في عالم الأعمال والاقتصاد، تُدرِّس الجامعات الكبرى نظريات مُعقَدة حول سلاسل التوريد وتَدفق رؤوس الأموال. لكن يَبدو أن جامعة هارفارد قد فاتها أن تَستضيف الخبير الاقتصادي، والمناضل الفيسبوكي، والنصاب المُرابي “هشام جيراندو”، ليُقدِّم لها نظريته الثورية الجديدة: “كيف تُحوَّل أموال المخدرات إلى أحذية ومعاطف شتوية كندية في ثلاث خطوات بسيطة”.
فبفضل التسريبات الأخيرة التي أتحفتنا بها مجموعة “أطلس هاكز” في حَلقتها الثالثة عشرة، لم نَعُد بحاجة إلى قراءة كُتب الاقتصاد الممِلَّة، فقد قَدمت لنا هذه الحلقة “دليل جيراندو الشامل لإنتاج الثروة وتبييض الأموال عبر القارات”. ويَبدأ خط الإنتاج العبقري لهذا المبتكر من نقطة صِفر مُثيرة للاهتمام: وهي “الابتزاز”. ففي الوقت الذي كان يَظُن فيه متابعوه السُذج أنه يَخوض حرباً طاحنة ضد الفساد عبر شاشته، كان الرجل في الكواليس يُدير وِكالة لتأمين تجار المخدرات. “ادفع دولاراً، نحذف المنشور.. ادفع أكثر، نَغُض الطَرف عنك تماماً”.
هكذا، وبكل بساطة، تحوَّلت منصات “النضال” المزعوم إلى شباك تذاكر، حيث يَشتري أباطرة الممنوعات صكوك الغفران الرقمية. لكن السؤال الذي كان يُؤرِق هذا “المرابي” الحقير هو: كيف نَجعل هذه الأموال القذرة، التي تَفوح منها رائحة السُموم، نظيفة وناصِعة البياض كثلج كندا؟ هنا تَدخلت العبقرية الجغرافية، واختار هشام جيراندو دولة تركيا لتكون “الغسّالة المركزية” لمشروعه العظيم.
ففي تركيا، لم يَعتمِد جيراندو على البنوك الاستثمارية الكبرى، بل أسس “عائلة آل كورليوني” مُصغَّرة لغسيل الأموال. يَبرُز هنا اسم التركي “فؤات بيركان سوستام” (Fuat Birkan Sustam)، وهو ليس صانع “البقلاوة” التركية، بل “دينامو” استقبال أموال تجار المخدرات المغاربة. ولأن جيراندو يؤمِن بصلة الرحم، فقد أشرك معه في هذا الأجر العظيم ابن أخت زوجته، “حمزة العسري”، المقيم في تركيا، ليَكون صِلة الوَصل الأمينة بين مافيات السُموم وحسابات “النِضال”. هذه الشبكة العائلية-التركية كانت تَعمَل بتناغم مُذهِل، حيث تَتحوَّل التحويلات المالية من مُجرَّد أرقام سوداء إلى استثمارات “حَلال” في رَمشة عَين.
وتَكشف لنا وثائق “أطلس هاكز” عن كَرم حاتمي مُنقطِع النظير من لدن مُمولي هذا المشروع الاستثماري. فها هو السيد “عبد الواحد الغزاوي” يَجود بمبلغ 10 آلاف دولار دفعة واحدة، ربما إيماناً منه بجَودة القماش التركي الذي سَيصنع منه جيراندو ملابسه. ولا تتوقف الماكينة عن الدوران، فحساب جيراندو الشخصي في “Ziraat Bankası” التركي كان يَتلقّى الرذاذ المالي بانتظام؛ 500 دولار من هنا، و2000 دولار من هناك تمر عبر ” خالي” حمزة إلى السيد “بيركان”. إنها عملية تَقطير مالي دقيقة، تَضمِن عدم لفت انتباه السلطات، وتُوفِّر سيولة نقدية كافية لشراء مختلف أنواع الجلود والأقمشة التركية.
ولأن طريق النجاح لا يَخلو من المطبّات، فقد واجهت هذه الإمبراطورية المالية أزمات “خانِقة”. ففي إحدى العمليات المرتبطة ببارون المخدرات “صلاح الدين خراز”، كادت هذه التجارة أن تَبور، والسبب؟ خطأ إملائي بسيط في كتابة اسم “بيركان” على إيصال “موني غرام” (MoneyGram). تخيلوا حَجم المأساة: شُحنة مخدرات تُباع، وأموال تُجمَع بصعوبة، وابتزاز يُنفَّذ بإتقان، ليأتي مُوظف أو مُرسل جاهل بالأبجدية التركية ويُعطل تحويل الأموال! يا لها من مُعاناة يُكابِدها جيراندو في سبيل إيصال الموضة إلى كندا. هذه الحادثة المحزِنة تُثبِت أن غسيل الأموال يَحتاج إلى دُروس في الإملاء بقَدر ما يحتاج إلى انعدام في الضمير.
ونصل أخيراً إلى محطة الوصول، كندا، حيث تكتمل الدورة الدموية لهذا الاقتصاد الموازي. الأموال التي بدأت كأرباح من تدمير عقول الشباب بالمخدرات، ثم سافرت كرُسوم “ابتزاز” لغض الطرف، ثم استراحت في بنوك إسطنبول، تُبعَث من جديد في هيئة قمصان، وسراويل، وأحذية تُشحَن لتُباع في الأسواق الكندية. من كان يَظن أن الطريق الأقصر لتمويل “ماركة” ملابس يَمر حتماً عبر جيوب تجار المخدرات؟ إنها سُخرية القدر التي جَعلت من يَدعي فضح الفاسدين، أكبر مُستثمر في أموالهم القذِرة، مُحوِّلاً دماء الضحايا إلى أرباح تُضَخ في أرصدته ومشاريعه التجارية، ليُثبِت للعالم أن “المرابي” الحديث لا يَكتفي بأخذ الفائدة، بل يَغسِلها، ويَكويها، ويُلبِسها للمستهلكين في كندا باسم زوجته نعيمة ديان.
