كشفت الأحداث الأخيرة مرة أخرى على أن العلاقات المغربية الإسبانية تكتنفها العديد من الإشكالات التي تتطلب الكثير من التأني وبعد النظر في التعاطي معها.
فلقد استطاع البلدان في الأربع سنوات الأخيرة تجاوز مجموعة من المطبات التي كانت تفرمل تطوير العلاقات الثنائية لما هو أبعد من علاقات حسن الجوار إلى فتح إمكانات لشراكة استراتيجية مستدامة، غير أن بعض حوادث السير التي تنتصب فجأة تعيد إلى الواجهة صورا عديدة من أشكال القلق والحذر الموروثة.
إن المصالح الاقتصادية الثنائية، فضلا عن أشكال التهديد المشتركة التي تستهدف البلدين كليهما في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة، كانت الأساس للتقارب بين البلدين دوما، وكانت الذريعة الإيجابية لعودة العلاقات أكثر قوة بعد كل توتر عارض.
غير أن هذه التوترات نفسها، وإن كانت تتسم بطابعها العرضي، فإنها تكشف أن الجار الشمالي لم يحسم في العديد من العقد الموروثة من تاريخ الصراع بين ضفتي المتوسط، وهي عقد يتشابك فيها التاريخي بالديني، والمتخيل بأنماط التضليل المصنوع.
ولهذا يحضر المغرب دوما في النقاش السياسي العمومي بالجارة الإسبانية، وخصوصا خلال المحطات الانتخابية، وخلال الأزمات الاجتماعية والسياسية.
حتى، وإسبانيا تشيد صورتها التي تريد تصديرها للعالم، فإنها تستحضر المغرب ضمنيا، سواء من مدخل المقارنات، أو من مدخل المخاوف، فهي تحتفي بكونها حائط الصد الأول الأوروبي امام موجات الهجرة غير النظامية، وفي الأن نفسه تقدم نفسها ضحية لموقعها الجغرافي الذي يجعلها أوروبيا مكلفة بهذه المهمة.
وفي الأحداث الأخيرة بسبتة المحتلة، والتي لا زالت تداعياتها مستمرة، اجتمعت في توقيت واحد ورقتان من الأوراق التي يعرف اليمين المحافظ الإسباني كيف يعزف على وترهما: والمقصود ورقتا الهجرة غير النظامية وورقة الإسلاموفوبيا، وخاصة ان مسرح الأحداث لم يكن سوى الثغر المحتل، الذي منذ تمتيعه بصفة الحكومة المحلية، ويتوارث تدبيره هذا اليمين المسكون بعقد الماضي.
وفي تدبير ملف الهجرة غير النظامية يسعى الإسبان المدججين بآلة إعلامية ضخمة إلى محاولة الترويج لصورتين متناقضتين، فمن جهة يقدمون وجها لإسبانيا الإنسانية، التي يقوم خفر سواحلها بإنقاذ العالقين في مضيق البوران، وتقوم جمعياتها الخيرية والمدنية بتقديم الوجبات للجائعين من المهاجرين غير النظاميين، فيما يتكلف الصليب الأحمر الإسباني بعمليات التطبيب والإسعاف، ومن جهة أخرى يصورون المغرب بلدا يقوم بانتهاكات لحقوق المهاجرين، ودركيا في المنطقة مقابل مساعدات يتلقاها من الاتحاد الأوروبي.
إن هذه الكليشيهات المغلوطة هي استئناف للصور نفسها العائدة إلى الحقبة الكولونيالية.
لقد قدم المغرب الأدلة الدامغة على أن تكلفة معالجة ملف الهجرة غير النظامية هي أعلى بكثير مما يقدمه الاتحاد الأوروبي له، والذي ليس مساعدات، بل هو مساهمة الاتحاد الأوروبي في حماية حدوده وأمنه.
وما يقوم به المغرب من تأمين للحدود، ومحاربة لشبكات الهجرة غير النظامية والاتجار في البشر، ومساعدة المهاجرين سواء النظاميين أو غير النظاميين، خصوصا القادمين من الدول الإفريقية جنوب الصحراء، وسواء الذين يعتبرون المغرب دولة عبور أو دولة إقامة، يدخل في صميم ما يعتقده واجبا في حفظ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وهو في هذا واع بأن الهجرة ملف معقد ومتشابك، وبأنه في أحد أوجهه نتاج للعلاقات غير المتكافئة بين دول الشمال الغنية، ودول الجنوب المفقرة، وبانه كذلك من إفرازات الحقبة الاستعمارية التي صنعت واقع التجزئة وخلق الكيانات الانفصالية، وإثارة النعرات القبلية والإثنية، وسرقة ثروات دول الجنوب، ومحاربة كل محاولات لهذه الدول من اجل استعادة استقلالية قرارها السيادي.
إن ما يقع اليوم بثغر سبتة المحتلة، يفضح الوجه الحقيقي لتعامل السلطات الإسبانية مع المهاجرين، وخصوصا من طرف حكومة فيفاس في سبتة.
تمارس هذه الحكومة المحلية نهج التجويع الممنهج، والاعتداءات الجسدية المتكررة من طرف القوات العمومية، والتواطؤ مع التيارات العنصرية الفاشية، وحماية عناصرها وتسهيل جرائمها التي تستهدف المهاجرين غير النظاميين، كما ان رفضها للتعاون مع المغرب من أجل استعادة القاصرين غير المرفوقين، يفند كل ادعاءاتها الحقوقية بخصوص المصلحة الفضلى للقاصرين، حين تمعن في فصلهم عن أسرهم.
وفي الجهة المقابلة، فإن المغرب حرص كل الحرص في سعيه لإيقاف موجات العبور نحو سبتة المحتلة على احترام المقتضيات القانونية والحقوقية.
ففي 30 غشت، وأمام الأعداد الكبيرة لضحايا النداءات المجهولة التي مررت إشاعة فتح المعابر، لم تستعمل القوات العمومية المغربية القوة المفرطة، حتى لا يتسبب الأمر في ضحايا ومآسي، وكانت حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية مقدمة على أي هاجس او التزام آخر، وهو ما يفسر أن العدد الأكبر من الضحايا (غرقى، ومعطوبين،،) كان في الجانب الذي تديره إسبانيا، وليس على الجانب المغربي، وهو ما أفسد السردية الإسبانية التي لطالما كانت تروج للعكس (إسبانيا الإنسانية في مقابل المغرب العنيف).
إن إسبانيا اليوم مدعوة إلى استخلاص العبر المفيدة لمستقبلها أولا، ولمستقبل العلاقات بين ضفتي المتوسط، غير أن الهستيريا الإعلامية الحالية، التي تعيد إنتاج تمثلات الماضي السخيفة، وتحاول ان تقنع الشعب الإسباني بانه امام خطر “الاستبدال الكبير”، وأن العدو التاريخي لهم هم “الموروس” ، وان ما وقع هو حلقة من حلقات مخطط يعده المغرب على مهل لاستعادة الأندلس ، وغيرها من الترهات، تفيد بأن القوم لا زال يسكنهم الهوس الامبريالي، وعقدة تفوق الرجل الأبيض.
لا ننكر أن بلدنا يعاني الكثير من الأزمات، ولكنه على الأقل لا يسعى لإلقاء وزر مشاكله على جيرانه، بل يسعى إلى بناء نموذجه الخاص في التنمية، وهذا النموذج يوقن المغرب انه كما سيكون في صالحه، سيكون في صالح كل دول الجوار، عن هي تخلصت من توهماتها الموروثة.
