مقاهي ثقافية في السجون ؟ خيرة جليل تجيب : ممكن جدا

بواسطة الخميس 15 فبراير, 2024 - 08:40

AHDATH.INFO

خصت الكاتبة خيرة جليل موقع أحداث أنفو، بهذا المقال بخصوص مبادرة مشاركتها في تأطير لقاء ثقافي تم بمقر السجن المحلي ببني ملال، والذي تم فيه عرض فكرة المقاهي الثقافية داخل أسوار السجن، وهي المبادرة التي كانت مشجعة، وفسرت الكاتبة ظروفها وتجربتها في هذه الورقة:

كنت ككاتبة وتشكيلية بنفس إبداعي رائق أشيد عوالمي السردية داخل نسق إبداعي وفق بنية حكائية مستلهمة النسق الحكائي العربي القديم لكن بصيغة متمردة على جميع القواعد المتعارف عليها ، تعكس بذلك اختياراتي الأدبية ورؤيتي الاستراتيجية للبناء الحكائي والأحداث و كيفية توزيعها للمتواليات السردية التي لا تبعد كثيرا عن هندسة حكايات الواقع المعاش، إلى جانب تداخل الأصوات السردية المتنوعة بين صوت السارد المحايد الموجه وأصوات مسارات الحكي في الزمان والمكان ..
وعلى الرغم من ظني أو كما تهيأ لي أني أتحكم في نسق الحكي من خلال المخيلة الخصبة لم تسعفني هذه المرة لا الكلمات ولا الجمل ولا الألوان لوضع تصورا لما سأراه وأعيشه صباح هذه الجمعة.
كانت الفكرة في ثنايا سؤال واضح طرحته زميلتي بنهاية شهر ماي من السنة المنصرمة 2023 لكن يحمل في طياته مسافات زمن ومساحات تأمل .
_ أستاذة هل يمكن أن تنشطي معي حلقة من حلقات المقهى الثقافي للسجن المحلي ببني ملال؟
سؤال يصعب الإجابة عليه؛ وما السجن إلا سجنا مثل القفص حتى ولو كان من ذهب كما يعتقد الجميع ..فقد ترسخت بالأذهان فكرة أن السجن هو مكان عقوبة ومنع وحرمان وديكتاتورية . حتى أنك تتخيل أنه عالم يجمع جميع أشكال العنف والتهميش ..
مهما حدثني زميلتي الدكتورة آمنة الصيباري لم أستطع استشراف الأمر؛ فأنا تخيلت سجن النساء بنيويورك وسجن الفتيات القاصرين بشاندونغ حيث قمت رفقة متطوعين بورشات فنية لصالح النزيلات.. رهاب وخوف وتفتيش مكثف ومسافات أمان لازمة..كما نبهتني مرغريتا الأمريكية ..
كان الاتفاق مع آمينة على العاشرة صباحا..يوم الجمعة الأولى من شهر فبراير 2024 . حللت ضيفة على المقهى الثقافي بالسجن المحلي بني ملال في لقاء مفتوح مع نزيلات و نزلاء المؤسسة السجنية حول كتابي ” الزمن الملغوم ” في إطار برنامج المقاهي الثقافية بالسجون.
بعد إلقاء الكلمة الافتتاحية لكل من مدير المؤسسة السجنية بني ملال والأديبة أمينة الصيباري تناولت الكلمة لأسلط الضوء على كتابي :” الزمن الملغوم.”الذي أشرت فيه إلى مجموعة من القضايا الاجتماعية من قبيل المساواة بين الجنسين كما تطرقت لوضعية المرأة بصفة عامة وبعض النساء بشكل خاص ودقيق، حيث خصصت حيزا كبيرا في كتابي لعينة من النساء ذات الرؤية الضيقة في التعامل مع بعض القضايا من خلال قصة و”ماذا بعد” و” تسرع “و “ضياع “و “بكاء على الرصيف” لنسافر معا عبر تعدد أزمنة الحكي وتعدد الأمكنة المختلفة في المجتمع لننتقل جميعا إلى الحكي الواقعي من خلال القصة الواقعية التي تستمد وجودها من أحداث متنوعة من المجتمع بإبراز واقع الإنسان المهاجر السري العربي من مختلف الجنسيات الذي يعيش الذل و الحقارة في الضفة الأخرى في ظل غياب الوثائق الثبوتية والقانونية التي تخول له العيش الكريم وتمنحه الحق في التمتع بحقوقهم الكونية ، و هو ما لمسناه في صخرة سيزيف و الزمن الملغوم .. مما يجعلنا أمام أوربا الجحيم عوض أوربا النعيم المنشود.
من خلال القراءة المستفيضة للنزلاء
