البرنوصي : كيف تزدهر الجريمة في وسط عمراني متناقض ؟

البرنوصي : كيف تزدهر الجريمة في وسط عمراني متناقض ؟

بالرغم من التعزيز الأمني المتزايد والمجهودات المبذولة من قبل السلطات للحد من الجريمة في سيدي البرنوصي، إلا أن شعورا عاما بعدم الأمن ينتاب الساكنين هناك. التناقض العمراني الصارخ بين الأحياء الهشة والراقية سمة مميزة للمنطقة، والأسواق العشوائية تتناسل وتفرض قوتها في احتلال المكان العمومي ضدا على أمن وراحة السكان. محيط صعب تتخله دواوير الأحياء الصفيحية وتجعلها أكبر مصدر للجريمة والإدمان. كلها مقدمات لأسباب تفشي الجنوح والفوضى. التحقيق التالي رصد لكل هذه الظواهر

قاسم مشترك واحد يجمع مداخل البرنوصي من كل الاتجاهات : التداخل. من عين السبع تبدو الحدود بين المنطقتين غير واضحة ولا يمكن أن تحدد في أي منها تقف بالضبط إذا لم يكن بجانبك دليل من ناس المكان. من مدخل الطريق السيار لا تعرف مثلا أين يبدأ كاريان البيه وأين ينتهي. حي صفيحي عريق يوجد في منطقة تماس لا شكل لها، ولا تعرف أو تحس إلا بالنشاط المتنامي لقاطنيه داخل الأحياء القريبة في سيدي البرنوصي. الأمر ذاته يتكرر من مدخل طريق الرباط، حيث لا توجد فوارق عمرانية أو من أي نوع آخر، لتحيلك على انتقالك من مكان إلى مكان. وعلى غرار باقي مناطق العاصمة الاقتصادية، لا شكل عمراني موحد يميز البرنوصي كمنطقة سكنية قائمة بذاتها، ربما الأكبر سكانيا في الدارالبيضاء. التحولات السريعة بين الأشكال العمرانية، المهيكلة وغير المهيكلة، الصفيحية و المبناة، القديمة والجديدة، تضرب عين الزائر الغريب عن المكان كأول ملاحظة بعد تجوال قصير في داخله.

في مدخل البرنوصي ينتصب أمامك «درب لمعاكيز» بتاريخه الذي لا ينفصل عن مشاكله المتراكمة. وراء أصل التسمية حكاية غريبة لا تخلو من سخرية. المعاكيز أو الكسالي بالعربي الفصيح، التصقت بالمكان بعد حكم اجتماعي على شباب المنطقة قاد إلى وصفهم بالعاجزين، بالنظر إلى طول وقوفهم مسنودين إلى حيطان بيوت الحي في رؤوس الأزقة ونواصي الشوارع. لزمن طويل ارتبطت أخبار الحي بتفشي الجريمة وأصناف الإدمان. «اليوم تغير الأمر كثيرا وتحسنت الأوضاع في ظل تواجد أمني متزايد وعمليات تطهير متوالية خلال السنوات الأخيرة، أرسل فيها عشرات الجانحين والمجرمين إلى السجن » يقول محمد أحد سكان «لمعاكيز» دفاعا عن الدرب.

« كاريان البيه في منطقة محاذية، يتبع ترابيا لعين السبع، غير أن نشاط سكانه المتنوع، المترامي من التجارة إلى الإجرام، يحس ويعاش في البرنوصي» يشير أحد سكانه للأحداث المغربية. « في المنطقة المحاذية للطريق السيار، يقطع المئات من السكان عشرات الأمتار الفاصلة بين المنطقتين يوميا، لاستدرار أسباب العيش في المجال المقابل» يضيف، متسائلا عن السبب وراء اقتطاع هذا الحي الصفيحي من مجاله التاريخي، البرنوصي، وإلحاقة ترابيا بعين السبع، وسط عزلة قاتلة وقاتمة … تمنع عنه أسباب الحياة !

