هناك أخبار تمر مرور الكرام، وهناك أخبار تحمل بين سطورها ما هو أكبر من الحدث نفسه. والإشادة التي حظيت بها مشاركة الأطر الأمنية المغربية في مركز التعاون الأمني الدولي المكلف بتأمين كأس العالم 2026 تنتمي إلى الصنف الثاني. ليس لأنها تتعلق بالمونديال، ولا لأنها صادرة عن مسؤول أمريكي رفيع، بل لأنها تعكس شيئا ظل المغرب يشتغل عليه بصمت لسنوات: بناء الثقة.
في عالم الأمن، لا أحد يوزع شهادات التقدير بالمجان. ولا أحد يفتح أبواب غرف التنسيق الأكثر حساسية إلا لمن أثبتوا، مرة بعد أخرى، أنهم قادرون على تحمل المسؤولية. لذلك، فإن وجود ممثلين عن المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وسط نخبة من الأجهزة الأمنية التي تسهر على تأمين أكبر تظاهرة رياضية في العالم، ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل نتيجة مسار طويل من العمل المتواصل.
وراء هذا الحضور سنوات من اليقظة، والتكوين، والعمل الاستباقي، والتعاون مع أجهزة أمنية في مختلف أنحاء العالم. ووراءه أيضا رجال ونساء اختاروا أن يشتغلوا بعيدا عن الأضواء، لأن طبيعة مهنتهم تقتضي أن يقاس نجاحهم بما لم يقع، لا بما وقع. فحين يمر حدث عالمي دون تهديدات أو اضطرابات، نادرا ما يتساءل الناس عن الجهود التي بذلت في الكواليس حتى يبدو كل شيء عاديا.
المغرب لم يصل إلى هذه المكانة بين ليلة وضحاها. لقد بنى صورته الأمنية خطوة بعد أخرى، من خلال تحديث مؤسساته، والاستثمار في العنصر البشري، وتطوير وسائل العمل، والانفتاح على أحدث أساليب التعاون الدولي. ومع مرور الوقت، لم تعد المملكة شريكا يطلب منه فقط الاستفادة من الخبرات، بل أصبحت هي نفسها طرفا يطلب منه أن يساهم بخبرته.
ولعل ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تكتف بتأمين الداخل، على أهمية ذلك، بل أصبحت جزءا من الجهد الدولي لمواجهة التهديدات التي لم تعد تعترف بالحدود. فالإرهاب والجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية وتحديات تأمين التظاهرات الكبرى كلها ملفات تفرض على الدول أن تشتغل معا، وأن تتقاسم الخبرة والمعلومة في الوقت المناسب. وفي هذا السياق، وجد المغرب لنفسه مكانا بين شركاء ينظر إليهم باعتبارهم فاعلين موثوقين.
ولا يمكن فصل هذا الحضور عن الاستعدادات التي يقوم بها المغرب لاستضافة كأس العالم 2030. فكل تجربة يكتسبها اليوم، وكل تنسيق يشارك فيه، وكل آلية يطلع عليها، ستتحول غدا إلى رصيد إضافي عندما تستقبل المملكة ملايين الزوار وعشرات المنتخبات على أرضها.
لكن الأهم من كل ذلك أن هذا المسار يقدم صورة مختلفة عن المغرب. صورة بلد لا يكتفي بالدفاع عن أمنه، بل يساهم أيضا في حماية الأمن الجماعي، ويؤمن بأن الاستقرار أصبح مسؤولية مشتركة لا يمكن لأي دولة أن تتحملها بمفردها.
قد لا تتصدر هذه الإنجازات عناوين الأخبار مثل أهداف اللاعبين أو نتائج المباريات، لكنها تبقى جزءا من قصة أكبر. قصة مؤسسات بنت سمعتها بهدوء، ورسخت مكانتها بالعمل، حتى أصبح اسم المغرب يحضر في النقاش الأمني الدولي باعتباره شريكا يعتمد عليه. وفي زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، تظل الثقة هي العملة الأصعب، وحين تنجح دولة في كسبها، فإنها تكون قد حققت إنجازا لا يقل أهمية عن أي لقب يرفع فوق منصات التتويج.
