جيل التنمية الجديد ينهي زمن ” السرعتين” ويؤسس لتعاقد واقعي بين الدولة والمواطن

بواسطة الأحد 26 أبريل, 2026 - 18:23
رشيد لبكر أستاذ القانون العام رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق بالجديدة

حوار مع رشيد لبكر، أستاذ القانون العام، رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق بالجديدة

في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها الهيكلة الترابية للمملكة، يبرز جيل جديد من البرامج التنموية كاستجابة مباشرة للتحديات الاجتماعية الملحة. فمن “مكاتب الدراسات المغلقة” إلى “رحم المشاورات الميدانية”، ومن “الوعود الورقية” إلى “الالتزامات المالية والزمنية الدقيقة”، يبدو أن المغرب يخطو بثبات نحو نموذج تدبيري يربط المسؤولية بالمحاسبة في أبهى صورها.

في هذا الحوار، يستعرض الدكتور رشيد لبكر، أستاذ القانون العام ورئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق بالجديدة، خطوات هذا التحول، وكيف ستتحول الرقابة من “شكلية المساطر” إلى “نجاعة الأداء”، وما هي مآلات العمل التمثيلي في ظل تنامي دور “رجل السلطة” والشركات الخاضعة للقانون الخاص في هندسة التنمية المحلية

كيف يمكن اعتبار هذا البرنامج من الجيل الجديد من برامج التنمية، وكيف يختلف عما عهده المغرب منذ الاستقلال؟

طبعا يشكل هذا الجيل الجديد من البرامج  تحولا كبيرا مقارنة مع كل البرامج الترابية التي اعتمدتها المملكة منذ عهد الاستقلال، وذلك على عدة مستويات، أولا من حيث بلورة هذه المشاريع، التي يبدو أنها لم تكون وليدة المكاتب، ولكنها انبثقت من رحم مشاورات موسعة مع المواطنين، وبالتالي فهي ذات بعد واقعي وتعبر عن طموحات و تطلعات هؤلاء المواطنين، والتي عبروا عنها – كما سبقت الإشارة في اجتماعات عامة وموسعة، مكنت المدبر الترابي من الوقوف على مواطن القوة ونقط الضعف وقدمت تشخيصا ترابيا واقعيا ومتعدد المستويات والقطاعات، بحيث شمل مجالات  السكن والصحة والماء والتعليم وغيره ، ثانيا أن هذه البرامج لم تقدم  نفسها في شكل وعود متمنيات على الورق، بل جاءت مضمنة في إطار خطة زمنية مضبوطة الآجال ( 08 سنوات) وبغلاف مالي مهم ناهز 210 مليار درهم، الشيء أكسبها الجدية والواقعية التي كانت تفتقدها العديد من البرامج السابقة، حيث كثيرا ما كانت عبارة عن إعلان نوايا دون أجندات زمنية واضحة، ثم إنها تحظى بدعم ملكي مباشر وجاءت تتويجا للتشريح الترابي الذي قدمه جلالته في خطاب العرش الأخير، عندما قال بأنه لا مكان اليوم لمغرب يسير بسرعتين، وبالتالي يمكن اعتبارها بمثابة ترجمة عملية لهذا الإصرار الملكي على القطع بين واقع السرعتين المتباينتين، ومن المؤشرات الدالة أيضا على هذا التحول، هو ربط هذه البرامج بالإصلاح الجهوي جانب و بين المحلي والمركزي من جانب آخر،  وهو ما يفيد بأن النظرة هي نظرة شمولية ومتكاملة وتضمن الالتقائية المطلوبة التي كانت دائما هي الحلقة المفقودة في البرامج السابقة، ثم لا ننسى أيضا أن هذه البرامج – وهذا من مؤشرات التحول أيضا- فتحت المجال أمام المواطنين للتبع والرصد والنقد ودرجة التقدم في التنفيذ، وهذا ضمان للشفافية والوضوح الشيء الذي سيتيح اندماجية أكبر للمواطنينفيها وبالتالي دعمها والتفاعل معها .  

كيف يغير البرنامج نظرة المواطن من “مستهلك للخدمة” إلى “مراقب لعمل المسؤول”؟

يمكن أن يتأسس ذك على مستويين اثنين، الأول هو أن المواطن أضحى شريكا أساسيا في هذه البرامج لأنه ساهم بمقترحاته ومناقشاته في صياغتها وبلورتها، وبالتالي فقد أصبح هو ذاته صانع  محتوى إن جاز هذا التعبير، يعني هو الذي اقترح الخدمة والخدمة نابعة من تصوراته وتطلعاته ولم يعد فقط مجرد مستهلك لها، أما المستوى الثاني، هو أن التوجه الجديد الناظم لهذه البرامج فتح المجال أمام المواطن ليكون شركا آخر على مستوى الرصد والمتابعة والمراقبة على جميع مراحل  التنفيذ، وذلك من خلال المنصة الرقمية التي ستكون  مفتوحة أمام كل المواطنين المعنيين بهذه البرامج للإدلاء بآرائهم حيالها، والتنبيه عن أي تأخير وتجاوز في إخراجها إلى حيز الوجود، بمعنى آخر، أن المواطن أصبح في قلب هذه البرامج ومتملك لها وهو ذاته حريص عليها، وأعتقد أن هذا التوجه، سيؤدي على المدى المتوسط والطويل إلى تأسيس ثقافة جديدة تقطع مع عهد اللامبالاة وعدم الاهتمام التي كان يبديها المواطن  تجاه البرامج العمومية المعلن عنها، إلى واقع يصبح فيه المواطن ليس فقط متهم بهذه البرامج، بل مساهم  ومدافع عنها.

