سعيد نافع يكتب: ”كان شمس كتسطع.. كان مشموم في يدينا”

بواسطة الأحد 10 مايو, 2026 - 12:34

كان من المفروض أن يكون ضيف برنامج ”لافيش” على ميد راديو هذا الأسبوع. اتصلنا بالدكالي عن طريق صديقه المقرب وزميلنا حسن حليم لأخذ موعد، فوافق دون تردد مشترطا فقط أن ينتقل طاقم البرنامج إلى بيته لأنه أحس بوعكة صحية بسيطة. قلنا له ”أنت تأمر سي عبد الوهاب.. سنشعر بكل الفخر الممكن فقط عندما نكون معك أينما كنت”. انقطع الاتصال.. ثم قدر الله وماشآء فعل.

برحيله عن عالمنا، الذي ملأه جمالا وابداعا وحبا.. انهارت أخر قلاعنا الفننية العتيدة ضد الرداءة والاستسهال والتطاول وانعدام الالهام والصدق والخواء .. ودفنا كما ندفنه اليوم، صرحا كاملا من الجمال المغربي الذي رافقنا على امتداد ستة عقود كاملة. ستة عقود من الابهار تربى فيها أبائنا على الكلمة الجميلة واللحن الشجي٫ وتربت من خلالها أذاننا الموسيقية على البهاء المتجسد في تلك الاناقة الطافحة والممتدة.

كان يا ما كان

لا أحد باستطاعته الجزم اليوم عن موعد ذكراه الأولى مع عبد الوهاب الدكالي. في تفرده، لم يشبه باقي الفنانين محليا أو مشرقيا، اللذين كانت تجربتك تحتاج لوقت لتفهم عرضهم الفني ويصبح ملازما لك ولوجدانك. عبد الوهاب الدكالي يعجبك طفلا، ويفاجئك مراهقا وشابا.. ثم يسكن حنايا أضلاعك في اختمار تجربة الحياة. غنى لك، ولكل فترة من حياتك وكأنك المعني بأغنيته.

تسمرنا ذات مساء ربيعي العام …  أمام شاشة التلفزة المغربية (القناة الوحيدة أنذاك) في انتظار نتائج المهرجان الوطني الأول للأغنية المغربية الذي أقيم بمدينة المحمدية. كان المستوى ”طالع” فعلا لأن المتبارين في المحفل الفني الأكبر تلك السنة، كانوا ايقونات موسيقي وأساطير تلحين وكلمة وغناء. أدت الرائعة لطيفة رأفت رائعتها ”خي عملني من حبابك” وغنت الأعلى والأرقي الراحلة نعيمة سميح خالدتها ”جاري يا جاري”.. ثم دخل الدكالي بأناقته المميزة وحضوره الطاغي إلى الخشبة، ليصدح بواحدة من الأغاني التي كتب لها الخلود وهي تؤدى لأول مرة.. ”كان يا ماكان”.
عفوا.. لم يغن. أخذنا في رحلة شجن أسطوري لنسافر معه في قصة حب كتبها الرائع الباتولي نقلا بتصرف عن راوي أعمى رددها لعقود طويلة في ساحة جامع الفنا.

كان الادهاش قد بلغ منتهاه والرائع الراحل يختم أسطورته اللحنية بلازمتها الشهيرة ”حكاية ترويها لعجايز للصبيان.. وكان يا ماكان”.. وقبل أن نستفيق من السفر الحلم، كان الدكالي يتوج بالجائزة الكبرى للمهرجان.

الدار لي هناك

في زمن مضى ونأمل أن يظل حيا، كانت أسطوانات وكاسيطات عبد الوهاب الدكالي تملأ الخزانات الفنية لكل بيت مغربي. كان آصرار مغربيا جماعيا على أن لدينا عميدا خاصا بموسيقانا المغربية، نسمح لأنفسنا بأن نقارع به المشارقة العظام لتلك الفترة٬ من عبد الحليم حافظ إلى فريد الأطرش، مع التوقف طويلا عند الهرمين الأكبرين محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. كان الراحل ملاذا يعود المغاربة إليه كلما امتلأوا بإبداعات الشرق العظيمة.

رددوا ” ما أنا إلى بشر” سنة خروجها للعالم في 1963  وتباروا في أدائها من صغيرهم إلى كبيرهم في المدارس والمناسبات العائلية وتجمعات الدروب والأزقة..  ثم توالت الروائع قبل أن ينتقل الفنان إلى القاهرة التي كانت قبلة أهل الفن في ذلك الزمن. ” بلغوه سلامي”.. ”يا لغادي فطوموبيل”.. ” أخر أه” ورائعة ”هذه يدي ممدودة”.

