تقرير مراسلون بلا حدود 2026: حين تطغى الأجندة السياسية على الموضوعية الحقوقية

بواسطة الأحد 10 مايو, 2026 - 12:18

لم يكن تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 حول حالة حرية الصحافة في المغرب مجرد جرد سنوي للمؤشرات المعتادة، بل جاء ليكرس حالة من الجمود المنهجي العميق، الذي بات يسم تعاطي هذه المنظمة مع النموذج المغربي وتطوره المتسارع. إن ما قدمته المنظمة هذا العام يبدو كأنه محاولة لإعادة إنتاج حكم قيمة مسبق، حيث استمرت في السقوط في فخ النسخ واللصق المنهجي، معيدة تدوير ذات السرديات والاتهامات الجاهزة دونما أدنى اعتبار للتحولات البنيوية والديناميات الحقوقية والقانونية، التي شهدتها المملكة على أرض الواقع خلال العامين الماضيين.

خلف واجهة الأرقام والنسب المئوية التي تتدثر بعباءة العلمية، يختبئ خلل جوهري في القراءة السوسيولوجية والسياسية، يختزل مشهدا إعلاميا وحقوقيا شديد التعقيد والحركية في مجرد استمارات جامدة توزع على عينات منتقاة بعناية لخدمة نتيجة محددة سلفا، مما ينتج خلاصات تفتقر إلى التمثيلية والموضوعية وتجافي الحقيقة الميدانية.

أولى حلقات التهافت في هذا التقرير تكمن في اعتماده الكلي على ما يمكن تسميته بالانطباعية الموجهة؛ حيث تستند المنظمة في تقييمها إلى آراء خبراء محليين ودوليين تختارهم وفق معايير تتوافق مع خطها التحريري والسياسي، وتتبنى وجهات نظرهم كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش. هذا النهج يتجاهل تماما المعطيات الكمية والنوعية التي تفرض نفسها بقوة؛ ففي الوقت الذي يصنف فيه التقرير التعددية المغربية بأنها تعددية صورية أو شكلية، نجد واقعا إعلاميا يضج بحيوية غير مسبوقة، تتمثل في آلاف المنابر والمواقع الرقمية التي تمارس أدوارها الرقابية بكل جرأة، وتنتقد السياسات العمومية، وتفتح ملفات حساسة تطال مدبري الشأن العام دونما قيد أو شرط.

والإصرار على تبخيس هذه الحيوية الإعلامية الوطنية يحول المنظمة من دور الراصد الحقوقي المستقل إلى دور الطرف السياسي الذي يمارس الاستهداف الانتقائي، مما يجرد تقاريرها من صبغة الحياد المهني ويجعلها مجرد أداة في صراع السرديات.

وعلى الصعيد الحقوقي، يسجل التقرير جحودا منهجيا صارخا حيال الخطوات التصحيحية الكبرى التي اتخذتها الدولة المغربية لتعزيز مناخ الثقة والانفراج. وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول كيف لتقرير يدعي الرصانة والمتابعة الدقيقة أن يمر مرور الكرام على العفو الملكي التاريخي الصادر في يوليوز 2024، والذي شمل أسماء كانت هي ذاتها تشكل لسنوات طويلة جوهر المحاججة والحملات الدولية التي تقودها المنظمة. إن هذا العفو لم يكن مجرد إجراء قانوني تقني، بل كان إشارة سياسية ودستورية قوية تعكس رغبة الدولة في طي ملفات أثارت نقاشا مجتمعيا حادا والتوجه نحو مستقبل أكثر انفتاحا. إن تجاهل هذا المعطى المفصلي في تقرير 2026 يؤكد رغبة المنظمة في البقاء حبيسة مربع التضليل لضمان استمرارية بروباغندا التضييق الممنهج، حتى وإن انتفت أسبابها الموضوعية، مما يكشف عن خلل في النزاهة الفكرية للمحررين.

علاوة على ذلك، يصر التقرير في فصله المتعلق بالمتابعات القضائية على ممارسة خلط متعمد وخطير بين قضايا النشر وحرية التعبير من جهة، وبين المتابعات الجنائية المرتبطة بجرائم الحق العام من جهة أخرى. إن محاولة تسييس جرائم مثل الاعتداء الجنسي أو تبييض الأموال أو الاتجار بالبشر تحت مبرر الصفة الصحفية لمرتكبيها هو اعتداء صريح على سيادة القضاء المغربي وعلى حقوق الضحايا الحقيقيين الذين يتم تجاهل آلامهم وقضاياهم في سبيل إنتاج مظلومية سياسية زائفة.

