أحمد الشرعي يكتب: خيار الحداثة

بواسطة الخميس 17 سبتمبر, 2026 - 15:20

في كبريات الديمقراطيات، لا يدعو إلى الاستغراب أن تبادر صحف مرموقة إلى إعلان موقفها السياسي قبيل المواعيد الانتخابية الكبرى. وتلك ممارسة دأبت عليها صحيفة “نيويورك تايمز” منذ عقود عبر هيئة التحرير، بينما تسير “لوموند”، وفق تقليد مهني مغاير، يعتمد على التعبير في افتتاحياتها عن انحياز إلى خيارات قيمية وتوجهات تصب في خدمة الصالح العام.

ولا تختلط هذه المواقف الصريحة بالواجب الإخباري اليومي للصحافيين، فهي تندرج ضمن المسؤولية المباشرة للناشر أو هيئة التحرير، في وقت تحافظ فيه هيئات التحرير على كامل استقلاليتها في التحليل والتحقيق ومعالجة مجريات الراهن.

قناعتنا راسخة اليوم، بأن المغرب بلغ من النضج السياسي والمؤسساتي ما يتيح له تبني هذا النهج، بما ينسجم مع خصوصية تاريخه وثقافته الديمقراطية. فالغاية ليست توجيه اختيارات الناخبين أو منح تفويض مطلق لأي تنظيم سياسي، بل تحمل واجب التعبير عن قناعة موضوعية، والإسهام بكل مسؤولية ووضوح في إغناء النقاش الوطني، وقبل استشراف أفق الغد، يتعين التوقف بإنصاف عند حصيلة المسار المقطوع.

ففي ظل مناخ دولي يتسم بالأزمات وتعاد فيه هندسة التحالفات وتشتد خلاله وتيرة التنافس الاقتصادي، حقق المغرب قفزات نوعية يمكن وصفها، دون أدنى مبالغة، بأنها غير مسبوقة.

لقد وطدت المملكة اختياراتها الاستراتيجية الكبرى، فعملت على تحديث بنياتها التحتية، وتعزيز جاذبية اقتصادها الوطني، وتدشين قطاعات صناعية جديدة وواعدة، إلى جانب ترسيخ عمقها الإفريقي عبر توجيه الاستثمارات وبناء شراكات قوامها الثقة المتبادلة والاستدامة وصون السيادة.

وبالتوازي مع ذلك، نجح المغرب في تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع الفضاءين الأوروبي والأطلسي، مع الحفاظ في الآن نفسه على موقعه التاريخي المتميز داخل الشرق الأوسط ومع بلدان الخليج. وتظل هذه القدرة على التواجد المؤثر في فضاءات متعددة، تجمع البعد الإفريقي والعربي والمتوسطي والأطلسي، إحدى أقوى أوراق القوة التي تحوزها الدبلوماسية الوطنية.

وشمل قطار التحديث مختلف المؤسسات السيادية، حيث لم تعد المؤسسة الأمنية، على سبيل المثال، محصورة في مهمتها النبيلة الكلاسيكية المتعلقة بحماية الفضاءات العامة، بل تحولت بفضل احترافيتها العالية وحصافة أجهزتها وثراء تعاونها الخارجي إلى ركيزة للثقة وواجهة للدبلوماسية والإشعاع الدولي.

ويعود الفضل في هذه النقلة النوعية إلى ثبات الرؤية الملكية المتبصرة، القادرة على استحضار متطلبات الزمن الطويل، وحماية المصالح العليا للأمة، وتثبيت بوصلة المسار في مواجهة تقلبات المشهد الدولي.

إن الرهان في المرحلة المقبلة يتجلى في القدرة على تحقيق الوصل ونقل الأثر، أي نقل الطموح الملكي إلى صلب الأداء الحكومي، وتوجيه ثمار المشاريع الكبرى نحو عمق المجالات الترابية، وتحويل القوة الوطنية الشاملة إلى رفاه فردي وارتقاء في حياة المواطنين.

