خلل التقدير السياسي..قراءة في المرجعية الفقهية لموقف «العدل والإحسان» من الانتخابات المغربية

بواسطة الأربعاء 2 سبتمبر, 2026 - 10:26

تطرح العلاقة بين الفكر السياسي الإسلامي والعملية الديمقراطية إشكاليات عميقة يتعلق بعضها بالتكييف الفقهي للوسائل الحديثة، وينصرف بعضها الآخر إلى كيفية معالجة الخلاف الاجتهادي داخل الفضاء العام. وفي هذا السياق، يبرز موقف جماعة “العدل والإحسان” بالمغرب الداعي إلى مقاطعة الانتخابات كنموذج يستدعي القراءة والمناقشة؛ لا من باب مصادرة حق الجماعة في اتخاذ موقفها السياسي، بل من جهة تمحيص المرجعية التي يُبنى عليها هذا الموقف، وكيفية تقديمه للأمة المغربية،  فالمشكلة الأساسية لا تكمن في خيار المقاطعة بذاته، وإنما في الميل إلى صبغ هذا الخيار التنظيمي بصبغة شرعية دينية حاسمة تجعل منه حكماً دينياً عاماً يتعدى النطاق الحزبي ليلزم الكافة، مما يقلب الخلاف السياسي السائغ إلى مقايسة عقدية أو أخلاقية تمس تدين الفاعل وسيادته الاختيارية .

الوسائل وأحكام المقاصد

إن أصل النظر الفقهي المقاصدي يقضي بأن الانتخابات وما يتفرع عنها من أدوات الاقتراع والتصويت لا تندرج ضمن العبادات التوقيفية التي ورد بشأنها نص خاص يوجبها أو يحرمها بعينها، كما أنها ليست منكرات ذاتية يقتضي شرع الملة اجتنابها في كل حال. إنها أدوات ووسائل أفرزتها التجربة البشرية الحديثة لتنظيم الشأن العام، وإدارة الاختلاف، واختيار ممثلي الأمة في المؤسسات. وقاعدة الفقه المقررة في هذا الباب تدور حول أن “للوسائل أحكام المقاصد”؛ فالحكم يتغير بحسب الظروف، والمآلات، ودرجة تحقيق المصلحة أو دفع المفسدة، بناءً على هذا التأصيل، يمتنع شرعاً وعقلاً إسباغ حكم فقهي واحد وثابت—سواء كان التحريم أو الوجوب—على المشاركة أو المقاطعة في كل زمان ومكان؛ لأن الواقع متغير، والدوائر الانتخابية تتفاوت، وطبيعة المرشحين تختلف، والنتائج المترتبة على أي من الخيارين تخضع للموازنة والمفاضلة.

حين تدعو جهة معينة إلى مقاطعة العملية الانتخابية، فإنها مطالبة بالإجابة عن أسئلة عملية ومقاصدية جوهرية تجعل موقفها متسقاً مع منطق النظر في المآلات. من هذه الأسئلة مثلا ، ما هو البديل الناجز والواقعي الذي يقدمه المقاطعون لتحقيق المصلحة العامة وتغيير الواقع نحو الأفضل؟ وإذا كان الاقتراع غير قادر—بحسب هذا الطرح—على التغيير المنشود، فهل يضمن الانسحاب التغيير أم يكرس الواقع المراد تعديله؟ إن ترك صندوق الاقتراع فارغاً من أصوات الفئات الناقدة قد يؤول عملاً إلى إفساد المجال العام لصالح القوى غير المؤهلة أو الفاسدة، فيغدو الانسحاب—من حيث لا يشعر صاحبه—سبباً مباشراً في تمكين المفسدة التي يرفع الشعار لمناهضتها. فالنظر الفقهي لا يقف عند الفعل أو شكليته، بل يمتد لتمحيص الآثار المترتبة عليه في أرض الواقع.

خلل التقدير السياسي

تتضح هذه المسألة بصورة أكبر عند تفعيل القواعد الأصولية المرعية، وفي مقدمتها قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”. فإذا تقرر أن حفظ المصلحة العامة ورفع الضرر عن الناس واجب شرعي وعقلي، وتبين في ظرف معين أن المشاركة والتصويت يمثلان الوسيلة الوحيدة أو الأجدى المتاحة لمنع مفاسد أكبر أو لترجيح كفة مرشح يتسم بالكفاءة والنزاهة على حساب مرشح يغلب على الظن إضراره بالبلاد، فإن التصويت ينزع هنا نحو الوجوب المقاصدي. لا يعني ذلك جعل الانتخابات عبادة بذاتها، بل تطبيقاً لمبدأ سيرورة الوسيلة إلى حكم غايتها. وحينئذٍ، فإن إطلاق الدعوة إلى المقاطعة الشاملة في مثل هذه الحالات قد يفضي إلى تفويت مصالح راجحة وتمكين مفاسد كان من الممكن درؤها، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة الآسلامية القائمة على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

غير أن الخلل لا يقف عند حدود التقدير السياسي، بل يتجاوزه حين يتحول الخطاب الداعي للمقاطعة إلى نوع من الوصاية الدينية التي توحي بأن الموقف المتبنى هو التعبير الوحيد عن الامتثال الشرعي، وأن المخالف له مرتكب لخطيئة أو مداهن للفساد. إن هذا الصنيع ينطوي على مخاطرة منهجية تمس الفكر الإسلامي نفسه؛ حيث يُسقط الاجتهاد البشري المتردد بين الخطأ والصواب على النص المعصوم، ويُستعاض عن الحجة العلمية بالبيان الحزبي. والجماعة الصادقة في تنظيرها المطالبة بحماية حياض الدين لا بد أن تفرق بجلاء بين موقفها السياسي بصفتها حركات مدنية تختار ما تراه أنفع في أساليب النضال، وبين إصدار الأحكام الشرعية التكليفية التي تتطلب أدلة قطعية ومناطات محققة ومراعاة دقيقة للمصالح والمفاسد .

