هناك تصريحات سياسية تكتسب، بفعل تكرارها المستمر، مظهر الحقائق المثبتة. ولهذا السبب تحديدًا، يجدر طرح سؤال غير مريح: هل يريد الحزب الشعبي أن يفعل بمسألة المسؤولية المفترضة للمغرب عن الدخول الجماعي إلى سبتة ما فُعل، قبل أكثر من عشرين عامًا، بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق، أي تحويل فرضية إلى يقين سياسي من خلال تكرارها باستمرار؟
لا تهدف هذه المقارنة إلى وضع حدثين مختلفين تمامًا من حيث الطبيعة والخطورة في المستوى نفسه. فالحرب على العراق وما حدث في سبتة لا يمكن مقارنتهما. لكن ما يمكن مقارنته هو طريقة بناء الرواية السياسية: الانطلاق من مؤشرات أو تأويلات أو تقارير جزئية؛ ثم إزاحة التحفظات والشكوك تدريجيًا؛ وتكرار خلاصة قطعية؛ وصولًا إلى تقديمها للرأي العام كما لو أنها حقيقة ثبتت بصورة نهائية.
وقد أكد الحزب الشعبي خلال الأيام الأخيرة أن «المغرب مسؤول عما حدث، بالفعل أو بالامتناع»، وتحدث عن «هجوم هجين» و«غزو» و«انتهاك خطير للوحدة الترابية» الإسبانية.
المشكلة ليست في أن يطرح حزب معارض فرضيات، أو يثير تساؤلات، أو يطالب بإجراء تحقيق. فهذا أمر مشروع تمامًا. المشكلة تبدأ عندما تسبق الخلاصةُ الدليلَ.
ثلاث فرضيات ينبغي عدم الخلط بينها
لتحليل ما حدث بجدية، من الضروري التمييز بين ثلاث فرضيات مختلفة جدًا.
الأولى تتمثل في وجود قصور عملياتي: أي أن تكون القوات المنتشرة قد وجدت نفسها أمام وضع يفوق قدراتها، أو أُخذت على حين غرة، أو عجزت عن احتواء تحرك ذي أبعاد استثنائية.
أما الثانية فتتمثل في وجود تساهل متعمد: أي أن يكون بعض العناصر أو المسؤولين قد قرروا عدم التدخل، أو التدخل متأخرين، أو الحد عمدًا من مستوى الاستجابة.
أما الفرضية الثالثة، وهي الأخطر بكثير، فتتمثل في وجود عملية صممتها أو أمرت بها أو نسقتها الدولة المغربية بهدف ممارسة الضغط على إسبانيا.
هذه الاتهامات ليست متكافئة. فكل واحد منها يتطلب أدلة مختلفة. والقصور العملياتي لا يثبت وجود تساهل؛ كما أن تساهلًا محتملًا على المستوى الفردي أو المحلي لا يثبت وجود سياسة للدولة؛ ولا تسمح أي من الفرضيتين بالاستنتاج تلقائيًا بوجود «عملية هجينة» قررها المغرب.
إن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة يسمح بالانتقال، من دون إثبات الحلقات الوسيطة، من احتمال وقوع تقصير ميداني إلى اتهام دولة بأنها نظمت عمدًا هجومًا ضد دولة أخرى.
كما أن عبارة «بالفعل أو بالامتناع» لا تحل هذه الإشكالية. بل على العكس، إنها تبني اتهامًا يستحيل الإفلات منه: فإذا تحركت القوات المغربية، فُسّر تحركها باعتباره جزءًا من العملية؛ وإذا لم تتحرك بالقدر الكافي، أصبح امتناعها بدوره دليلًا على المسؤولية.
غير أن الفعل والامتناع كليهما يجب إثباتهما، ونسبتهما إلى مسؤولين محددين، ووضعهما ضمن سلسلة لاتخاذ القرار. أما جمع الاحتمالين في صيغة سياسية واحدة فلا يشكل دليلًا، بل يضمن فقط إعلان مسؤولية المغرب أيًا كان تفسير الوقائع.
