يكثر الحديث بمكناس وبشكل صحي عموما، ومرات أخرى بشيء من المزايدات الفضفاضة حول رؤية تثمين الفضاءات التاريخية، والتي قد تم تأهيلها حديثا (ضمن البرنامج الملكي لتثمين المدينة العتيقة بمكناس). مرات أخرى تكثر أحكام القيمة الوصفية والانحباس في زوايا التاريخ الماضي المنغلق، دون العمل على تطوير رؤية التوظيف (الثاني) ورد الاعتبار للمكان والإنسان، و لما لا نفض غبار التقادم عن الأمكنة العمرانية المادية العتيقة. ولكسب رهان رؤية للتوظيف (الثاني) بآليات التجديد والاستفادة المستديمة، لا بد من أن تكون بالضرورة تُواكب عموم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية بمكناس.
اليوم بات ملعب القرب الذي تم الشروع في إنشائه في رُكن منزوي من ساحة لالة عودة يخلق الحدث (القيل والقال)، ويُسيل الرأي والرأي المضاد، ومداد الانتقادات والتعليقات التي تتسم مرات عديدة بالخشونة اللفظية والإقحام المفرط في الضبط الوصفي دون استرجاع ما حدثنا به التاريخ من مرجعيات حول تشغيل ساحة لالة عودة على مرِّ الأزمنة المتلاحقة (ساحة مفتوحة لكل الأنشطة الاجتماعية). من البديهي أننا جميعا لا نمتلك اليقين القطعي، ولا حتى الحقيقة المطلقة، ولكنا بالاعتدال في التفكير و تفكيك المعطيات الواردة من زمن التاريخ القريب، قد نسترشد قوة من أثر التاريخ الوافد بالذكر والتذكر حول تلك الأدوار الأساسية والثانوية المتنوعة التي كانت تُقام بساحة لالة عودة بلا زوبعة دخان.
استعمالات ساحة لالة عودة كان متعددا ومتنوعا، ويحمل مجموعة من المناولات والقيم الدينية والعادات الشعبية الاجتماعية والترفيهية. وضمن البرنامج الملكي (الأول) لتثمين المدينة العتيقة لمكناس أصبح فضاء ساحة لالة عودة فضاء ذا جودة وجاذبية، فمعالم الجمالية باتت تشد الزائر بالمكان، وتُضفي على المَعْلمِ التاريخي تناسقا كليا ومجدا سلطانيا. لن نرتكن دوما إلى صف من يريد تحنيط المعالم التاريخية بالمنشأ والاستعمال الأولي ومناصرته، ولكنا نرغب حتما في تجديد آليات توظيف الفضاءات التاريخية، ولما لا حتى مفاهيم التوظيف (الثاني)، والقفز عن كل رؤية ( التوظيف فولكلورية)، والتي لا تُغني المكان من الشواهد التاريخية البارزة بالاستمرارية والاستدامة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1667386526530-0'); });
ساحة لالة عودة منذ أن حيينا وعيا، وغيري من ساكنة مكناس، هي عبارة عن فضاءات مفتوحة للرياضة الشعبية (كرة القدم)، و كذا الإحتفالات وتجمعات المواسم (الدينية والحفلات الشعبية) وغيرها. فقد كانت لعبة كرة القدم والدوريات الرمضانية تُقام بنفس الساحة والمكان (استغلال الساحة بتمامها)، وحتى بعض المنافسات (الكولونيالية الاستعمارية) منها كانت تستقطبه الساحة(صور من التاريخ). حيث كانت ساحة لالة عودة تاريخيا متنفسا حقيقيا وشعبيا مفتوحا على كل أزقة المدينة القديمة، وما حاط بها من حواضر. بالساحة تعلمت أسماء رياضية مكناسية ودولية ملامسة الكرة بفنية وأناقة وتقنيات عالية، وخير شاهد منهم من قضى نحبه ومنهم من لا زال حيا يرزق (أطال الله في عمرهم) الأخوة الغويني، وكذا طويرطو وخُوتُو، والمرحوم عزيز الدايدي...واللائحة قد تطول ذكرا.
لا يمكن إيقاف عقارب ساعة الصفر عند الماضي بساحة لالة عودة، وتكريس الساحة كمحطة لوقوف السيارات وعربات الكوتشي !!!، بل يجب تطوير رؤية التوظيف (الثاني)، وخلق الممكنات الكامنة بالمتغيرات ورؤية التجديد والتصويبات، ولما لا خلق التوليفة المتناسقة التي يكون فيها الحاضر هو من يصنع الماضي، وما ورد من أثر الماضي يكون سندا لتجسير قنوات الاستفادة من المستقبل.
فإذا ما علمنا أن جغرافية تراب جماعة (المشور الستينية) لا تتوفر على أوعية عقارية لإنشاء ملاعب القرب والإدارات العمومية الخاصة بها، مادام الملتقى الدولي الفلاحة بالمغرب قد استوطن في وعاء عقاري كان فضاء للرياضة (كرة القدم/ الريكبي/ العدو... التنزه...)، فإنه من اللازم التفكير في البدائل الممكنة والطيعة بقوة الاقتراح والتمكين، والتي يجب ألا تكون طبعا خارج الجغرافية الترابية لجماعة المشور الستينية. من تم كان التنزيل الصائب لملعب قرب وبدعم من جهة (فاس مكناس) بتلك الزاوية الضيقة (20mX40m) غير المشكلة لأي عرقلة ولا تشويه لجمالية المكان، ودون كذلك خلخلة لبنية الساحة الكلية ( تنظيم الفضاء الجمالي)، ولا حتى التأثير المباشر بالسلب على المعالم المحيطة بالساحة.
(وليدات) الدار الكبيرة وسيدي عمرو وحي الأمل والدريبة وغيرهم... يمارسون لعبتهم المفضلة (كرة القدم) بجانب ضريح المولى إسماعيل وأما المؤسسات المدرسية (فاطمة أم البنين)...، إنه بحق الأمر المعيب الذي يجب التذكير به، واستدعاء التفكير التخطيطي في خلق فضاء رياضي برونق جمالي متكامل ومحصن، يلم أطفال ما حاط بالساحة كمتنفس رياضي سليم وآمن (وليدات المشور الستينية).
من الملاحظات أن كل المدن التاريخية التي سبقت مكناس في عمليات التثمين تتحرك نحو توظيف أمثل بالتجديد، وتثمين لفضاءاتها ومعالمها التاريخية بحمولة الحاضر والمتغيرات، والنموذج الوفير لدينا في مدينة تطوان ومراكش وفاس والصويرة (ملاعب قرب ومنشآت اجتماعية أخرى بالقرب من الأسوار)، حيث لا يكثرون (البوليميك) من الشد والجذب حول مجموعة من القرارات يمكن أن تكون سديدة بالفضل، وتخدم المكان والأحياء والمستقبل المجالي.