الوجه الآخر للهشاشة

أسباب الحياة للقادمين أساسا من الأحياء والدواوير الصفيحية المجاورة والمنحدرين من الهجرة القروية، توجد في الأسواق العشوائية التي فرضت بالقوة في سيدي البرنوصي. مدخل البرنوصي الرئيسي في المنطقة المعروفة محليا ب«السينما» نسبة إلى سينما السلام، يعج بالمتحركين في كل الاتجاهات، من القادمين والمغادرين. من أمام دار السينما التي تحولت إلى مركب تجاري، كشفت عينة من السكان عن توجسها بخصوص ارتفاع حدة الجريمة في المنطقة، مشيرة بأصبع الاتهام إلى توسع رقعة السوق العشوائي المحاذي للمكان المخصص للطاكسيات أو سيارات الأجرة الكبيرة. «حنا اللي تنشوفو شنو واقع فالسوق !!» تؤكد سيدة في عقدها الخامس للأحداث المغربية، قبل أن تسترسل في الإفادة. « بيع المخدرات والخمور وسط الدروبة والأحياء ظاهرة مازالت قائمة بالرغم من المجهودات الأمنية للحد منها ومعاقبة المتسببين فيها». نفس السيدة،  بالإضافة إلى سكان آخرين، يلقون باللائمة على بعض المتسترين وراء «فراشة» تبيع كل شيء ولا شيء، أو المتحلقين حول عربة لبيع الخضر أو الفواكه في ترويج المخدرات بشكل سري أو «علني أحيانا»، كما يؤكد عمر، أحد قاطني المنطقة لمايزيد عن ثلاثة عقود.

عمر كشف لنا وجها آخر من أسباب الفوضى والعنف في هذا السوق العشوائي، الذي قال أنه «يتذكر كيف بدأ صغيرا جدا وتحول إلى غول يشوش طيلة ساعات النهار على هدوء وراحة السكان». الأمر يتعلق بمفهوم «الطابلة» التي شرحها للجريدة على الشكل التالي : «تقوم فئة من رواد السوق وأصحاب الأمكنة الخاصة فيه، سواء من مساحات صغيرة تستعمل للفراشة أو العربة، بكراء هذه الفضاءات للقادمين من البوادي أو حديثي الانتقال إلى سيدي البرنوصي والمناطق والكاريانات المجاورة، مقابل أجر يومي يتم الاتفاق عليه بشكل مسبق بين الكاري والمكتري. في بعض الحالات يساعد الكاري المكتري على إيجاد غرفة للسكن من أجل استمرار هذا الشكل من التعاون بينهما». مفهوم استغلال «الطابلة» بهذا الشكل يؤدي إلى احتدام صراعات مصالح بين المتورطين فيه، وهذا ما أدى إلى نشوب شجارات و «حروب صغيرة» في السوق بين الفينة والأخرى، تستعمل فيها الأسلحة البيضاء، «كان شكلها الأكثر دموية ما شهده أحد أيام شهر رمضان للسنة الماضية، حيث سجلت العديد من الإصابات بين رواد السوق من المتنازعين» يختم عمر.

في شارع صهيب الرومي الذي يخترق منطقة البرنوصي القديم، وقفت الأحداث المغربية على سوق عشوائي ينتظم كل مساء، قال أهل المكان أن يعرف هنا تحت اسم «سوق علق». الإسم وارد من قدرة السكان المحليين، كما هو الحال في باقي مناطق الدارالبيضاء، على التندر من واقعهم اليومي، حيث أن السوق كان هدفا للمطاردات البوليسية في زمن سابق، وكان اللفظ المتداول باستمرار بين تجار السوق والوافدين هو «علق» بعد كل مداهمة أمنية أي «اهرب». السوق يمكن أن تعثر فيه على ملابس مستعملة للبيع أو متلاشيات أو أشياء تتعلق بمستلزمات البيت، غير أنه تم تحذيرنا في عين المكان من بعض الأشياء المعروضة التي قد تكون مسروقة مباشرة أو قادمة من عمليات تبادل بين سارقين أو لصوص.

«أسر الفتوات» شكل آخر من أشكال الفوضى التي تعرفها الأسواق العشوائية في منطقة البرنوصي، وتشكل مقدمة للجريمة هناك. الأمر يتعلق بأسر  مكونة من أشقاء «صحاح»  تقوم بأعمال لصالح المنطقة والسوق والأمن كالكنس أو التطهير أو تنظيم الأمكنة، ولكن بالمقابل تفرض سطوتها على الأسواق العشوائية.