الغلو المضاد

وفي المقابل، فإن الإنصاف المنهجي يقتضي أيضاً عدم الوقوع في الغلو المضاد عبر جعل المشاركة الانتخابية واجباً مطلقاً في كل الظروف. فمن المحتمل جداً أن توجد حالات تكون فيها العملية الانتخابية مجرد أداة لإضفاء المشروعية على الفساد في بعض الدوائر والمدن، أو تكون الخيارات المتاحة كلها متساوية في السوء، بحيث لا تحقق المشاركة أي أثر مثبت يمكن من خلاله معالجة الفساد الظاهر والبين. وفي مثل هذه الأحوال، تخضع المقاطعة لاجتهاد مقاصدي يرى فيها خياراً راجحاً. والفرق الفاصل هنا هو أن المقاطعة أو المشاركة في هذا التقدير تصدران عن نظر متجدد في الواقع والمآلات، وليس عن عقيدة تنظيمية جامدة تستنسخ الأحكام بقطع النظر عن تغير السياقات .

تتطلب المرحلة المعاصرة من الجماعات الإسلامية الانتقال من عقلية احتكار الحقيقة الشرعية إلى منطق المشاركة والترشيد، ومن فقه الجماعة إلى فقه الدولة؛ فالإسلام أوسع من أن يختزل في برنامج حزب أو قرار جماعة، والاجتهاد السياسي لا يكتسب العصمة بمجرد التلفظ بالمصطلحات الفقهية، والمجتمع لا يحتاج إلى ارشادات وتوجيهات وصائية تصادر فكره وتملي عليه سلوكه الانتخابي؛ بل إلى خطاب واعي ينمي لدى الفرد حس المسؤولية الفردية، ويدعوه للتدقيق والموازنة بين المفاسد والمصالح، واختيار الأقدر على خدمة الأمة وفق ما يمليه عليه ضميره وأمانته أمام الله .

إن المسلم الذي يمارس حقه الانتخابي بقصد ترجيح الأخف ضرراً أو دعم الأقوى أمانة وكفاءة، إنما يمارس عملاً إيجابياً محفوفاً بالنيات المقاصدية الصالحة، ولا يجوز تحجيم فعله أو وصمه بالتفريط. كما أن من يختار المقاطعة عن قناعة موضوعية بإنعدام الجدوى دون أن يفرض رؤيته على غيره يمارس حقاً سائغاً قد ضمنه له قانون الأرض والسماء ، والمحك الحقيقي يتجلى في التمييز بين فقه مقاصدي مرن يزن الأمور بموازين الشرع والمآلات، وبين خطاب سياسي يستغل الرمزية الدينية لتحويل اختياراته التنظيمية إلى مسلمات إيمانية، تجعل من صندوق الاقتراع محكمة للموالاة والمعاداة بدلاً من أن يكون مجرد أداة إجرائية لتدبير الشأن العام .

آخر الأخبار

خيميز يرسم ملامح حقبته مع الرجاء: "جئت لأجل الألقاب وكرة القدم الهجومية"
أكد المدرب الإسباني باكو خيميز، خلال الندوة الصحفية لتقديمه رسميا اليوم الثلاثاء بأكاديمية النادي في بوسكورة، أن توليه تدريب الرجاء الرياضي يشكل تحديا كبيرا وخطوة هامة في مسيرته التدريبية. ​وقال خيميز إنه يمتلك دراية كاملة بحجم النادي وتاريخه الحافل، مشددا على أن القاعدة الجماهيرية العريضة للنسور والتطلعات المستمرة لإعتلاء منصات التتويج كانت الحاسمة في اتخاذه […]
العيناوي ينضم رسميا إلى لايبزيغ الألماني لموسم واحد بنظام الإعارة
أعلن نادي لايبزيغ الألماني رسميا عن تعاقده مع لاعب الوسط المغربي نائل العيناوي قادما من نادي روما الإيطالي على سبيل الإعارة لموسم 2026/2027، مع إدراج خيار الشراء النهائي في العقد، وسيحمل اللاعب الرقم 21 مع الفريق. ​وفي أول تصريح له عقب إتمام الصفقة، أبدى العيناوي حماسه الكبير لهذه الخطوة، مشيرا إلى أن لايبزيغ يتمتع بسمعة […]
حداد : هكذا تسببت المحكمة الإسبانية و مافيات الهجرة في أحداث سبتة المحتلة
ألقى الوزير السابق ورئيس اللجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لحسن حداد بمسؤولية ما حدث في سبتة المحتلة في 30 يوليوز الماضي إلى قرار المحكة العليا الإسبانية وعمليات تعبئة ة تجييش من طرف مافيات الهجرة.حداد الذي حل مساء يوم الثلاثاء 1 شتنبر 2026 ضيفا على برنامج “مفاتيح الاقتصاد” على أثير إذاعة “ميد راديو”، أوضح […]