ومعلوم أن دولة الحق والمؤسسات تقتضي أن يكون الجميع سواسية أمام القانون، والصفة المهنية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمنح حصانة مطلقة أو تصبح درعا للإفلات من العقاب في قضايا تمس النظام العام وحقوق الأغيار، وهو المبدأ الذي تقفز عليه المنظمة في كل مرة لتكريس صورتها النمطية عن المغرب.

أما الإقحام التعسفي لقضية الصحراء المغربية في صلب تقييم حرية الصحافة، فيكشف عن انحياز سياسي فج يخرج المنظمة من دائرة العمل الحقوقي الصرف إلى دائرة الأجندات الجيوسياسية التي تخدم أطروحات الانفصال. فالتقرير يتجاهل عمدا الطفرة الإعلامية الهائلة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تدير نخب صحفية وإعلامية من أبناء المنطقة مؤسسات إذاعية وتلفزيونية ومواقع إخبارية بكل حرية ومسؤولية، متبنية قضايا الساكنة المحلية وتطلعاتها. 

كما أن تبني المنظمة لمصطلحات ومواقف معادية للوحدة الترابية لا يضرب فقط في صدقية رصدها الحقوقي، بل يجعلها أداة في يد خصوم المغرب، مما يؤكد أن الخلفية التي تحكم التقرير ليست حقوقية محضة بل هي سياسية بامتياز.

وفي المقابل، يغفل التقرير الأثر الإيجابي العميق للإصلاحات المؤسساتية النابعة من الإرادة الداخلية الصرفة؛ فالتفاعل السيادي والمؤسساتي مع المحكمة الدستورية بشأن القوانين المنظمة لقطاع الصحافة والنشر، وإعادة صياغة النصوص التشريعية لتتوافق مع أعلى المعايير المهنية، يثبت أن المغرب لا يحتاج إلى إملاءات خارجية أو وصاية دولية لتطوير بيئته الإعلامية. إن السيادة الإعلامية المغربية تبنى اليوم من خلال حوار وطني جاد يضع أخلاقيات المهنة في صلب الأولويات، لمواجهة ظواهر الابتزاز والرداءة التي أصبحت تهدد نبل المهنة، وهو الجانب الذي تذكره المنظمة بتبسيط مخل دون الغوص في مسبباته وكيفية علاجه ضمن السياق الوطني.

إن المواجهة الحقيقية لهذا التدليس المنهجي وهذا التحامل الخارجي لا تقتصر على تفنيد الادعاءات بالكلمات، بل تمتد إلى ضرورة تحقيق نهضة شاملة وحقيقية في صناعة الإعلام الوطني. هذه النهضة يجب أن تتجاوز البكاء التقليدي على أطلال الصحافة ما قبل الثورة الرقمية لتعالج الأزمات الهيكلية المرتبطة بالأمن الوظيفي والمعيشي للصحفيين، وتستوعب التحديات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يغير قواعد اللعبة الإعلامية عالميا.

إننا بحاجة إلى بناء جيل جديد من الإعلاميين المسلحين بالوعي المهني والقدرة التقنية، والذين يفهمون أن قوة الإعلام تكمن في مصداقيته وقدرته على ممارسة سلطة الرقابة بمسؤولية وطنية تحصن الجبهة الداخلية وتفضح زيف الخطابات المغرضة.

وعند الحديث عن الهشاشة الاقتصادية للمقاولات الإعلامية، نجد أن التقرير يمارس نوعا من التدليس المالي؛ حيث يصور العجز المقاولاتي الناتج عن التحولات الرقمية العالمية وتراجع الحصص الإشهارية كأنه حصار سلطوي متعمد. إن هذه القراءة تفتقر لأدنى أبجديات التحليل الاقتصادي، فالمؤسسات الإعلامية في المغرب كما في فرنسا وأمريكا واليابان تواجه تحدي النموذج الاقتصادي في عصر العمالقة الرقميين، وتحميل الدولة مسؤولية هذا التحول العالمي هو قمة التضليل المنهجي الذي يهدف لتعزيز سردية القمع المالي.

ويظل تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2026 مجرد منشور سياسي يفتقد للبوصلة الموضوعية، خاصة حين يضعنا أمام مقارنات غير منطقية تثير السخرية أحيانا، كأن تتقدم دول ذات سجل حقوقي وإعلامي متواضع أو حديث العهد على بلد يمتلك تراثا من التعددية الحزبية والنقابية والإعلامية كالمغرب.

