امرأة على رأس الحكومة: إشارة تاريخية للمغرب

بواسطة الثلاثاء 29 سبتمبر, 2026 - 23:57

ثمة تعيينات تضع شخصاً في منصب، وثمة تعيينات أخرى تؤرخ لمرحلة بأكملها.

في هذا التاسع والعشرين من شتنبر 2026، فتح تعيين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لفاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية صفحة جديدة في التاريخ السياسي للمملكة؛ فللمرة الأولى، تُسند قيادة السلطة التنفيذية في المغرب إلى امرأة.

وبعيداً عن الاسم، وعن الحزب المعني، بل وحتى عن الظرفية الانتخابية، فإن لهذا التعيين دلالة مؤسساتية ورمزية بالغة الأهمية.

وبصفتي امرأة مغربية، لا أستطيع أن أنظر إلى هذه اللحظة بعيون التحليل السياسي وحده.

أنظر إليها أيضاً بعيون امرأة، وأم، ومواطنة.

فالصور والرموز تصنع الوعي، وتترك أثرها.

وبالنسبة إلى المغربيات جميعاً، ولا سيما الفتيات اللواتي يكبرن اليوم في بلدنا، تحمل هذه الصورة رسالة بسيطة وقوية: لا ينبغي أن يكون أي منصب بعيد المنال لمجرد أن من تطمح إليه امرأة.

لكن هذه اللحظة لم تأت من فراغ.

إنها امتداد لمسار.

ولعل في هذا المسار تحديداً تكمن إحدى أهم دلالات هذا التاسع والعشرين من شتنبر.

مسار ترسّخ بالأفعال

في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم تظل مكانة المرأة في المجتمع المغربي مجرد موضوع للخطاب.

بل واكبتها قرارات وإصلاحات وسوابق مؤسساتية طبعت مسار المملكة.

فمنذ السنوات الأولى لعهده، أحدث جلالة الملك تحولاً في عدد من الرموز والأعراف المرتبطة بالمؤسسة الملكية. وشكّل زواج جلالته بصاحبة السمو الملكي الأميرة للا سلمى سنة 2002 تحولاً لافتاً مقارنة بما كان يحيط تقليدياً بزوجات ملوك المغرب من تحفظ وخصوصية؛ إذ أصبحت، لأول مرة، زوجة ملك المغرب معروفة لدى الرأي العام، تحمل لقباً ملكياً وتضطلع بأنشطة رسمية.

قد يبدو ذلك رمزياً.

لكننا ندرك، مع مرور الزمن، أن الرموز قد تقول الكثير.

ثم جاءت الإصلاحات.

فشكّل إصلاح مدونة الأسرة محطة أساسية في تطور الوضع القانوني للمرأة والأسرة في المغرب.

وفي سنة 2007، مكّن إصلاح قانون الجنسية الأم المغربية من نقل جنسيتها إلى أبنائها على غرار الأب. وقد جاء هذا التطور في سياق مبادرة ملكية أعلن عنها جلالة الملك بصفته أمير المؤمنين.

وفي سنة 2018، سقط حاجز رمزي آخر، حين فُتحت، بقرار من صاحب الجلالة الملك محمد السادس وبعد استطلاع رأي المجلس العلمي الأعلى، خطة العدالة أمام النساء بعدما ظلت حكراً على الرجال.

وبموازاة تطور النصوص، كانت هناك أيضاً نساء أُسندت إليهن مسؤوليات لم يسبق أن تولتها امرأة من قبل.

فكانت الراحلة زليخة نصري أول امرأة تُعيّن مستشارة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وعملت في صلب الديوان الملكي، واضطلعت بأدوار بارزة، ولا سيما في عدد من الملفات الاجتماعية الكبرى.

كما راكمت زينب العدوي، بدورها، سلسلة من المحطات غير المسبوقة في مسار المرأة المغربية؛ فكانت أول امرأة قاضية بالمجلس الأعلى للحسابات، ثم أول امرأة تتولى منصب والٍ بالمملكة سنة 2014، قبل أن تصبح سنة 2021 أول امرأة تُعيّن على رأس المجلس الأعلى للحسابات.

وهناك غيرهن كثيرات.

وزيرات، وسفيرات، وقاضيات، ومسؤولات على رأس مؤسسات، وأطر عليا في الدولة، وسيدات أعمال، ونساء تحملن مسؤوليات عمومية مختلفة.

