مغالطات جماعة”العدل والإنسان” حول “أولي الأمر” تحت مجهر القراءة النقدية للشيخ العثماني

بواسطة السبت 18 يوليو, 2026 - 18:32

بقلم الشيخ الصادق العثماني  – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

يثير مقال الأستاذ محمد حمداوي رئيس مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان بالمغرب، الذي نشره عبر حسابه في “الفيسبوك” والمعنون بـ «أولو الأمر في الإسلام.. بين التقرير الشرعي والاستغلال السياسي» قضية من أهم قضايا الفكر السياسي الإسلامي، وهي قضية مفهوم «أولي الأمر» وحدود الطاعة والشرعية السياسية. ولا شك أن الدعوة إلى العدل، ورفض الظلم، وتقييد الطاعة بالمعروف، كلها مبادئ شرعية أصيلة لا يختلف عليها اثنان، وقد دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع علماء الأمة.

غير أن الإشكال الحقيقي في المقال لا يكمن في هذه المبادئ العامة، وإنما في المنهج المعرفي الذي اعتمده الكاتب في تنزيل النصوص التراثية على واقع الدولة الوطنية الحديثة، وكأن الدولة التي نعيش في ظلها اليوم هي الامتداد الطبيعي للدولة السلطانية التي عرفها الفقهاء قبل أكثر من ألف عام. وهذا المنهج، في تقديري، يمثل أحد أبرز أسباب الأزمة التي يعيشها الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، لأنه يتعامل مع الواقع السياسي الجديد بأدوات فقهية صيغت لواقع تاريخي مغاير تمامًا.

المناط الفاسد

لقد وقع المقال في ما يسميه علماء أصول الفقه «تحقيق المناط الفاسد»، أي تنزيل الأحكام على غير محلها، كما وقع في القياس مع الفارق، حين ساوى بين الدولة الإسلامية التقليدية والدولة الوطنية الحديثة، مع أن الفارق بينهما ليس في بعض الجزئيات، وإنما في طبيعة الدولة نفسها، ومصدر الشرعية، وبنية السلطة، ووظائف المؤسسات، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم.

إن الفقه السياسي الإسلامي الكلاسيكي نشأ في إطار الدولة الإمبراطورية أو السلطانية التي كانت تقوم على وحدة السلطتين الدينية والسياسية في شخص الإمام أو الخليفة، بينما الدولة الحديثة هي دولة دستورية مؤسساتية، تقوم على سيادة القانون، وفصل السلطات، والمواطنة المتساوية، والانتخابات، والرقابة الدستورية، واستقلال القضاء، وتوزيع الصلاحيات بين مؤسسات متعددة. ولذلك فإن تنزيل أحكام الإمامة السلطانية على الدولة الوطنية الحديثة دون إعادة بناء المفاهيم يعد خللًا منهجيًا واضحًا، وهذا الخلل المنهجي للأسف، تقع فيه أغلب الجماعات الإسلامية المعاصرة .

ومن هنا فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يطرحه الأستاذ محمد الحمداوي قبل الحديث عن «أولي الأمر» هو: هل ما زال المفهوم التراثي لولي الأمر هو نفسه الذي ينطبق على الدولة الحديثة؟ .

إن هذا السؤال غائب تماما عن المقال، مع أنه يمثل مفتاح النقاش كله.

منظومة الدولة

لقد تشكل مفهوم «ولي الأمر» في كتب الماوردي، والجويني، وأبي يعلى، وابن تيمية وغيرهم في ظل نظام سياسي يقوم على شخص الإمام الذي يجمع السلطات التنفيذية والقضائية والعسكرية والدينية في يده، ولذلك كانت الأحكام المتعلقة بالطاعة والعزل والبيعة والخروج مرتبطة بهذا النموذج التاريخي.