من جانب آخر يكمن الرهان الحقيقي للمستقبل في التوقف عن انتظار صكوك الغفران من منظمات أثبتت التجربة أن تقاريرها ليست مقدسة بل هي محكومة بموازين قوى ومصالح ضيقة. البديل هو الاستمرار في بناء الدولة الاجتماعية وحماية التعددية من خلال تقارير وطنية تتمتع بالمصداقية والموثوقية، وتعتمد كمرجعية علمية لمعرفة حقيقة واقعنا وتطويره؛ فالمغرب، الذي يمتد من طنجة إلى الكويرة بكل حركيته وتحولاته، يسير في مسار إصلاحي نابع من إرادة أبنائه ومؤسساته الدستورية القوية، بعيدا عن ضجيج التقارير الموسمية المفتقدة للمهنية.

المنهجية الموجهة ضد التعددية الإعلامية وحرية الصحافة

يرسم تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 صورة مثيرة للتأمل حول واقع الصحافة العربية، حيث تتصدر موريتانيا وقطر المراتب الأولى، بينما يحل المغرب في موقع متوسط. هذا التباين لا يعكس بالضرورة تفوقا في الحرية، بل يكشف اختلافا في استراتيجيات إدارة الفضاء العام، مؤكدا أن حرية الصحافة محصلة معقدة لظروف أمنية واقتصادية وسياسية.

تبدو المفارقة واضحة في الحالة الموريتانية التي تتبوأ الصدارة لا لقوة إعلامها ونضجه، بل لغياب القمع المنظم وضعف إرادة الاستهداف المباشر. هي حرية ناتجة عن تحولات سياسية هادئة، لكنها تظل منزوعة التأثير بسبب الهشاشة المالية للمؤسسات الإعلامية، مما يجعل صدارتها قائمة على خلو السجل من الانتهاكات لا على متانة البيئة المهنية.

أما قطر، فتمزج في المرتبة الثانية بين الأمان واللوجستيك المتطور، حيث توفر حماية قانونية وبيئة عمل مثالية. لكن هذه الحرية تظل موجهة للخارج في الغالب، بينما يظل النقد الداخلي محكوما بسقوف اجتماعية وسياسية صامتة، مما يجعل تصنيفها قياسا لجودة بيئة العمل أكثر من كونه انعكاسا لهامش المعارضة السياسية.

في المقابل، يمثل المغرب الحالة الأكثر تركيبا، حيث يعكس موقعه الرمادي التوتر بين حيوية المجتمع وحذر السلطة. فالمغرب لا يملك هشاشة موريتانيا ولا سكينة قطر، بل يمتلك صحافة نابضة تشتبك مع الملفات الحساسة، وهذا الاشتباك هو ما يؤدي لتسجيل تراجعات عند حدوث صدام مع السلطة.

تكمن مشكلة المغرب في كونه يحاسب بمعايير دولة المؤسسات وهو كذلك دولة مؤسسات فتطغى – التجاوزات الفردية – على مؤشره العام حسب المنهجية المعتمدة من قبل مراسلون بلا حدود، رغم وجود تعددية نقدية قد لا تتوفر حتى في الدول التي تتقدمه في الترتيب.

آخر الأخبار

حريمات: التتويج بلقب دوري الأبطال حلم نسعى لتحقيقه
أعرب ربيع حريمات، عميد فريق الجيش الملكي لكرة القدم، عن ثقته الكبيرة في قدرة فريقه على تحقيق لقب دوري أبطال إفريقيا، مؤكدا أن المواجهة ستكون قوية وصعبة أمام خصم عنيد مثل ماميلودي صنداونز الجنوب إفريقي، لكنها ليست مستحيلة على الفريق العسكري ذو الحمولة التاريخية الكبيرة. ​وقال حريمات خلال الندوة الصحفية البوم السبت، أن الهزيمة في […]
الناطق الرسمي للوداد يكشف جديد "wydad tv"
أطلق الوداد الرياضي لكرة القدم رسميا الإعلان التشويقي لعودة قناته الرسمية “Wydad TV” في حلة رقمية وإعلامية مغايرة تماما. ويراهن هشام آيت منا رئيس المكتب المديري، لإعادة هيكلة المنظومة التواصلية للنادي، وربط الجماهير العريضة بالفريق الأحمر عبر منصة احترافية وموثوقة تنقل النبض الحقيقي للفريق. ​وقد ظهر طلال شاكر الناطق الرسمي للوداد في مقطع الفيديو الترويجي […]
من مراكش بوعياش ... المعلومات المضللة تُهدد الديمقراطية ومبدأ المساواة
       قالت امنة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ” … إن إمكانات الذكاء الاصطناعي هائلة، لكن مخاطره كذلك كبيرة.  فالمعلومات المضللة تُهدد ديمقراطياتنا ومبدأ المساواة. كما أن تقنيات التزييف العميق تُشوّش الحدود بين الحقيقة والزيف وقد توجه الاختيار وقد تؤدي الانحيازات الخوارزمية إلى إعادة إنتاج أشكال التمييز، بل وحتى إلى تضخيمها . إذ لم […]