باباً بعد آخر، أخذت مساحات جديدة تُفتح أمام المرأة المغربية.

ولهذا، لا أقرأ ما يحدث اليوم باعتباره حدثاً معزولاً، بل أراه محطة جديدة في مسار بُني على مدى عقود، ولعلها من أكثر محطاته قوة من الناحية الرمزية.

إنها إشارة قوية.

وهي تحمل، في نظري، سمة مغربية خالصة: فبلدنا لا يعلن بالضرورة عن كل تحول بشعارات صاخبة. بعض التحولات تُقرأ في الأفعال، وفي المؤسسات، وفي الإصلاحات، وفي المسؤوليات التي تُسند فعلياً إلى النساء.

إنها حداثة تُبنى انطلاقاً من تاريخنا وثوابتنا وبالإيقاع الذي اختاره المغرب لنفسه.

وحين تتراكم الأفعال، فإنها تنتهي برسم اتجاه واضح.

وخلف التاريخ… امرأة أعرفها

لهذه اللحظة، بالنسبة إليّ، بُعد شخصي عميق أيضاً.

فاطمة الزهراء، أعرفها.

رأيتها في بدايات مسارها السياسي. رأيتها تعمل، وتتعلم، وتدبّر، وتتطور، وتناضل، وتخوض معارك، وتتحمل مسؤوليات أخذت تكبر عاماً بعد عام.

وأتيحت لي فرصة أن أراقبها عن قرب بما يكفي لأعرف المرأة خلف المسؤولة السياسية: بعدها الإنساني العميق، وقدراتها السياسية والتدبيرية، وقدرتها على جمع الناس حولها، وبناء العلاقات والحفاظ عليها مع مرور الزمن.

وهناك خصلة أحرص على التوقف عندها اليوم: قدرتها على مساعدة نساء أخريات على النمو والتقدم والتألق من حولها.

وهذا أمر يعني لي الكثير.

لأن صعود امرأة يكتسب معنى آخر عندما لا يقتصر على تقدمها الشخصي، بل يصبح أيضاً فرصة لفتح الأبواب أمام نساء أخريات من حولها، وأمام اللواتي سيأتين بعدها.

ولهذا أستطيع أن أشهد، بصدق ما رأيته وعشته شخصياً، أن شيئاً لم يُقدَّم لها على طبق من ذهب.

لقد خبرت السيدة دروب السياسة جيداً. ناضلت، وتعلمت، وقدّمت التنازلات حين اقتضت الضرورة، وتمسكت بمواقفها حين كان ذلك واجباً، وعملت، وأثبتت نفسها، وبنت مسارها. عرفت متطلبات الحياة السياسية وموازين القوى وثقل المسؤولية.

تقدمت خطوة بعد أخرى، دون أن تختصر المراحل.

عملت لتصل إلى المكان الذي توجد فيه اليوم.

أثبتت نفسها. واستحقت.

لقد بُني مسارها بالعمل، والاستمرارية، والالتزام، والمعارك، والمسؤوليات التي تحملتها، خطوة بعد خطوة.

قبل الرمز، كان هناك مسار.

وقبل المنصب، كان هناك عمل.

واليوم، يلتقي هذا المسار بالتاريخ.

سابقة يتجاوز صداها حدود المغرب

ينبغي أيضاً أن نقيس أهمية هذه اللحظة على المستوى الدولي.

ففي سنة 2026، لا يزال وصول النساء إلى قمة السلطة التنفيذية بعيداً عن أن يكون أمراً بديهياً، حتى في بعض أقدم الديمقراطيات وأكثر اقتصادات العالم تقدماً.

فالولايات المتحدة، أكبر قوة اقتصادية في العالم وإحدى أقدم الديمقراطيات الدستورية الحديثة، لم تعرف إلى اليوم امرأة في منصب رئيس الجمهورية.

وفي عدد من الدول المتقدمة، يظل وصول النساء إلى أعلى المسؤوليات السياسية حديث العهد، أو نادراً، أو لم يتحقق بعد.

وهذا يذكرنا بحقيقة أساسية: التقدم في تمثيلية النساء داخل دوائر السلطة ليس مساراً تلقائياً، ولا يرتبط حصراً بمستوى التنمية الاقتصادية للدول.

ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بالدخول في منافسة بين الدول، ولا بالقول إن المغرب أنهى مسيرة المساواة. فما زال أمامنا الكثير مما ينبغي بناؤه.

لكن من الضروري أن نعرف كيف نُقدّر قيمة الخطوة حين تتحقق.