بين الأرض والسماء

على بعد أمتار من الشريط السيار الرابط بين الدارالبيضاء والرباط، يرابض حي القدس بتنويعاته العمرانية المختلفة، في شكل جميل. الهدوء سمة المكان الرئيسة والشوارع نظيفة في الغالب. المرافق الاجتماعية معتنى بها بجلاء، والواجهات التجارية تعكس نوعية الخدمات المتميزة المقدمة لنوعية السكان المتميزة التي تعيش هنا. في المحصلة، يمكن أن تنتابك بعض الشكوك في انتماء حس القدس لمنطقة البرنوصي بعد أن تكون قد قمت بجولة في أحيائه القديمة والهشة. هنا لا علاقة للشكل العام بباقي المنطقة، وحتى نوعية القاطنين المتوزعة بين موظفين وتجاور وفئات طبقة وسطى، لا تشبه كثيرا «العامة» في المناطق الفقيرة والقديمة.

غير أن حي القدس محاط بتجمعات سكانية مناقضة تماما لشكله ومضمونه و « هذا على الأرجح سبب استهدافه من قبل مجرمين قادمين من الحزام العمراني المتاخم له» يؤكد سعيد أحد سكان حي القدس، والفاعل الجمعوي هناك. « في الأصل، كانت هذه الأحياء ترجمة لمشاريع وطنية حسنة النية كان الغرض منها إعادة إيواء سكان المناطق الهشة والصفيحية المتاخمة للبرنوصي أو حتى الفئات القادمة من الحي المحمدي أو عين السبع. وقد تم ترحيلهم إلى هنا في وقت سابق، لتؤدي الهشاشة التي أتت معهم، والمرتبطة أساس بتدني القدرات الاقتصادية لهم، وتكرار دائرة الفقر عبر الولادات المتكررة في غياب آفاق للتطور المادي والاجتماعي، إلى تكريس أسباب الجريمة لاحقا» يضيف سعيد بنبرة لا تخلو من أسى. من هذه الأحياء، عاينت الأحداث المغربية منطقة الخيرية أو ما يعرف ب«ديور الذبان» ! الحي يعد واحدا من البؤر الصعبة في منطقة البرنوصي لاعتبارات شتى. فتواجد دار الخيرية على بعد أمتار من الحي، يشجع نزلائها السابقين ممن احترفوا الجريمة أو اللصوصية أو تعودا على الحياة في الشارع، على العودة إلى المكان مجددا إما للاختباء أو لممارسة نشاطهم الإجرامي في وسط يعرفونه جيدا. هذا في وقت عبر فيه سكان «ديور الذبان» عن اعتقادهم بأن الجريمة في البرنوصي عموما ومنطقتهم بالتحديد ذات روافد خارجية، إذ أن القادمين من حي مولاي رشيد مثلا أو سيدي مومن بالإضافة إلى دواوير السكويلة والكاريانات المجاورة قد تكون المسؤولة عن القيام بالأنشطة الإجرامية المختلفة هناك، من السرقة إلى ترويج المخدرات.

ولعل التناقض الأبرز في الشكل العمراني في هذه المنطقة، يكمن في الفوارق الكبيرة بين حي القدس وتجمعاته السكنية الحديثة وكاريان «بولحية» على بعد عشرات الأمتار منه. حي قصديري يحمل كل معطيات الهشاشة ويعد نقطة سوداء حقيقية على طريق عين حرودة. أول أشكال هذه الهشاشة عاينتها الأحداث المغربية عند مدخل الكاريان، حيث خرج طفل صغير لا يتعدى الثامنة من أحد الأزقة المتاخمة للباب الخارجي، وانكب على البحث في حاويات الأزبال المكومة ! أحد المنتمين إلى الكاريان، وفي إطار استعراضه لباقي مشاهد البؤس هناك، أشار إلى منطقة تركن فيها الشاحنات الكبيرة قائلا «هنا تنشط الدعارة ليلا . فما إن تغيب الشمس حتى يتحول المكان وراء الشاحنات الرابضة إلى سوق كبيرة للمتعة».