أما الدولة الوطنية الحديثة فلم تعد تعرف هذا النموذج أصلا، لأن السلطة فيها موزعة بين البرلمان والحكومة والقضاء والمحكمة الدستورية والمؤسسات الرقابية، بل إن رئيس الدولة نفسه مقيد بالدستور، ولا يستطيع أن يمارس سلطاته خارج الإطار القانوني المحدد له .

وعليه، فإن الحديث عن «ولي الأمر» اليوم لا يمكن أن يبقى محصورًا في شخص الحاكم، وإنما ينبغي أن يفهم في إطار منظومة الدولة ومؤسساتها، وهو ما ذهب إليه عدد من فقهاء العصر الذين اعتبروا أن مفهوم أولي الأمر أصبح يشمل المؤسسات الدستورية وأهل الاختصاص والهيئات التي تمارس السلطة وفق القانون.

إن تجاهل هذا التحول الجذري يجعل المقال يدور داخل المفاهيم السلطانية القديمة، ثم يحاول إسقاطها على واقع لم يعد موجودًا .

اجتهادات بشرية

ومن أبرز الملاحظات المنهجية كذلك أن الكاتب يتعامل مع الفقه السياسي التراثي وكأنه يمثل الإسلام نفسه، بينما الحقيقة أن أغلب أبواب الإمامة والسياسة الشرعية هي اجتهادات بشرية تأثرت بالظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها أصحابها.

فالماوردي كتب في ظل الدولة العباسية، والجويني عاش زمن اضطراب السلطة السلجوقية، وابن تيمية كتب في ظروف الغزو المغولي، ولذلك جاءت تصوراتهم السياسية استجابة لواقعهم التاريخي، ولم يدع أحد منهم أن نظام الإمامة الذي وصفوه هو نظام تعبدي ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان.

وقد قرر الإمام الشاطبي أن الوسائل تتغير بتغير المصالح، وأن المقاصد هي الثابتة، بينما الوسائل متروكة للاجتهاد البشري بحسب تطور العمران .

ومن هنا فإن الخطأ المنهجي في المقال يتمثل في تقديس الوسائل التاريخية وإضفاء طابع ديني عليها، مع أن الشريعة إنما قصدت تحقيق العدل، ولم تلزم المسلمين بشكل واحد للدولة .

إن القرآن الكريم لم يقدم نموذجًا تفصيليًا للدولة، ولم يحدد شكل النظام السياسي، ولا طريقة توزيع السلطات، ولا طبيعة المؤسسات، وإنما وضع المبادئ الكبرى، كالعدل، والشورى، والأمانة، وحفظ الحقوق، وتحقيق الأمن والمصلحة العامة.

تغير الأحوال

أما تفاصيل التنظيم السياسي فقد تركها لاجتهاد الأمة بحسب تغير الأحوال والأزمان .

وهذا ما يجعل الدولة الوطنية الإسلامية الحديثة ليست خروجًا عن الإسلام، وإنما إحدى الصيغ الاجتهادية الممكنة لتحقيق مقاصد الشريعة في هذا العصر.

ومن هنا يظهر أن المقال لا يميز بين الثابت والمتغير، ولا بين المقاصد والوسائل، وهو تمييز يعد من أهم أسس فقه المقاصد.

ومن الناحية المعرفية، يلاحظ أن المقال يغلب عليه الخطاب الأيديولوجي الحركي أكثر من البحث العلمي؛ فهو يقرر النتائج قبل مناقشة المقدمات، ويختار من النصوص ما يخدم أطروحته، دون أن يناقش الاتجاهات الفكرية الأخرى داخل الفقه الإسلامي المعاصر.

فقد أغفل مثلا إسهامات الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وعلال الفاسي، وعبد الكريم زيدان، والعروي والجابري ، ووائل حلاق، وغيرهم ممن أعادوا قراءة العلاقة بين الدولة والشريعة في ضوء التحولات الحديثة.