في مصر، انتبه عبد الوهاب وباقي الموهوبين المغاربة المنتقلين جماعة لأم الدنيا ( عبد الهادي بلخياط، حسن السقاط وغيرهم..) إلى أنه مهما بلغت عبقريتك لن تنال حظ أبناء البلد، فعاد ليواصل نثر ألحانه، المشبعة هذه المرة بأثار التجربة المصرية. هذه المرحلة، استهلها الموسيقار الخالد بأغنية وطنية مازالت شذاها يسكن ملايين المغاربة.. ” حبيب الجماهير”.

شذا الراحل بروائع أخرى لعل أهمها ”الدار لي هناك” في نهاية هذا العقد، قبل أن يقدم على تجربته السينمائية الأولى والوحيدة ” الحياة كفاح” (يعتبره العديد من المهتمين بالسينما الفيلم المغربي الطويل الأول بالمعنى الفني الحقيقي) بإخراج مشترك لأحمد المسناوي ومحمد التازي.

مرسول الحب

استمر العطاء دفقا في عقد السبعينيات، حيث بدأ اسم عبد الوهاب الدكالي يترسخ بقوة عبر أعمال ستصبح لاحقاً جزءاً من الوجدان المغربي و العربي، ك”الولف صعيب” و ”ما احلا الصيف ما احلاه” و ” ولهلا يزيد اكثر” ثم الخالدة ”مرسول الحب” التي انتشرت في ربوع الوطن العربي بسرعة نادرة، وتبنتها الشعوب من المحيط إلى الخليج، إلى اليوم.

أغانٍ لم تكن مجرد نجاحات، بل محطات أعادت تعريف العلاقة بين الأغنية والمتلقي. ما ميّز الدكالي في تلك المرحلة، أنه لم يكن يغني فقط… بل كان يبني عالماً. عالماً موسيقياً قائماً على جملة لحنية متأنية، وعلى كلمة تختار موقعها بدقة، وعلى صوت لا يصرخ، لكنه يصل. كان يؤمن أن الأغنية ليست استعراضاً، بل حكاية، وأن اللحن ليس زينة، بل معنى.

ومع مرور السنوات، ومع تحولات الذوق والسوق، ظل وفياً لهذا الخط. لم يركض خلف الموضة، ولم يبدل جلده ليرضي اللحظة. في السبعينيات وما بعدها، دخل مرحلة النضج، حيث أصبحت أعماله أكثر تأملاً، وأكثر قرباً من الأسئلة الكبرى للإنسان، دون أن تفقد تلك البساطة التي جعلته قريباً من الناس.

وربما هنا يكمن سر استدامته. أنه لم يفصل بين الفن والحياة. لم يغنِ من برج عالٍ، بل من داخل التجربة اليومية، من الحنين، من الفقد، من الحب، من تلك المسافة الصغيرة بين ما نعيشه… وما نريد أن نقوله.

رحلة النصر

تألق موسيقى وأغاني عبد الوهاب الدكالي سيتكرس خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي. وسط منافسة قوية من كبار الأغنية المغربية، الأربعة الكبار سي محمد الحياني ونعيمة سميح وعبد الهادي بلخياط، بالإضافة إلى أساطير التلحين من عبد القادر الراشدي إلى محمد العلوي وآخرين، استطاع الدكالي أن يفرض أسلوبه المميز عن الأخرين، بفضل قدرة خاصة على التجدد والتجريب. كانت قوة الراحل في رغبته المستمرة في البحث عن ”المختلف” وفق نفس الصيغة الفنية دائما: ألحان غير مفاجئة وكلمات بسيطة مباشرة ومعبرة.

خلال هذا العقد غنى الراحل ”حجبوك العدا” أو ”الثلث الخالي” التي قدمها في إحدى سهرات السبت التي كانت تنقلها التلفزة المغربية على المباشر. الأغنية لاقت نجاحا فور خروجها للنور. ثم ”قصة لغرام” و ”وقولي لهم ياما” التي أداها عميد الأغنية المغربية إلى جانب كورال من الأطفال وهي أغنية ذات بعد اجتماعي. وبالإضافة إلى كان يا ماكان ايقونة أغانيه في ذلك العقد، كانت رائعة ”حكاية هوى” جوهرة في تاج ريبرتوار الثمانينيات وهي من كلمات الراحل الطيب العلج وألحانه.

الراحل وضع فنه في قلب الأحداث الجارية سواء داخليا أو خارجيا، وبحكم تنقلاته الكثيرة خارج المغرب فقد عايش الدكالي الجالية أوضاع الجالية المغربية والمغاربية والعربية في بلاد المهجر، وتأثر بكل الأحداث التي عاشتها كما أثرت موسيقاه فيها بشكل مباشر. أغنية ”مونبرناس” التي رأت النور في العام 1987 كانت ترجمة لهذا الاقتراب، وشكلت صرخة ضد العنصرية وهي تحكي قصة مقتل طالب جزائري من طرف عناصر من اليمين المتطرف الفرنسي.