ماذا تقول الوثائق؟
في 9 شتنبر، نشرت الحكومة الإسبانية على البوابة الرسمية لقصر لامونكلوا ملفًا يضم 40 تقريرًا ورسمًا بيانيًا ورسالة ومراسلة، أُعدت ما بين فاتح و31 يوليوز بشأن الوضع المرتبط بالهجرة في سبتة. ويتيح هذا النشر اليوم مناقشة الوثائق بدل الاكتفاء بالتصريحات السياسية.
وتكتسي إحدى هذه الوثائق أهمية خاصة. فقد اعتبر تقرير صادر عن رئاسة جهاز الاستعلامات بالحرس المدني الإسباني أنه «من غير المرجح» أن يكون المغرب قد سمح بالدخول الجماعي أو شجع عليه.
ووفقًا لمضمون هذا التقرير، الذي كُشف عنه بعد رفع السرية، كان المغرب قد خطط لتعزيز الحدود بنحو ألف عنصر من العسكريين والدرك، كما اعترض 960 سباحًا خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت الساعة الثامنة من صباح 30 يوليوز. وقدر الحرس المدني نفسه أن التوجه الجماعي نحو معبر تاراخال لم يكن نتيجة «تخلٍّ واضح عن أداء المهام» من جانب السلطات المغربية، ورجّح فرضية أن هذه السلطات فوجئت بالتدفق الهائل ووجدت نفسها أمام وضع يفوق قدراتها.
كما نسبت وثيقة أخرى صادرة عن المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، ومؤرخة في 31 يوليوز، تنظيم عملية العبور إلى المهاجرين أنفسهم، ولم تشر إلى أي تدخل من جانب عناصر مغربية.
ونعلم أيضًا أن المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية (CNI) رصد دعوات جرى تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وفي 29 يوليوز، نقل معلومات إلى مندوبية الحكومة في سبتة، وإلى الحرس المدني، وكذلك إلى أجهزة الاستخبارات المغربية. وفي الرسائل المدرجة ضمن الوثائق الرسمية التي نشرتها لامونكلوا، أشار المركز نفسه إلى أن مجموعتين من المجموعات التي جرى رصدها كانتا تضمان «ما مجموعه 180 ألف متابع»، وذلك لتوضيح النطاق المحتمل لانتشار تلك الدعوات.
ولا يسمح أي من ذلك بالقول إن كل شيء قد اتضح. فهناك وثائق وصور وتصرفات تستحق التحقيق. والمحكمة الوطنية الإسبانية تبحث تحديدًا في الوقائع وفي احتمال طابعها المنظم.
لكن التحقيق في هوية الجهة التي نظمت دخولًا جماعيًا لا يعني أنه ثبت أن الدولة المغربية هي التي نظمته.
وهذا فارق جوهري.
درس العراق
في عامي 2002 و2003، جرى التأكيد أمام الرأي العام الدولي أن العراق يمتلك ترسانات نشطة من أسلحة الدمار الشامل تشكل تهديدًا وشيكًا. وأصبح هذا الادعاء أحد الحجج الأساسية لتبرير الحرب.
واتضح لاحقًا أن تقييمات أساسية بالغت فيما كانت المعلومات المتاحة تسمح فعليًا بإثباته. وخلص تحقيق لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن عددًا من أهم التقديرات الاستخباراتية قد جرى تضخيمها أو لم تكن تستند إلى معلومات كافية. كما كشف التحقيق البريطاني بشأن العراق عن أوجه مهمة من عدم اليقين، وأوجه قصور في التحليل، ومصادر تبين لاحقًا أنها غير موثوقة.
والدرس المستخلص من العراق لا ينبغي أن يكون حزبيًا. فهو أبسط من ذلك بكثير، وله طابع كوني:
عندما تُتهم دولة بعمل بالغ الخطورة، فكلما ازدادت خطورة الاتهام، ازدادت ضرورة قوة الأدلة المطلوبة لإثباته.
لا يكفي أن تبدو فرضية ما معقولة. ولا تكفي صور قابلة لتأويلات مختلفة. ولا يكفي أن تكرر عشر صحف الادعاء نفسه. كما لا يكفي تكراره مائة مرة من فوق منبر البرلمان.