فالتقدم لا يُقاس فقط بثروة الدول أو بعراقة مؤسساتها.

بل يُقاس أيضاً بالأبواب التي يصبح المجتمع قادراً على فتحها.

واليوم، فُتح في المغرب باب تاريخي.

مغرب 2030

وتكتسب هذه اللحظة بُعداً إضافياً عندما نتطلع إلى سنة 2030.

بعد أربع سنوات، سيستضيف المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، كأس العالم لكرة القدم.

وسيكون بلدنا حينها محط أنظار العالم على نحو غير مسبوق. وستتجه ملايين الأنظار نحو مملكة تعتز بإرثها، وعمقها الإفريقي، وانفتاحها الدولي، وطموحها إلى التحول والتقدم.

وفي مملكة يتولى فيها صاحب الجلالة الملك إمارة المؤمنين، يروي هذا التطور أيضاً شيئاً أساسياً: أن التمسك بهويتنا وتاريخنا وقيمنا يمكن أن يتعايش تماماً مع تطور مكانة المرأة في المجتمع وفي ممارسة المسؤوليات العامة.

فالأصالة والحداثة ليستا بالضرورة طريقين متعارضين.

لقد ظل المغرب يبني، منذ سنوات طويلة، توازنه الخاص بينهما.

ومع أفق 2030، سيكون هذا التطور أيضاً جزءاً من الصورة التي سيقدمها بلدنا للعالم.

مغرب لا يتخلى عما هو عليه لكي يتقدم.

مغرب يتطور انطلاقاً من ثوابته ومقوماته.

مغرب لا يجعل من المساواة أو الحداثة مجرد شعارات، بل يمنحهما تجليات ملموسة في قوانينه ومؤسساته واختياراته.

واليوم، تحمل هذه اللحظة إشارة بالغة الدلالة.

الكفاءة والمسؤولية لا جنس لهما

ليس الهدف، بطبيعة الحال، وضع النساء في مواجهة الرجال.

فالمساواة ليست منافسة بين الجنسين.

الأمر يتعلق ببساطة بالإقرار بأن الكفاءة والمسؤولية والطموح وخدمة الوطن لا جنس لها.

لكن الرمز، مهما بلغت قوته، لن يكون كافياً.

فالسابقة التاريخية تخلق أيضاً مسؤولية تاريخية.

وستُقيَّم فاطمة الزهراء المنصوري، مثل أي رئيس حكومة، على أساس عملها، وقدرتها على بناء أغلبية وقيادتها، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة، وتحويل المسؤولية الملقاة على عاتقها إلى فعل عمومي ملموس.

وهذا هو، في نهاية المطاف، جوهر المساواة.

أن يتم اختيار المرأة لتحمل المسؤولية.

ثم أن يتم تقييمها على أساس ما تحققه من خلالها.

ولعل النجاح الحقيقي سيكون أن يأتي يوم لا نعود فيه بحاجة إلى التوقف عند جنس الشخص الذي يتولى هذا المنصب.

لأن الأمر لن يعود استثنائياً.

ولأن طفلة مغربية ستتمكن من النظر إلى أرفع المسؤوليات في بلدها دون أن تسأل نفسها أصلاً إن كانت تلك المواقع متاحة لها.

وبصفتي أماً وامرأة ومغربية، ربما يكون هذا أكثر ما يمسني اليوم.

حزبي اليوم هو المغرب أولاً

في لحظة كهذه، وبعيداً عن الانتماءات والحساسيات السياسية، هناك انتماء يجمعني ويعلو، بالنسبة إليّ، على ما سواه: انتمائي إلى المغرب.

ولو كان عليّ اليوم أن أعلن انتماءً يسبق كل الانتماءات الأخرى، فسيكون لهذا الوطن.

المغرب.

مملكة تتيح مؤسساتها الممارسة الديمقراطية والمؤسساتية والدستورية؛ بلد يصوت فيه المواطنون، وتضطلع فيه المؤسسات بأدوارها، ويؤطر فيه الدستور تشكيل السلطة التنفيذية.

ويأتي تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في هذا الإطار الدستوري، بعد تصدر حزبها نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر.

وفوق تعاقب الأغلبيات والانتماءات الحزبية، تبقى استمرارية الدولة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

وهكذا أفهم أيضاً النموذج المغربي: تطور يجري في ظل استقرار مؤسساتنا، واحترام ثوابتنا، واستمرارية الدولة.