واليوم، يقف المغرب في حاجة ملحة إلى جهاز تنفيذي منتخب يرقى إلى مستوى تطلعات العرش والشعب، في صورة حكومة تتجاوز منطق تصريف المكتسبات اليومية، وتملك شجاعة تعميقها وتطويرها لتغدو مكاسب اجتماعية يلمسها الجميع.

فالمشاريع الهيكلية الكبرى يجب أن تنعكس في شكل عدالة مجالية حقيقية، وحركة الاستثمار مدعوة إلى خلق فرص شغل نوعية، والتحديث الاقتصادي ملزم بفتح أبواب الأمل أمام الطاقات الشابة. كما ينبغي لمنظومة الحماية الاجتماعية أن تضمن كرامة العيش دون مصادرة روح المبادرة، مع إعادة الاعتبار إلى مدرستنا العمومية ومنظومتنا الصحية بوصفهما منطلق بناء الثقة المجتمعية.

كما أن ترسيخ الحريات الفردية يعد منطلق الإبداع وقاطرة الابتكار، مثلما يمثل تكافؤ الفرص المدخل الأساسي لتحرير المواهب ومضاعفة الإنتاجية، في وقت تؤكد فيه الحقائق أن العدالة الاجتماعية ليست في تعارض مع النجاعة الاقتصادية، بل هي الأساس المتين لاستدامتها.

خيار مرحلة جديدة

منذ دخول وثيقة دستور 2011 حيز التنفيذ، توالت على تدبير الشأن العام تجارب حكومية متعددة، يفرض الإنصاف قراءة ما حققته من مكتسبات وما كشفت عنه من حدود ونواقص.

لقد تولى حزب العدالة والتنمية قيادة الفريق الحكومي بين سنتي 2011 و2021، حيث مثل حساسية فكرية لدى شريحة من المجتمع، بيد أن مرجعيته وتصوره لبناء المجتمع يظلان على طرفي نقيض مع الأفق الحداثي التنويري المنفتح الذي تختاره مجموعتنا وتدافع عنه.

وأعقب ذلك تولي التجمع الوطني للأحرار زمام المسؤولية الحكومية بمشروع راهن على تحفيز الاقتصاد، ودعم المقاولة، وجلب الاستثمارات، ورفع مردودية العمل العمومي. وقد أثمرت هذه التجربة مواكبة أوراش كبرى في مقدمتها ورش الدولة الاجتماعية، مع تثبيت مركزية المبادرة الاقتصادية في قيادة التحول التنموي للبلاد.

غير أننا نرى بكل اقتناع أن متطلبات المرحلة القادمة تقتضي صعود قوة سياسية تملك الأهلية الكاملة للتوفيق بين النمو الاقتصادي، والإنصاف الاجتماعي، والتحديث المجتمعي الشامل.

قوة تقارع نزعات النكوص بسلاح التعليم، والمعرفة، والفكر الحر، وإشاعة الثقافة. قوة تضع فئة الشباب في قلب انشغالاتها، لا من منظور الإحسان أو الدعم، بل بصفتهم صناع مغرب المستقبل. قوة تؤمن بدور المرأة وتتعامل معها بوصفها قائدة ورائدة أعمال وشريكة كاملة الأهلية في اتخاذ القرار وصنع التغيير. قوة تمتلك القدرة على قيادة تحالف حداثي تقدمي متماسك، يترفع عن الحسابات الفئوية الضيقة، ويحمل لواء طموح وطني جامع.

وفي خضم المعطيات السياسية الراهنة، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة في نظرنا كأفضل خيار لتجسيد هذا التوجه.

ويجد هذا الاختيار سنده في الهوية التأسيسية للحزب: النضال من أجل قيم الحداثة، والاعتزاز بروافد الهوية المغربية وتنوعها، ومناهضة التقوقع الإيديولوجي، والانكباب على معالجة الإشكالات المجتمعية الملحة، والسعي الدؤوب إلى طرح بديل يقود التغيير في وجه التيارات المحافظة.

