هو الركن السينمائي الأكثر متابعة في البلاد المغاربية.. هناك أشياء تسمع بالعين، وتشاهد بالأذن، ليكتب السيناريو تدريجيا، وبهدوء.. “أفلام” ديزي دروس!
أبحث عن جديد الراب، ويقترح علي اليوتوب جماعة من غرباء من أبناء البيوت الجيران المتسخة. هم فعلا غرباء شكلا ومضمونا، والواضح بأنهم لا يفقهون شيئا في الراب، لأنهم مكلفون بمهمات قذرة. لم أمنح هؤلاء أكثر من دقيقتين أو ثلاث من وقتي، لأن ما يقترفونه هو خليط من نباح ونهيق وعواء وشيء من نقيق.
أعود لرشدي، وتغادر أذني أصواتا منبعثة من حديقة حيوانات راب الجيران، ثم أوجه أذني نحو “أفلام” ديزي دروس (عمر السهيلي). ديزي أنقذ على الأقل الحمار الوحشي من مستنقعهم، ووظفه في كليب فيديو بعنوان “هرس”، سأتوقف في هذا الركن عند مقطعه التقديمي.
منذ رحلتي لكان الفرنسية، وأنا أنتظر تلك الفرصة لأستمع لألبومه الثاني، بعد ثلاث عشرة سنة من صدور ألبومه الأول. فرق كبير.. هناك فرق كبير.
أتجول وسط صفرو، وأستمع بتركيز لألبومه بتمعن، وتعمدت هنا ذكر اسم صفرو، لأني مثل عمر السهيلي، مجبر أنني “نهز بمدينتي”!
منذ المقاطع الأولى من الألبوم، أشعر بأنه يشكل نقلة نوعية في طريقة الاشتغال، وطريقة الكتابة. تلك التوطئة بنفس “التامغرابيت”، وذلك العبور السلس نحو أنسنة الحالة، ونقل نظرته الحالية، كمغترب دائم التنقل بين ضفتين، لما يعيشه هو، ويعيشه أبناء جلدته. هي النظرة المختلفة عن تلك التي أطلعنا عليه في ألبومه الأول، والذي كان نقل فيه آراءه وأفكاره حينئذ. المسافة الفاصلة بين العامين ألفين وثلاثة عشر وألفين وستة وعشرين، كانت كفيلة بأن تجعل عمر السهيلي يطور اشتغاله، ويعيش ذلك الحنين للدار البيضاء التي يقدمها بمتناقضاتها. عظيمة في نظر أبنائها، وقاسية عليهم في الآن.
في الألبوم الجديد، يمنح “ديزي دروس” للتفاصيل الدقيقة في الصوت أهمية بالغة، وتشاهد من خلال السماع، ذلك الانتقال من الإحساس بالفخر إلى إحساس بالغبن، ويفصلهما فقط بنوتات بيانو. ثم هناك الإيقاعات المختلفة من مقطع لآخر، وجرأة منه في المزج بين الراب والغناء دون تكلف، وفي الخلفية لازمات قوية. تمهيد بهدوء، وكلمات يختم بها لازماته، تمنح المستمع معان كثيرة، بصور كثيرة. في الألبوم، هناك حنين، وهناك سياسة، وهناك سخرية لاذعة، وهناك تحية عابرة للغيوان، وأخرى لكوميرز.
ثم أصل للعنصر الأهم، الذي يشكل صلب تخصصي. الكتابة بالصورة.. قصة كليب “هرس”، التي أخبر تفاصيلها منذ البدء. نقاش هاتفي قصير بيني وبين عمر السهيلي قبل ما يقرب العامين، وهنا اقترح اسم الكبير أمين الناجي، وتم تصوير الكليب. كنت على يقين بأن ديزي دروس بمغامرته، لن يحقق نفس الأرقام التي سجلت في كليب “مع العشران”، وإن احتفظ بنفس الشقيقين المشرفين على الإخراج (ولد الدرب)، مع اشتغال ذكي من أيوب العمراني في إدارة التصوير.
بالنسبة لي، المقطع التقديمي لكليب “هرس”، فيه من السينما ما لا أعثر عليه في أفلام مغربية عديدة. جو قاتم، وكاميرا تقترب من قدمين بجوارب ترصد فيها لون الاختلاف. هي قدما ديزي دروس الذي ينزل من سيارة، وينطلق وسط كل البقية الذين يشبهون بعضهم البعض، وينطلق المصعد المزينة بابه بأرقام دالة صنعت بالمؤثرات البصرية، ولم تحضر فيها ولو لمسة واحدة للذكاء الاصطناعي، تفاديا للغباء الذي صرنا نعيشه مؤخرا.
كائنات تشبه بعضها البعض، وتدجين تدريجي لذلك الفرد المختلف، الذي يصير مع مرور الوقت مُدجَّنا ومُدجِّنا جديدا للبقية. بعيدا عن معاني الكليب، وهي كثيرة، بسخريتها، وإشارتها للإستحقاق الانتخابي القادم، وإحالاتها على أفلام سينمائية ورسوم متحركة، أعثر أمامي على ديزي دروس وهو يتزيى بعباءات مختلفة. أكثر من شخصية في كليب واحد، تماما مثل بقية المقاطع الأخرى التي كان يغير فيها صوته وأسلوب إلقائه، بتغير الحالة التي يود إيصالها للمتلقي.
درس بصري فيه اجتهاد غير مسبوق، وأمين الناجي الذي حضر لثوان.. تكلم بعينيه، وحرك أصابعه، مع ما قل ودل من كلمات، ثم زرع غموضاً مطلوباً وغادر. يصل جنيريك النهاية الذي يرشد المشاهد إلى الوصفة الثلاثية المرفوقة بإشارات ساخرة، وهي الوصفة التي تجعله يصير حرا. تحرر من القوالب الجاهزة، وتحرر من الآلة، وإعمال للعقل.
هل سيصل كل هذا العبث المدروس لأذهان المتلقي الذي ألف ألبومات وكليبات تتزاحم فيها الألوان، ويكثر فيها النط والسب والشتم والرقص العبيط؟
لا أظن ذلك. مع ذلك، حين يرغب الفنان أو الإعلامي أو المفكر في تحريك المياه الراكدة، وتقديم الأرقى والأفضل، هل تكون الأرقام هي الطريقة المعتمدة؟ بدون ارتياب لا، والسبيل الوحيد هو أن تمنح دروسك وتغادر.. ديزي دروس، قدَّم دروسه وغادر، والمتلقي سيلزمه وقت لتفكيك إشاراته، وتقبل لمسة تغييره، وبعد ذلك سينال حقه لاحقا.
قدر المجتهد أن ينتظر، أما الفيلم “ما سالاش”. بالكاد سيبدأ، وفي هذه النقطة بالذات أعرف عما أتكلم، وفي جملتي الأخيرة هاته مقطع تقديمي آخر لما هو قادم مع ديزي دروس. مثل أغلبية مقاطع ألبومه، أنهي هذا الركن، بنوتة بيانو تشكل نقطة ختمه منذ عامين. هل هي أيضا صدفة؟ لا أعتقد ذلك. هو فقط شيء من فلسفة الحتمية، وموعدنا مع ديزي دروس يتجدد بعد الثالث والعشرين من شتنبر إذا كان في العمر بقية، والسلام.
ركن بلال مرميد، ميدي1