ثانويات في خطر

قبل أسبوعين تمكنت عناصر الفرقة الجنائية التابعة للشرطة القضائية لأمن البرنوصي من تفكيك عصابة تنشط في ترويج المخدرات على مقربة من المؤسسات التعليمية، خصوصا الثانويات التأهيلية. وقد نجحت العناصر الأمنية في توقيف عنصرين من الشبكة كانت تستعمل سيارة مرقمة بالخارج في بداية الأمر، بعد توصلها بشكايات من آباء وأولياء تلاميذ ذاقوا ذرعا بممارسات هذه العصابة. ولم يتم إيقاف المعنيين بالأمر إلا بعد تنفيذ خطة محكمة، اثمرت بتوقيف المشتبه بهما في حالة تلبس غير بعيد عن إحدى المؤسسات التعليمية. وبعد إجراء التحقيقات الأولية مع المشتبه بهما، اعترفا بتورطهما في ترويج المخدرات – حشيش وما يعرف بال‘‘كالا‘‘ – في أوساط التلاميذ، كما اعترفا بانتمائهما لشبكة إجرامية تتكون من تسعة أفراد. وقد تمت إحالة المشتبه بهم على العدالة.

مصادر من النسيج الجمعوي في سيدي البرنوصي أكدت للأحداث المغربية على أن بعض العصابات المتخصصة في ترويج المخدرات في محيط المؤسسات التعليمية تستعمل التلاميذ في تسهيل هذا الترويج داخل المؤسسات التعليمية والثانويات تحديدا، وأيضا لاستقطاب أكير عدد ممكن من التلاميذ، خصوصا المنحدرين من أوساط اجتماعية متوسطة أو لا بأس بها. انتشار الظاهرة يؤرق بال آباء وأولياء التلاميذ الذين يطالبون بتأمين محيط المؤسسات التعليمية وضمان دراسة في ظروف جيدة وآمنة لأبنائهم.

الأزهر : حالة مستفحلة

‘‘ عندما تم التفكير في بناء مشروع التجمع السكني الأزهر قبل خمسة عشرة سنة كان الهدف من ذلك هو خلق منطقة جديرة بالحياة في مستوى آمن. غير أن التغيرات اللاحقة التي عرفتها المنطقة، جعلت معظمنا يشعر بالندم على اختيار هذا الموقع للعيش وتربية الأبناء ‘‘ هذا واحد من عشرات التصاريح التي استقتها الأحداث المغربية في محيط الأزهر، على لسان المتضررين من وضع متأزم صار يعيشه حي الأزهر بحكم توسع رقعة السوق العشوائي الذي فرض بالقوة هناك. ‘‘ أصبحنا نجد صعوبة بالغة عند الخروج من بيوتنا، أما عملية الدخول فإنها تجعلنا نفكر مرتين لإيجاد وسيلة تجنبنا متاعب هذا السوق. أحيانا يصبح الجلوس مع أبنائنا في البيت مسألة في غاية الحساسية عندما تصلنا الكلمات النابية من رواد السوق على امتداد اليوم. نضطر إلى غلق النوافذ لتقادي هذا الوضع في الغالب ‘‘.

من النادمين على الانتقال للعيش في حي الأزهر سعيد، موظف بإحدى المؤسسات البنكية ورب أسرة. معاناة سعيد ازدادت بعد أن لاحظ أن ابنه البكر ذو السبعة عشر عاما أصبح يتعاطى أنواعا من المخدرات يتحصل عليها من عناصر داخل السوق العشوائي القريب. ‘‘ في السابق كنا قادرين على التحكم في تربية أبنائنا لأننا كنا نعيش وحدنا هنا وكان الحي موحدا من طرف ساكنته التي تتقاسم نفس المبادى ‘‘ يشرح سعيد للجريدة في امتعاض كبير قبل أن يردف ‘‘ اليوم اصبح الوضع في غاية الصعوبة مع اختلاط أبنائنا بالقادمين من الأحياء والدواوير المجاورة. حتى التواصل مع الأبناء اصبح أمرا في غاية الصعوبة. ‘‘

المعطيات الأمنية المتوفرة في حي الأزهر تؤكد إلى حد بعيد ما كان يقصده سعيد في تصريحه. مصادر أمنية من البرنوصي أكدت للأحداث المغربية أن الغالبية العظمى من الموقوفين في العمليات الإجرامية التي تنفذ في محيط الأزهر، تقترف من قبل مراهقين وشباب قادمين من الأحياء المجاورة. وتعلق أغلب الجرائم بالسرقة بالنشل باستعمال الدراجات النارية أو سرقة الملابس المنزلية من أسطح التجمعات السكانية.