وبات من واجب الحزب في هذه المرحلة أن يترجم هويته إلى برنامج عملي يحظى بالثقة والمصداقية، وأن يعمل على مد الجسور خارج أطره التنظيمية، وفتح المجال أمام استقطاب الكفاءات، واستعادة ثقة كل من أصابهم العزوف عن القوالب النمطية للممارسة السياسية.

إن المغرب يملك اليوم فرصة بعث رسالة بالغة الدلالة إلى أبنائه وإلى العالم بأسره، من خلال فتح الباب لأول مرة لتولي كفاءة نسائية قيادة الجهاز التنفيذي. وتلك خطوة تتعدى البعد الرمزي الصرف، لتشكل التكريس المستحق للمكانة الطليعية التي تتبوأها المرأة المغربية في دواليب الاقتصاد، والإدارة، والعمل الدبلوماسي، وميادين الفكر والإبداع.

لهذه الاعتبارات مجتمعة، تعلن مجموعتنا انحيازها إلى المشروع الحداثي التقدمي الذي يحمله حزب الأصالة والمعاصرة.

ولا يحمل هذا الاختيار في طياته أي توجيه لسلوك الناخبين، ولا يترجم أي ولاء حزبي ضيق، بل يجسد الانخراط المسؤول والمساندة الواعية لخيار واضح: خيار مغرب يحرص على تحويل عناصر قوته إلى مكتسبات في متناول الجميع، ويجعل الحداثة ممارسة حية في تفاصيل الحياة اليومية، ويزرع في نفوس شبابه بذور الثقة لصناعة المستقبل.

هذا الموقف لا يمثل توجيها للتصويت ولا اصطفافا حزبيا ضيقا، بل هو دعم واع ومسؤول لخيار واضح: خيار مغرب يحول مكامن قوته إلى ثمار يتقاسمها الجميع، ويجعل الحداثة واقعا ملموسا، ويمنح شبابه الأمل والثقة لبناء المستقبل.

آخر الأخبار

الأسود يواجهون غانا وديا بطنجة
يخوض المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم مباراة ودية تجمع بينه وبين منتخب غانا يوم الأحد رابع أكتوبر القادم، على أرضية الملعب الكبير بمدينة طنجة. وتدخل هذه المواجهة الرياضية الودية في إطار استعدادات “أسود الأطلس” للاستحقاقات القادمة وتعزيز الانسجام بين عناصر الفريق. ​ويخوض الأسود قبل ودية غانا مبارتين أمام كل من الغابون وليسوتو في شتنبر الحالي، […]
المغرب الثالث افريقيا في استقبال التحويلات المالية
احتل المغرب المرتبة الثالثة افريقيا من حيث استقبال التحويلات المالية، بعد استقباله أزيد من 13 مليار دولار، وفق ما كشف عنه التقرير السنوي للصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة، المتعلق بالتحويلات المالية إلى البلد الأصلي. وكشف التقرير أن المغرب الذي كان مسبوقا بكل من نيجيريا ومصر، حقق نموا فاق مائة بالمائة مقارنة مع سنة […]
وهبي يوضح موقف أمرابط: لا خلافات شخصية والميدان هو الفيصل
خرج الناخب الوطني محمد وهبي بتصريحات واضحة وبنبرة احترافية، لحسم الجدل المثار حول وضعية الدولي المغربي سفيان امرابط، الذي كشف أنه لن يعود للأسود ما دام وهبي ناخبا وطنيا. وأكد وهبي على ضرورة الاعتراف أولا بما قدمه امرابط للمنتخب الوطني، مبرزا أنه كان لاعبا مهما وبذل مجهودات كبيرة وقضى سنوات يدافع عن القميص الوطني بكل […]