لكن عقد الثمانينات شهد حدثا وطنيا كبيرا. سنة 1986 سيحتفل المغرب والملك الراحل الحسن الثاني بمرور 25  سنة على اعتلاءه العرش. العصر الذهبي للأغنية الوطنية سيشهد مخاضا جديدا تطور فيه الأداء اللحني والنصي لهذا النوع. عبد الوهاب الدكالي وفي ثنائي انتظره المغاربة طويلا لحن رائعة ”رحلة النصر” وأداها إلى جانب الراحلة نعيمة سميح.

سوق البشرية

ليس في المغرب وحده، بل في كل المنطقة والعالم، شكل الإنتاج الفني سيتغير كثيرا انطلاقا من تسعينيات القرن الماضي، وهو التغيير الذي سيؤثر بشكل مباشر حتى في الأشكال الموسيقية. انطلق الفيديو كليب من الغرب أولا ثم انتقل للمشرق، وسيطر الإيقاع السريع والكلمة الشعبية على المضمون الموسيقي. رحيل كبار الموسيقى في العالم والشرق وبروز جيل جديد من الفنانين تماهوا بسرعة مع شكل الأغنية المصورة، كتب السطر الأخير لأغنية ”عصرية” عمرت طويلا.

لكن الدكالي بدهاءه الفني وسرعة التقاطه للتحولات الفنية، فهم المطلوب وتعامل مع أشكال الإنتاج الجديدة بعبقرية نادرة  أنتجت روائع خالدة في مقدمتها ” سوق البشرية” الفائزة بالجائزة الأولى في مهرجان الموسيقى العربية المنظم في القاهرة العام… . سوق البشرية مثل ”مونبرناص” أو ”قولي لهم ياما” أو ”ثقب في الفضاء”.. أعمال فنية تحيل على البعد الإنساني في ريبراتوار  الدكالي، إذ لم يغني للحب فقط، بل أيضا للشروط الوجودية للإنسان أينما كان وهو ما أعطى أعماله زخما اخترق كل الأوساط والشرائح الاجتماعية.

”الله حي” ابداع أخر بصم هذا العقد من المسيرة الحافلة للراحل الدكالي. لا يمكن تصنيفها كأغنية عادية أو تحليل كلماتها وفق أنساق نقدية متوفرة. لقد كانت أنشودة تختزل صراع الانسان مع السرمدية وتذكر بأن خالق الكون يظل الحقيقة الوحيدة الثابتة، و أنه مهما علت همة الانسان أو ارتفعت قيمته الفكرية محاولا انتاج اشكال معرفية أو فنية يسعى فيها للخلود، فلن تبرح قوسها الزمني المؤقت.

لم ندفن عبد الوهاب الدكالي بالأمس..لقد  دفنا جوارحا و أحاسيس وقيما وابداعا وجمالا رافقنا لستة عقود.

كان شمس كتسطع

كان نور في عينينا

كان نجمة كتلمع

كان مشموم في يدينا…

آخر الأخبار

معرض الكتاب.. مؤسسة وسيط المملكة تفوز بجائزة “الرواق الدامج والولوج”
توجت مؤسسة وسيط المملكة بجائزة “الرواق الدامج والولوج” للأشخاص في وضعية إعاقة، في نسختها العاشرة، وذلك خلال حفل نظم مساء السبت 9 ماي 2026، على هامش فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب. وتسلم الجائزة وسيط المملكة، حسن طارق، خلال الحفل الذي نظمته وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، وكتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، بفضاء […]
"أيقونة القفطان".. وفاة مصممة الأزياء سميرة الحدوشي
توفيت ليلة أمس السبت 10 ماي بمدينة الرباط، المصممة المغربية سميرة الحدوشي، إحدى أبرز الأسماء في عالم الأزياء والموضة بالمغرب، بعد مسيرة مهنية بصمت بها الساحة الفنية والإبداعية لسنوات. واشتهرت الراحلة بتصاميمها التي مزجت بين الأصالة المغربية واللمسات العصرية، كما تمكنت من فرض اسمها داخل المغرب وخارجه، من خلال مشاركاتها في عدد من التظاهرات والفعاليات […]
تقرير مراسلون بلا حدود 2026: حين تطغى الأجندة السياسية على الموضوعية الحقوقية
لم يكن تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026 حول حالة حرية الصحافة في المغرب مجرد جرد سنوي للمؤشرات المعتادة، بل جاء ليكرس حالة من الجمود المنهجي العميق، الذي بات يسم تعاطي هذه المنظمة مع النموذج المغربي وتطوره المتسارع. إن ما قدمته المنظمة هذا العام يبدو كأنه محاولة لإعادة إنتاج حكم قيمة مسبق، حيث استمرت […]