وعندما أنظر إلى المسار الذي قطعته المرأة المغربية منذ بداية العهد الجديد — داخل الأسرة، وفي القضاء، والإدارة الترابية، والمؤسسات، واليوم في أعلى مستويات السلطة التنفيذية — أرى سلسلة من الأفعال التي تتحدث أحياناً بصوت أعلى من الشعارات.

ولا شك أن الطريق لم ينته بعد.

ولعل هذه هي بالضبط رسالة هذا اليوم:

أن نستمر.

أن نستمر في فتح أبواب المسؤولية أمام الكفاءة.

أن نستمر في تمكين النساء من الوصول إلى كل المواقع التي يستطعن من خلالها خدمة وطنهن.

أن نستمر في العمل حتى تتحول المكتسبات المؤسساتية إلى واقع ملموس في الحياة اليومية لكل المغربيات.

وأن نأمل أن تتبع هذه الإشارة القوية خطوات وأفعال أخرى في مختلف المجالات.

إلى فاطمة الزهراء

فاطمة الزهراء،

اليوم، يلتقي مسارك بالتاريخ.

لم تعد مسؤوليتك مرتبطة فقط بحزبك، ولا بالأغلبية التي ستقودينها، ولا حتى بالحكومة التي ستشكلينها.

فأنت تمثلين اليوم أيضاً شيئاً أكبر بكثير: النساء المغربيات.

النساء اللواتي مهّدن الطريق قبلنا.

واللواتي يعملن، ويُدرّسن، ويعالجن، ويبدعن، ويخدمن، ويُدبّرن، ويقدن المقاولات والمؤسسات، ويربين أبناءهن، ويساهمن كل يوم في بناء هذا الوطن، بعيداً عن الأضواء في كثير من الأحيان.

وقبل كل شيء، تمثلين الفتيات اللواتي يكبرن اليوم، واللواتي وسّع مسارك أمامهن، فجأة، حدود الممكن.

إنها مكانة تحمل شرفاً كبيراً، كما تحمل مسؤولية خاصة.

وبقدر ما أعرف مسارك والتزامك، وبقدر ما عرفت المرأة التي أتيحت لي فرصة أن أراقبها على امتداد سنوات، لا يسعني اليوم إلا أن أتمنى لك كل القوة والشجاعة والتوفيق اللازم لكتابة هذه الصفحة الجديدة.

بالتوفيق فاطمة الزهراء، وإلى الأمام.

لقد أصبح مسارك اليوم أيضاً رمزاً لمرحلة انتقالية ولحقبة جديدة.

ولكل بناتنا، يقول هذا المشهد شيئاً بسيطاً للغاية:

.انظرن إلى أي مدى يمكنكن الوصول

آخر الأخبار

الرجاء يضيف مباراة الديربي لبطاقة الاشتراك
 أعلنت إدارة نادي الرجاء الرياضي لكرة القدم عن تحديث جديد لعرض الاشتراك الموسم الرياضي الخاص بالمنصة المغطاة، يشمل فئات (BLACK/VVIP – PREMIUM – SILVER) للموسم الكروي 2026/2027. ​وكشف الفريق الأخضر أن هذا التحديث سيتضمن إدراج جميع مباريات البطولة الاحترافية، بما في ذلك مباراة الديربي في الدورة 11، دون فرض أي تغيير أو زيادة في واجب […]
أسود الكرة الشاطئية يتغلبون على فريق برازيلي استعدادا لمواجهة ليبيا
فاز المنتخب الوطني الأول لكرة القدم الشاطئية على فريق فاسكو دا غاما البرازيلي بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في المباراة الودية التي جمعتهما يومه الثلاثاء 29 شتنبر، في إطار استعداداته للتصفيات الأفريقية المؤهلة إلى نهائيات كأس أمم أفريقيا لكرة القدم الشاطئية. وسيخوض المنتخب الوطني، بقيادة المدرب ماركو أوكتافيو، مباراة ودية ثانية أمام فاسكو دا غاما، […]
من الحقائب الوزارية إلى رئاسة الحكومة.. محطات حضور المرأة المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس
بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، تدخل المرأة المغربية مرحلة جديدة في مسار مشاركتها في تدبير الشأن العام. فالمنصوري، التي كُلّفت بتشكيل الحكومة الجديدة عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. ولا تختزل هذه المحطة في المسار الشخصي للمنصوري، على […]