بعد ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، عاد النقاش حول ما يسمى بأزمة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى الواجهة من جديد، وهو نقاش لم ينخرط فيه الاتحاديون واليساريون فقط، بل حتى من يراهنون على ضرورة وجود حزب وطني قوي حامل لقيم الحداثة والعدالة الاجتماعية، وقادر على التجذر وسط المجتمع لإقامة توازن مع الحضور القوي للتيارات المحافظة.
قد يدفع البعض بأن هذه المهمة لا يجب حصرها في الاتحاد الاشتراكي كأداة حزبية، وان ثمة تعبيرات يسارية وتقدمية كثيرة، تشتغل في الواجهات الحزبية والمدنية والنقابية والحقوقية.
وهو قول له وجاهته، ولكن هذا لا ينفي أن جزء من ازمة اليسار المغربي مرتبط بضعف الاتحاد الاشتراكي التنظيمي، وتراجعاته الانتخابية، وتوقف ماكينة إنتاج النخب والأفكار داخله، ذلك انه كان دوما القاطرة لعموم اليساريين والتقدميين والحداثيين.
إن النتائج الانتخابية الأخيرة لا يمكن ان نلجأ إزاءها إلى إلقاء اللائمة على الآخر، بادعاء التزوير أو المنافسة غير الشريفة او ما شابه ذلك من استدعاء للمؤامرة غير الموجودة، لتهريب النقاش الحقيقي، حول ازمة داخلية وانسداد تنظيمي وتمركز للقرار الحزبي في أيدي أقلية، وتغييب للقواعد والهياكل الحزبية والقطاعية وسد كل إمكانيات النقاش السياسي الداخلي.
ورغم ذلك فإن هذا لا يعني وفاة الحزب، كما يروج لذلك بعض خصومه، إذ إن تجارب عديدة علمتنتا ان تراجعات انتخابية كانت منطلقات لإعادة بناء أحزاب تاريخية، وعودتها بعد ذلك لمكانها الطبيعي الطليعي.
لكن هذا يقتضي أولا اعتراف من يدبرون المرحلة بأنهم فشلوا في مهامهم، وأن يطلقوا ورش النقاش الحقيقي والنقد الذاتي المنتج.
ليس القصد نصب المشانق، ولا تصفية الحسابات، فللجميع نصيبه من المسؤولية بهذه الدرجة او تلك.
وهذا الورش يجب أن يفتح اليوم، وقبل غد.
ولا يجب ربطه بانتظار مفاوضات تشكيل الأغلبية الحكومية.
ذلك ان التفاعل المنتج مع هذه النتائج المخيبة يقتضي عدم طرح سؤال المشاركة في الحكومة المقبلة من الأصل.
فالاتحاديون يتذكرون ان رفض الاتحاد الاشتراكي المشاركة في حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2011، كان من مبرراته احترام إرادة الناخبين التي جعلت الاتحاد الاشتراكي بعيدا عن الأحزاب الأولى.
وهذا المبرر مازال قائما اليوم، إذ لا معنى للمشاركة في حكومة بعد العقاب الشعبي الواسع للاتحاد الاشتراكي.
لقد عوقب الاتحاد الاشتراكي من الكتلة التي سبق ان صوتت له، لأنه لم يكن في مستوى مهمة المعارضة البرلمانية في الولاية السابقة، بدليل ان المصوتين كافئوا ثلاثة أحزاب كانت أكثر شراسة في معارضتها.
وكان الاتحاد الاشتراكي عبر معارضته الخجولة، يبدو وكأنه ينتظر تعديلا حكوميا، يصبح بمقتضاه جزء من الأغلبية.
ولذلك فإن قبول الاتحاد الاشتراكي بدور وظيفي في المرحلة المقبلة يتمثل في مجرد إكمال الأغلبية العددية، سيكون على حساب إعادة بناء الحزب.
سيوصم الحزب بالانتهازية السياسية، وستتفجر داخل صراعات الاستوزار، في وقت هو احوج فيه إلى إعادة بناء وتمتين الذات التنظيمية.
وسيكون لذلك بالطبع انعكاسات سلبية على نتائج الحزب في الانتخابات الجماعية، وأي سقوط آخر فيها، سينعكس سلبا على حظوظ الحزب في انتخابات 2031، ذلك ان الحزب الذي يمتلك عددا معتبرا من المنتخبين المحليين يكون بمقدوره استثمار علاقة القرب بينهم وبين السكان في عائد انتخابي.
إن الاتحاد الاشتراكي لا زال يمتلك قاعدة من المتعاطفين معه، وخصوصا في الطبقة الوسطى، وهم في أغلبهم غاضبون من القيادة والأداء الحزبيين، لكنهم ما زالوا يأملون في تعافيه.
والاتحاد الاشتراكي كذلك ما زال رغم كل الانهيارات التنظيمية يضم نخبا وكفاءات ونساء وشبابا يمكنهم المساهمة في إعادة التوهج للحزب، لو انفتحت امامهم قنوات الفعل والمشاركة الفعلية في غنتاج القرار الحزبي، وتنزيل مخرجاته. والاتحاد الاشتراكي مازال يحتل موقعا وجدانيا وسياسيا لم يملأه أي مكون سياسي آخر.
ومن هذه الحيثيات يمكن القول بأن إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي هي مصلحة وطنية تقتضيها ضرورات اعادة بناء المشهد الحزبي نفسه على قاعدة تعددية سياسية حقيقية، عوض التعددية الحزبية الحالية القائمة على التشابه.
كما ان إعادة البناء هذه هي ضرورة سياسية لعموم اليساريين والتقدميين والديموقراطيين، فبإرثه التاريخي، وامتداداته التنظيمية على كل جغرافية الوطن، وبإمكاناته ومقدراته وكفاءاته، وبموقعه داخل الأممية الاشتراكية، فان اتحادا اشتراكيا قويا وديموقراطيا وواضحا في تحالفاته وانحيازاتها، سيكون رافعة لمعارك الحداثة والديموقراطية والمساواة.
إن قيادة وقواعد الاتحاد الاشتراكي في هذه المرحلة عليهم جميعا أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية في إنقاذ الحزب، وإعادة بنائه، والمدخل لذلك لن يكون بالعودة لصراعات الماضي القريب منه أو البعيد، بل بالنظر للمستقبل والبناء وفق تحدياته، ولن يكون بتضخيم الأنانيات وشخصنة النقاشات، وغلبة اخلاق التشفي أو الانتقام، بل بتسييد القيم الاتحادية اليسارية الأصيلة التي تنتصر للحزب على حساب المصلحة الشخصية.
