف وشغب، أو صدامات بين الجماهير، وكل ذلك باعتماد المزاوجة بين المرونة التي تسمح بانسيابية الحركة حين يكون ذلك مطلوبا، والحزم حين يقتضي الموقف ذلك، وهي أمور شهدت بها الصحافة الأجنبية التي لها تجربة في تغطية مثل هذه التظاهرات.
لقد أبانت المؤسسة الأمنية مرة أخرى أنها شريكة في إنجاح المحطات التي تراهن عليها بلادنا، وأنها علامة من علامات المغرب الصاعد.