في خضم التحولات العميقة التي تعرفها منظومة التربية والتكوين، ومع تسارع وتيرة تنزيل مضامين خارطة الطريق 2022-2026، عاد إلى الواجهة ملف فئة إدارية مركزية ظلت لسنوات تؤدي أدوارا. استراتيجية في صمت، دون أن يقابل ذلك بإنصاف إداري أو تحفيز مادي يتناسب مع جسامة المسؤوليات الملقاة على عاتقها. ويتعلق الأمر برؤساء المصالح ورؤساء الأقسام بقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي، الذين يشكلون العمود الفقري للإدارة التربوية وحلقة الوصل الأساسية بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ الميداني للسياسات العمومية.
وتضطلع هذه الفئة بمهام إدارية وتنظيمية معقدة ومتعددة، تشمل التخطيط والتنسيق والتتبع والتقويم، وتدبير ملفات استراتيجية وحساسة، من قبيل الحركات الانتقالية، وتعيين الأطر الجديدة، وإعادة الانتشار، والترقيات، والامتحانات الإشهادية، والتخطيط التربوي، والإحصاء المدرسي، وتتبع مشاريع البناء والتجهيز والتأهيل، وتدبير الممتلكات، وضمان السير العادي للمؤسسات التعليمية واستمرارية المرفق العمومي طيلة السنة الدراسية، بما في ذلك فترات العطل والعمل خارج التوقيت الإداري الرسمي ونهاية الأسبوع.
ورغم هذا الثقل الوظيفي وتنامي حجم الأعباء بفعل توالي الإصلاحات والبرامج، ما تزال الوضعية الإدارية والمادية لرؤساء المصالح والأقسام مؤطرة بنظام تعويضات متجاوز، يستند إلى نصوص تنظيمية تعود إلى سنتي 1976 و1997، وهو ما يكرس شعورا واسعا بالاستياء والغبن داخل صفوف هذه الفئة، التي تعتبر أن التعويضات الحالية لا تعكس لا طبيعة المهام ولا حجم الضغط المهني ولا التحولات البنيوية التي عرفها القطاع.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
ويتفاقم هذا الإحساس بعدم الإنصاف في ظل استفادة فئات إدارية أخرى داخل نفس القطاع من تحيينات مهمة لأنظمة تعويضاتها خلال السنوات الأخيرة، من قبيل هيئة الإدارة التربوية التي تم الرفع من تعويضاتها بموجب مرسوم سنة 2024، وكذا المديرين الإقليميين ومديري الأكاديميات الجهوية، رغم أن هذه الهيئات تخضع تنظيميا لإشراف وتنسيق رؤساء المصالح والأقسام، الأمر الذي أفرز فوارق واضحة في الأجور والتعويضات، وطرح تساؤلات مشروعة حول منطق العدالة في الأجر مقابل المسؤولية.
وأمام ما ترتب عن هذا الوضع من تراجع جاذبية مناصب المسؤولية، وصعوبة استقطاب الكفاءات، وارتفاع منسوب الاستنزاف الوظيفي، بادرت هيئة رؤساء المصالح والأقسام، على المستويات الإقليمية والجهوية والمركزية، إلى بلورة ملف مطلبي شامل، في إطار مقاربة بناءة ومسؤولة، هدفها تحسين شروط الاشتغال وضمان الاستقرار المهني، بما يخدم نجاعة الإدارة التربوية وإنجاح أوراش الإصلاح.
ويتضمن الملف المطلبي جملة من المطالب، من بينها تمكين رؤساء المصالح والأقسام من الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية الكافية، وتوفير وسائل تنقل منتظمة لمواكبة المهام الميدانية، وتهيئة فضاءات عمل لائقة، واعتماد توزيع عقلاني للمهام والاختصاصات. كما دعا إلى معالجة الوضعية التنظيمية عبر تفعيل مقتضيات المذكرة الوزارية المتعلقة بالتباري والحركية الإدارية، وإقرار حركة انتقالية خاصة، وضمان الولوج المنتظم إلى برامج التكوين والتأهيل القيادي، إلى جانب تمكين هذه الفئة من السكن الإداري أو إقرار صيغ بديلة للدعم الاجتماعي.
وعلى المستوى المادي، شددت الهيئة على ضرورة مراجعة نظام التعويضات بشكل جذري، من خلال الرفع من التعويض الشهري عن مهام رئيس مصلحة ورئيس قسم، والزيادة في التعويض الجزافي عن استعمال السيارات، وإقرار تعويضات عن المردودية المهنية، بما ينسجم مع حجم المسؤولية ويكرس مبدأ العدالة في الأجر مقابل العمل.
وفي هذا السياق، تم توجيه عدد من الأسئلة البرلمانية من فرق المعارضة إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تستفسر عن الإجراءات المزمع اتخاذها لإعادة النظر في نظام التعويضات وتفعيل الحركية الإدارية وتحسين الوضعية الاجتماعية والمهنية لهذه الفئة. وبالتوازي، أفادت مصادر متطابقة أن فرقاً من الأغلبية بدورها شرعت في توجيه أسئلة مماثلة، ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام بهذا الملف داخل المؤسسة التشريعية.
كما أعلنت نقابات تعليمية من بين الأكثر تمثيلية عن إصدار بيانات جهوية وإقليمية تضامنية، عبرت فيها عن دعمها لمطالب رؤساء المصالح والأقسام، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يجسد حالة إقصاء وتهميش إداري غير مبرر، ويغذي الإحساس بالنكران الوظيفي داخل فئة تشكل دعامة أساسية لتنزيل السياسات العمومية التربوية.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، كشفت هيئة رؤساء المصالح والأقسام عن عزمها تسطير برنامج نضالي إنذاري يتمثل في حمل الشارة منتصف الأسبوع الجاري، كخطوة رمزية تروم لفت انتباه الوزارة الوصية والرأي العام إلى عدالة المطالب، مع التأكيد على احترام استمرارية المرفق العمومي وعدم المساس بحقوق المتعلمين.
وأمام هذا التطور، تتجه الأنظار إلى موقف وزارة التربية الوطنية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى استعدادها للإنصات والتفاعل الجدي مع هذا الملف، والاستجابة لمطالب فئة تعتبر ركيزة أساسية للإدارة التربوية، قبل أن تتجه الأوضاع نحو أشكال احتجاجية أكثر تصعيداً، قد لا تخدم الاستقرار المؤسساتي الضروري لإنجاح إصلاحات كبرى يعول عليها في المرحلة المقبلة.