كعادتها كل خمس سنوات، قطعت جماعة العدل والإحسان سباتها السياسي لتخرج ببلاغ تفوح منه رائحة الكمكمة الأيديولوجية، تعلن فيه مقاطعة الانتخابات التشريعية المقبلة، وتدعو إلى مقاطعتها، وكأن المغاربة كانوا ينتظرون رأيها حتى يعرفوا هل ستجرى الانتخابات أم لا.
بلاغ آخر من جماعة تعيش خارج الزمن السياسي، والمؤسسات الدستورية، بل وخارج التاريخ، ومع ذلك تصر في كل مرة على تجرع مرارة الإحراج من خلال تقديم نفسها كأنها مركز ثقل في المعادلة الانتخابية، علما أن الحقيقة أبسط من كل هذه الهرطقات، فالجماعة لا تشارك أصلا في الانتخابات، ومقاطعتها لا تغير شيئا في النتيجة، وغيابها عن المشهد الانتخابي لا يعطل مؤسسة ولا يقلب ميزان قوى. إنها تعلن انسحابها من مباراة لا تلعب فيها أصلا، ثم تقدم الانسحاب باعتباره انتصارا.
تتحدث عن الإرادة الشعبية، وهي تدعو الشعب إلى عدم التصويت، وتطالب بتداول السلطة، بينما نظامها الداخلي نفسه يقوم على الانصياع لقرارات المرشد، تبحث عن ديمقراطية هي نفسها لا تعرف لها شكلا ولا سبيلا. أليس الأولى أن تدعو إلى مقاطعة نظام العبودية داخل التنظيم المحظور أولا، قبل أن تزايد على مبدأ الديمقراطية في صندوق الاقتراع؟
الطامة الكبرى أنه، بالرغم من تقمصها دور جماعة ذات مرجعية إسلامية مزعومة، فإنها لا تجد أدنى حرج في التخندق، في العديد من القضايا، مع اليسار الراديكالي، بما فيه التيار الماركسي اللينيني الذي لا يؤمن أصلا بالمرجعية الدينية. كل ذلك عندما تقتضي الضرورة محاربة ثوابت الممارسة السياسية والديمقراطية في المغرب. وهذه، لوحدها، تستوجب على هذا التنظيم المحظور أن يضع رأسه في الطين قبل التبجح بأي حديث عن الديمقراطية.
أما خطاب الاستقلال عن الخارج، فتلك فضيحة أخرى، بل ونكتة من النكت السخيفة التي تروج لها جماعة اليأس والعار. ترفع شعارات ضد سياسات أمريكا والغرب، وتوظف سرديتها السخيفة في المزايدة على الدولة، لكن في المقابل تنسج هي شبكة واسعة من العلاقات والامتدادات في أوروبا وأمريكا، وبوقائع منشورة عن لقاءات بين شخصيات من الجماعة ودبلوماسيين أمريكيين.
والأفدح هو ازدواجية الجماعة في مفهومها عن “الدفاع عن الأرض”. فعندما يتعلق الأمر بفلسطين، على بعد آلاف الكيلومترات، تتحول الجماعة إلى آلة تعبئة، تملأ الشوارع بالمظاهرات والبيانات والشعارات، وكأنها اكتشفت فجأة معنى السيادة والحق التاريخي. لكن عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، وهما جزء من الجغرافيا والتاريخ المغربي، تصاب الجماعة بالصمم والبكم، ولا تكلف نفسها حتى إصدار موقف تضامني واضح مع مطلب استكمال الوحدة الترابية.
ينظر هذا التنظيم المدعي للإسلام إلى القضايا الوطنية بمنظار أيديولوجي عابر للحدود، فالأجندة الأيديولوجية بالنسبة إليه أهم من الوطن، ويصبح الوطن نفسه تفصيلا ثانويا لا قيمة له إلا بقدر ما يمكن توظيفه لخدمة الأجندة السياسية والمتاجرة بالإسلام. هكذا يتاجر بالقضية الفلسطينية، وهكذا يريد المتاجرة اليوم بالانتخابات.
وفي النهاية، حتى في أوج صعود التيارات الدينية، لم تكن العدل والإحسان تلك القوة السياسية التي تتوهمها اليوم، فما بالك بزمن تغيرت فيه المعادلات وتجاوزتها الأحداث. لم يبق من الجماعة سوى عزف نشاز، تحاول من خلاله منح وزن لتنظيم لم يملك يوما ذلك الثقل، وتسعى إلى تحويل الهامش إلى مركز والغياب إلى نفوذ، ولو على منصات التواصل. إنها ببساطة جماعة كانت وستبقى خارج التاريخ، ولعل ديكتاتوريتها التنظيمية الداخلية أبلغ جواب على مطالبتها بمقاطعة الانتخابات بذريعة غياب الديمقراطية. إنها تسأل وتجيب نفسها بنفسها… وانتهى الكلام.