كما أغفل التجربة الدستورية التي عرفتها كثير من الدول الإسلامية، والتي أثبتت أن حماية الدين والحقوق لا تتحقق فقط عبر شخص الحاكم، وإنما عبر قوة المؤسسات وسيادة القانون .

تغير مفهوم السيادة

ومن جهة أخرى، فإن المقال يستعمل مصطلحات مثل «الأمة»، و«الشورى»، و«الإمامة»، و«الحاكم»، استعمالًا يوحي بأن هذه المفاهيم ما زالت تؤدي الوظيفة نفسها التي كانت تؤديها قبل ألف سنة، مع أن العلوم السياسية الحديثة أثبتت أن المفاهيم تتغير بتغير البنية الاجتماعية والسياسية.

فالأمة اليوم لم تعد وحدة سياسية واحدة كما كانت في التصور الفقهي القديم، وإنما أصبحت شعوبًا متعددة داخل دول وطنية مستقلة، لكل منها دستورها وقوانينها ومؤسساتها وعلاقاتها الدولية.

كما أن مفهوم السيادة نفسه تغير؛ فلم تعد السيادة لشخص الحاكم وحده، وإنما أصبحت للدستور والقانون، وهو ما يجعل كثيرًا من الأحكام الفقهية القديمة بحاجة إلى إعادة قراءة في ضوء هذا التحول.

ومن جهة المقاصد، فإن المعيار الحقيقي لشرعية أي نظام سياسي ليس اسمه ولا شكله، وإنما مدى نجاحه في تحقيق مقاصد الشريعة الكبرى.

فإذا استطاعت الدولة الحديثة أن تحقق الأمن، وتحفظ الحقوق، وتصون الكرامة الإنسانية، وتحقق العدالة الاجتماعية، وتمنع الفساد، وتحمي الحرية الدينية، فإنها تكون قد حققت مقاصد معتبرة شرعًا، حتى وإن اختلفت آلياتها عن الآليات التي عرفها الفقهاء قديما.

ولهذا فإن ربط الشرعية السياسية بمفاهيم تاريخية جامدة لا يخدم مقاصد الإسلام، بل قد يؤدي إلى تعطيلها.

رؤية أيديولوجية

ومن اللافت كذلك أن المقال يستبطن رؤية أيديولوجية تتجاوز البحث العلمي، إذ يبدو أنه يسعى إلى توظيف النصوص الشرعية في إطار الصراع السياسي المعاصر، أكثر مما يسعى إلى بناء نظرية علمية متوازنة في الفكر السياسي الإسلامي.

وهذا أحد الإشكالات التي وقعت فيها كثير من الحركات الإسلامية المعاصرة منها جماعة العدل والإحسان المغربية، حين حولت الفقه السياسي إلى أداة للصراع الحزبي، بدل أن يبقى مجالًا للاجتهاد المقاصدي الذي يراعي تغير الزمان والمكان.

إن الفكر المقاصدي المعاصر لا ينطلق من سؤال: «كيف نعيد إنتاج دولة الماضي؟»، وإنما ينطلق من سؤال آخر أكثر عمقًا: كيف نحقق مقاصد الإسلام في ظل الدولة الحديثة؟

وهذا فرق جوهري بين من يجعل التاريخ مرجعًا نهائيًا، ومن يجعل المقاصد مرجعًا للاجتهاد.

لقد علمنا الإمام الشاطبي أن الأحكام إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وأن المصلحة إذا تغيرت تغيرت الوسائل المؤدية إليها، بينما تبقى المقاصد ثابتة.

كما أكد العلامة ابن عاشور أن نظام الحكم من المجالات التي تتسع للاجتهاد الإنساني، وأن الشريعة لم تأت بنظام سياسي مغلق، وإنما جاءت بقيم ومبادئ عامة تفسح المجال لتطور العمران البشري.