فإننا نلمس تمايزا واضحا في أنساق القراءات الفردية ، وتشكل أبعادها النفسية والاجتماعية وفق مقاسات جديدة تكشفها المسارات المتعددة للنزلاء بحسب ما تمليه المواقف والقناعات، وما تعكسه ظرفية القراءة وطقوسها مع اختلاف الرؤى الوجودية والفلسفية.. وبتوقف الزمان حين تتوقف طقوس القراءة بالسجن وتتراخى خيوط السرد ويمل معها القارىء النزيل ويشرد وهذا ما لم نلمسه لدى النزلاء اليوم، كما يكشف ذلك هذا النبض المتفاعل مع الكتابة مما برهن على أننا بحضرة قارئ نهم ومتفاعل. ولعلنا نلمس هذا لدى القارئ حين نلمس انتشالا مستميثا لصورة الذات الناقدة والمتصفحة والتي تنتشلنا من براثين النمطية التي اقترنت بها الفضاءات الثقافية وداخل صالونات الأدب والتي لاحظنا أن بعضها ابتعدت كثيرا على الهدف الأسمى الذي خلقت من أجله ولم تصبح إلا محلات استهلاك عكس هذا الفضاء ، فتحس بنبل وحماس زائد لدى القراء الذين احتموا بالقراءة كملجأ لهم من خلال مناجاتها ليتحرر العقل والنفس تاركين الجسد لتصبح الذات كوعاء لها فقط …وهذه القراءة أصبحت رئة تنفس تطير بالروح بعيدا حين يختنق الكل بالروتين اليومي ..، وفي هذا اختيار جديد لوضع النزيل بفضل إرادته بكل طواعية. وبعد جلسة الحوار والنقاش لهذا اللقاء الثقافي الذي تخللته تقديم فقرات موسيقية و فنية من إبداع نزلاء و نزيلات المؤسسة السجنية. علما بأن هذا البرنامج للمقهى الثقافي بالسجون تعد فكرة أطلقتها المندوبية العامة لإدارة السجون منذ تاريخ 2017 في إطار الجيل الجديد من البرامج التأهيلية التي يتم من خلالها تمكين نزيلات و نزلاء المؤسسات السجنية من اللقاء مع رجالات الثقافة و الفن و العلم وعيا منها بضرورة اعتماد وسائل ناجعة ترمي إلى تحقيق التكامل بين البرامج الثقافية و الفكرية و برامج تأهيل السجناء لإعادة الإدماج و تطوير مجال انفتاح السجين على العالم الخارجي تمهيدا لإدماجه الكلي بعد المغادرة.
إن ما يحز في القلب أن ترى، مثل هذه القامات الأدبية والموسيقىة القادرة على إنتاج برنامج أدبي وموسقي ومسرحي وتشكيلي متكامل، هنا لأن سوء طالعها كان أن وضعت رجلها على لغم من ألغام هذا الزمن، لتجد نفسها وراء القضبان ؛ لكن ما يجبر الخواطر أن تجد أطر اجتماعية للمؤسسة السجنية قادرة على احتضانهم وتحرر عقولهم بالقراءة والإبداع رغما عن سجن أجسادهم. وقد أجزم أنها المؤسسة السجنية الوحيدة بالمغرب التي وصلت لهذا المستوى من الوعي لإعادة إدماج النزلاء وفتح آفاق فكرية وفنية أمامهم ناسجة لهم خيوط الأمل وفسحة العيش حتى لا يعيدون الأخطاء التي اقترفوها سهوا أو جهلا بالقانون أو بسوء الحظ.. فهنيئا للمغرب بهذه المؤسسة التي تنهج سياسة إعادة الإدماج بتنمية القدرات الفكرية لدى النزلاء والنزيلات والتي تؤمن أن القراءة تحرر والإبداع يفتح الآفاق متمنيين إمكانية فتح أفاق بمشاركة هؤلاء النزلاء في المهرجانات الغنائية والملتقيات التشكيلية والشعرية عبر تطبيقات الانترنيت كزوم أو غيره، دون التصريح بوضعهم القانوني، تحت إشراف الأطر الاجتماعية بالسجن وتحت إدارة مؤسسة السجن المحلي في إطار أداب السجون أو إبداع السجون والتي أظن أنها ستكون بادرة تقف أمام مسألة العود، و التي يلجأ إليها أحيانا النزيل لأنه لا يستطيع الاندماج مع مستجدات مجتمعه الذي عزل عنه خلال فترة قضاء عقوبته الحبسية، مما يجعله أكثر عنفا وعدوانية ويرغب في العودة من جديد للسجن. وهذه التجربة قد تبعده عن تبني أي فكر تطرفي سواء التطرف الديني أو الانتماء للعصابات الإجرامية بعد خروجه، خصوصا أن الحضور الذي رافقته في نشاطه يتوفر على طاقات فكرية وفنية تشكيلية وغنائية من مستوى عالي. ومادام السجن مؤسسة لإعادة التأهيل فإنه سيصبح مؤسسة لقطع الطريق أمام جميع أشكال التطرف الفكري أو الديني أو الإجرامي .. الذي قد يتبناه السجين بعد احتكاكه ببعض النزلاء أوحين تغلق في وجهه السبل وتكون هي قادرة على احتضان النزيل بعد خروجه وعجزه عن الحصول على عمل يؤمن متطلبات حياته اليومية، و قد يكون هذا الإدماج سببا يبعده عن عملية الوسم التي قد تلاحقه بقية حياته ..
الكاتبة خيرة جليل