من أشكال العنف المتنامي في حي الأزهر ومحيطه، تكرار حالات الاعتداءات على الأطر التعليمية وتحدبدا الأساتذة. وتسجل منطقة البرنوصي برمتها أعلة نسب الاعتداء على المدرسين بأكثر من 15 في المائة من حالات الاعتداء المسجلة على صعيد أكاديمية الدارالبيضاء. اعتداءات تطورت فيما بعد إلى قضايا معروضة على المحاكم تنظر فيها الهيئات القضائية اليوم بمحكمة القطب الجنحي في عين السبع.

في محاولة منهم لاسترداد أمن منطقتهم والهدوء الذين كانوا ينعمون به، ينظم سكان حي الأزهر هذه الأيام مجموعة من الوقفات الاحتجاجية لإثارة الانتباه للسوق العشوائي الذي فرض بالقوة على بعد أمتار قليلة من مداخل تجمعاتهم السكنيو، ولتذكير السلطات المحلية بأن عليها حماية أمنهم وضمان خصوصية منطقتهم أمام هذا الغزو المكثف والمتواصل. غير أن مساعيهم لاستعادة الفضاء المحيط بهم ‘‘ قد تتأخر إلو وقت لاحق ‘‘ يقول سعيد ‘‘ بسبب إمعان الباعة المتجولون في فرض سيطرتهم على المكان وسط صمت غير مفهوم من السلطات المحلية ‘‘. فخلال الأسبوع الماضي وبينما كان سكان حي الأزهر يستعدون للخروج في وقفة احتجاجية ضد السوق وباعته، هاجم الباعة المحتجين واستولوا على لافتاتهم، ونظموا في التو وقفة احتجاجية مضادة … !!

في الطريق إلى عين السبع

« لزمن طويل صدرت منطقتي سيدي مومن والبرنوصي الجريمة لعين السبع » تقول فاطمة التي عانت من ويلات الاعتداءات في طريق عودتها من المنطقة الصناعية لعين السبع نحو مسكنها في درب لمعاكيز، ولمدة غير قصيرة من الزمن. « كانوا كيجيوا نهار كنتخلصو بحال ايلا كانوا خدامين معانا ولا كان شي واحد كيعلمهم بالنهار اللي كنشدو فيه السيمانة» تضيف فاطمة وهي تتحسس أطراف يدها اليمنى التي تلقت ضربة سكين مساء يوم صيفي في العام 2007، من يد شاب حاول الاستيلاء على حقيبة يدها في الممر الفاصل بين عين السبع والبرنوصي. بعد إلقاء القبض عليه، تبين أنه قاطن بدوار الرحامنة غير البعيد، وأنه اعتاد الاستيلاء على «سيمانة» الفقيرات من بنات الشعب كل سبت.

« اليوم تغيرت الأمور الحمد لله » تردد فاطمة بعلامات أمان واثقة في عينيها. « لقد اكتشفنا أن اللصوص وقطاع الطرق لا يهاجمون سوى العاملات اللواتي يكن منعزلات عن الجموع المتنقلة من وإلى الحي الصناعي ». على إثر هذه الملاحظة قررت فاطمة وزميلاتها عدم التحرك فرادى بعد تكرار حوادث الاعتداء على العاملات، وهو ما حد كثيرا من نسبة الجريمة في هذا الممر.

غير أن أسباب تراجع الجريمة في الطريق بين عين السبع وسيدي البرنوصي، لا تعود فقط إلى هذا الإجراء الاحتمائي التلقائي الذي بدعته عقلية العاملات والضحايا، بل تجدر الإشارة إلى أن عملية واسعة لإضاءة الشوارع العمومية والأزقة في المنطقتين معا وتحديدا في الممر المذكور، جعل المعتدين يفكرون أكثر من مرة قبل الإقدام على الاعتداء. ظاهرة أخرى ساهمت في تراجع الجريمة في محيط الحي الصناعي لعين السبع، يكمن في عودة سيارات الأجرة الكبيرة إلى المكان، ما أعطى فرصة للعاملات والعاملين على الالتحاق ببيوتهم مباشرة بعد الخروج من المجمعات الصناعية.

Bookmark and Share

Comments are closed.

صورة اليوم

ريشة العربي الصبان