وعليه، فإن من أكبر الأخطاء المنهجية في المقال أنه ينقل مفاهيم الإمامة السلطانية من كتب التراث إلى الدولة الوطنية الحديثة دون مراعاة تغير الواقع، وهو ما يؤدي إلى إنتاج قراءة تاريخية للنصوص، لا قراءة مقاصدية لها.

وفي السياق المغربي تحديدًا، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا، لأن المملكة المغربية ليست دولة سلطانية بالمعنى الذي تحدث عنه فقهاء القرون الوسطى، وإنما هي دولة وطنية حديثة ذات دستور ومؤسسات منتخبة وقضاء مستقل، وتستند في شرعيتها إلى البيعة التاريخية وإمارة المؤمنين والدستور معًا. ومن ثم فإن تحليل بنيتها السياسية بمفاهيم الإمامة الكلاسيكية وحدها يبقى قاصرًا عن استيعاب طبيعتها المركبة.

ختاما، فإن المقال، رغم دفاعه المشروع عن قيم العدل ورفض الاستبداد، يقع في إشكال معرفي عميق يتمثل في الخلط بين الدولة الإسلامية التاريخية والدولة الوطنية الحديثة، وبين المقاصد الشرعية الثابتة والوسائل السياسية المتغيرة، وبين النص الشرعي المقدس والاجتهاد الفقهي التاريخي.

إن التجديد الحقيقي في الفكر السياسي الإسلامي لا يكون بإعادة إنتاج فقه السلطان، وإنما بإعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصد الشريعة وفقه الواقع، وبناء نظرية سياسية إسلامية معاصرة تستوعب الدولة الدستورية الحديثة، وتحافظ في الوقت نفسه على القيم الإسلامية الكبرى؛ العدل، والحرية، والشورى، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق المصلحة العامة. فهذه هي المقاصد التي أرادها الإسلام، أما الأشكال السياسية فهي وسائل اجتهادية تتغير بتغير الزمان والمكان والعمران .

آخر الأخبار

مباريات السد..التعادل يحسم مواجهة أمل تزنيت وأولمبيك الدشيرة
تعادل اتحاد أمل تزنيت مع أولمبيك الدشيرة بدون أهداف، في ذهاب مباراة السد ضمن البطولة الاحترافية لكرة القدم، التي جمعتهما، اليوم السبت، على أرضية ملعب العبدي بالجديدة. وعرفت المباراة طرد لاعب فريق اتحاد أمل تزنيت نور الدين كماح في الدقيقة 87. ومن المقرر إجراء إياب مباريات السد في البطولة الاحترافية يومي 21 و22 يوليوز الجاري. […]
اليوسفية..المحكمة الإبتدائية تنظم ندوة حول مستجدات قانون المسطرة المدنية
شهدت قاعة الجلسات بالمحكمة الإبتدائية باليوسفية طيلة يوم أمس، أشغال ندوة علمية في موضوع، مستجدات قانون المسطرة المدنية ” التحولات الإجرائية وتعزيز النجاعة القضائية “. الندوة، من تنظيم محكمة الإستئناف بآسفي والمحكمة الإبتدائية باليوسفية، بشراكة مع هيئة المحامين بآسفي، والمجلس الجهوي للمفوضين القضائيين بآسفي. انطلقت الندوة بتلاوة قرآنية من الذكر الحكيم، بعدها تم الإستماع إلى […]
لقاءات وطنية تضع العنف السياسي ضد النساء في قلب النقاش الديمقراطي بالمغرب
أطلقت كل من جمعية اتحاد العمل النسائي، وجمعية التحدي للمساواة والمواطنة، وتحالف حقوق ومواطنة، سلسلة من اللقاءات الوطنية بعدد من المدن المغربية، خصصت لمناقشة موضوع العنف السياسي ضد النساء وعلاقته بمسار الديمقراطية، وذلك في إطار دينامية حقوقية تروم لفت الانتباه إلى واحدة من أبرز المعيقات التي تواجه المشاركة السياسية للنساء. وتأتي هذه اللقاءات في سياق […]