آخر الأخبار

استعدادا للأسود.. البرازيل تواجه مصر في هذا التاريخ
يواجه المنتخب البرازيلي لكرة القدم نظيره المصري يوم سادس يونيو القادم بالولايات المتحدة الأمريكية، استعدادا لمواجهة الأسود في مباراة افتتاح المجموعة الثالثة المقررة بملعب ميتلايف بنيوجيرسي يوم 13 يونيو القادم. وأشار الاتحاد المصري لكرة القدم إلى التنسيق مع الجهاز الفني لمنتخب مصر بقيادة المدرب حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن، من أجل “توفير برنامج إعداد قوي […]
تحديد موعد اختتام منافسات البطولة
حسمت العصبة الاحترافية لكرة القدم رسميا في موعد اختتام البطولة الاحترافية، بعد توصلها بموافقة الفيفا على استمرارها خلال نهائيات كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك في يونيو ويوليوز القادمين. وحددت العصبة الاحترافية لكرة القدم يوم 27 يونيو القادم موعدا لاختتام البطولة الاحترافية، بعدما تعذر عليها الالتزام بالموعد الذي حدده الفيفا لاختتامها، لفسح […]
واشنطن: دور المغرب مهم في استقرار غزة
أشاد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، بالدور الذي يضطلع به المغرب إلى جانب عدد من الدول في دعم استقرار قطاع غزة، مؤكداً أن هذا الانخراط يتجاوز التصريحات إلى مساهمات ميدانية ملموسة. وأوضح الدبلوماسي الأمريكي، خلال مداخلته يوم الثلاثاء أمام مجلس الأمن، أن المغرب يوجد ضمن قائمة الدول التي “التزمت بشكل فعلي” بدعم استقرار […]