التكرار لا يحوّل القرينة إلى دليل.
من «ربما حدث ذلك» إلى «المغرب هو من فعل ذلك»
هذا تحديدًا هو الانتقال الذي ينبغي للحزب الشعبي تجنبه.
يمكنه القول إن المغرب وجد نفسه أمام وضع يفوق قدراته. ويمكنه التساؤل عما إذا كان بعض العناصر قد تصرفوا بطريقة غير سليمة. ويمكنه المطالبة بتحديد أسباب فشل بعض التدابير. ويمكنه طلب توضيحات بشأن أي صورة أو مراسلة تثير الشبهات. بل يمكنه أيضًا الدفاع، على سبيل الفرضية، عن احتمال وجود نوع من التساهل.
لكن هناك مسافة شاسعة بين أي من هذه الاحتمالات وبين التأكيد أن الدولة المغربية كانت تقف وراء العملية.
أين هو الأمر؟
من أصدره؟
وإلى أي جهاز مغربي وُجّه؟
وعبر أي تسلسل قيادي؟
أين هي المراسلات التي تثبت وجود قرار صادر عن الدولة؟
أين الدليل على أن عشرات الآلاف من الأشخاص حركتهم السلطات المغربية، وليس شبكات التواصل الاجتماعي أو مجموعات منظمة أو أطراف أخرى؟
وما الهدف السياسي، تحديدًا، الذي كان المغرب يسعى إلى تحقيقه من خلال عملية من هذا النوع؟
إذا ظهرت هذه الأدلة، فيجب فحصها بكل ما تقتضيه خطورتها. أما إذا لم تظهر، فإن التحلي بالحذر لا يشكل دفاعًا عن المغرب، بل يمثل مطلبًا أوليًا من مطالب الدقة والصرامة.
سؤال يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للحزب الشعبي
تكتسب المقارنة مع العراق بعدًا سياسيًا خاصًا أيضًا، لأن إسبانيا عاشت تلك المرحلة مباشرة في ظل حكومة يقودها الحزب الشعبي.
ولهذا السبب تحديدًا، ينبغي أن يكون الحزب الشعبي من أكثر الأحزاب وعيًا بالكلفة الباهظة المترتبة عن تحويل معلومات غير مكتملة إلى يقين سياسي بشأن مسؤولية دولة أخرى.
بعد ثلاثة وعشرين عامًا، لا ينبغي لأحد أن يحتاج إلى تجربة مماثلة جديدة لكي يدرك الفرق بين الاشتباه والتحقيق والإثبات والإدانة.
لقد وقع في سبتة حدث بالغ الخطورة. ويجب التحقيق فيه حتى النهاية. كما يجب تحديد المسؤوليات الفردية أو التنظيمية أو مسؤولية الدولة، حيثما تقود الأدلة. ومن حق إسبانيا الكامل القيام بذلك، وعلى المغرب التعاون من أجل كشف حقيقة ما حدث.
لكن لا يمكن أن تكون خلاصة التحقيق مكتوبة سلفًا.
ولذلك، فالسؤال ليس ما إذا كان من حق الحزب الشعبي انتقاد المغرب. بالطبع، من حقه ذلك.
السؤال هو:
هل يريد فعلًا معرفة ما حدث في سبتة، أم أنه يسعى أولًا إلى إعلان المغرب مذنبًا، ثم البحث بعد ذلك عن الأدلة التي تسمح بتدعيم هذه الخلاصة؟
لأن اختيار الاحتمال الثاني يعني أننا نخاطر بالعودة إلى وصفة قديمة سبق للتاريخ أن أسقط مصداقيتها: أولًا، يُصنع يقين سياسي؛ ثم يُكرر إلى أن يتحول إلى حقيقة في نظر الرأي العام؛ وأخيرًا، يُنتظر ظهور الأدلة.
في العراق، لم تظهر قط الترسانات النشطة التي قُدمت باعتبارها تهديدًا وشيكًا.
وفي سبتة، قبل اتهام دولة بأنها نفذت هجومًا ضد إسبانيا، سيكون من الأجدر التأكد من أن الأدلة، هذه المرة، موجودة قبل توجيه الاتهام.