ما هي القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية التي يستهدفها البرنامج لتحسين عيش المواطنين؟

كما جاء في بيان المجلس الوزاري، فإن هذه البرامج جاءت تتويجا لسلسلة من النقاشات العمومية التي نظمت في كل عمالات المملكة تقريبا، بهدف إشراك المواطنين في بلورتها، عن طريق الاستماع إليهم في جلسات عامة، بطريقة ديموقراطية، صريحة وبعيدة عن لغة الخشب، شخصيا، كنت من بين الذين سهروا على تنشيط بعض هذه الاجتماعات في عمالة سيدي بنور، وتم التركيز على بعض القطاعات  ذات الأولوية تحظى باهتمام المواطنين أكثر من غيرها، وهي التي أشار إليها البيان الوزاري، وأقصد الصحة بالدرجة الأولى ثم التعليم  والتشغيل والإقصاء الاجتماعي، وأعتقد أن هذه القطاعات هي بالفعل  التي يتأسس عليها العيش الكريم، و تحظى باهتمام المواطنين وتشكل أهم تطلعاته.

بأي معنى يعتبر البرنامج تجسيدا لمفهوم “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في تدبير الشأن المحلي؟

كما سبقت الإشارة فإن المشاريع المبرمجة في إطار هذه البرامج المندمجة، رصد لها غلاف مالي كبير  وأجندة زمنية مضبوطة، كما أنها تحظى بإشراف مباشر من جلالة الملك، وبالتالي فالأمر لا يتعلق بأماني ومتمنيات، بل بالتزامات أطراف محددة بدقة، تبتدأ من اللجآن المحلية إلى اللجان الجهوية  وصولا إلى اللجنة المركزية، وكل واحدة منها، حددت لها اختصاصاتها ورسمت لها دائرة الأدوار التي تضطلع بها، وبالتالي فلا مكان للتهرب ولا للاختباء، فإما العمل و إما الانسحاب، فمن الطبيعي أن هذا الجيل من البرامج، يؤسس لرؤية حديثة في مجال ربط المسؤولية بالمحاسبة، تصبح فيه مواكبة هيئات المراقبة، دائمة ولصيقة لكل المشاريع المبرمجة ، ولن يسمح بأي تقصير أو تراجع، بمعنى أن الاختلالات ستتم معالجتها في الحين وكل من عجز عن المواكبة سيجد نفسه على الهامش، لن تكون هناك مراقبة لا بعدية ولا حتى قبلية، بل مراقبة دائمة ومواكبة وعلى طول الطريق، وأعتقد أن هذا هو المفهوم الجديد لربط المسؤولية بالمحاسبة الوارد في سؤالك.

كيف ستتحول الرقابة من “مراقبة كلاسيكية للمساطر” إلى “رقابة الأداء والمردودية”؟ وكيف سيتم تجاوز تعقيدات الصفقات العمومية الكلاسيكية التي كانت تقيد الوكالات الجهوية سابقا؟

الرقابة المزدوجة التي سيمارسها كل من المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية ستزيد في الرفع من منسوب المصداقية والنزاهة في هذه المشاريع، وهذا شيء طبيعي، لكن ما تجب الإشارة إليه، كما ورد في بيان المجلس الوزاري، هو أن هذه  الرقابة، لن تكون رقابة كلاسيكية تعتمد على فحص حسابات فقط، بل ستتحول إلى رقابة تدبير وآداء واحترام لمساطر وآجال التنفيذ، أي أنها رقابة مساندة ومواكبة، مراقبة حاضرة في كل مراحل الإنجاز، فكلما رصدت هذه المفتشيات اختلالا ما، عكفت على معالجته في الحين حتى لا يستفحل أمره، لكي نضمن لهذه المشاريع انسيابية أكبر على مستوى التنفيذ.

كيف سيتم تجاوز تعقيدات الصفقات العمومية الكلاسيكية التي كانت تقيد الوكالات الجهوية سابقا؟

بكل بساطة، لأن البرامج الجديدة تؤسس لشركات مساهمة خاضعة للقانون الخاص، وبالتالي يسري عليها ما يجري على  باقي شركات القطاع الخاص، فمن المعلوم أن  التوجه الحالي الذي تبشر به هذه البرامج الجديدة، يرمي فيما يخص آليات التنفيذ، إلى إحداث شركات مساهمة يترأس مجلس إدارتها رئيس الجهة، بدل  شركات الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع المحدثة بموجب القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، والهدف في هذا التغيير كما جاء في بيان المجلس الوزاري، هو الجمع بين متطلبات الحكامة والرقابة العمومية، ومرونة التدبير ونجاعة الأداء المستمدة من القطاع الخاص، وأعتقد أن هذا شيء مهم، لأن القطاع العام، معروف عنه، بطئ المساطر إن لم نقل تعقد الشكليات الشيء الذي يؤدي دائما إلى تبطيء عجلة الإنجاز، وبالتالي أعتقد أن تأسيس شركة مساهمة خاضعة للقانون الخاص، من شأنه أن يعطي مرونة أكبر على مستوى التنفيذ وسرعة في الإنجاز وسهولة في المراقبة، وهذا كله من المؤشرات الدالة على أن هذه البرامج تختلف فعلا عن سابقتها، وتعطي توجها جديدا للنماذج التنموية التي سيتم اعتمادها في البلاد، لذا أتمنى أن يتم تمديدها لتصبح العقيدة الجديدة لتدبير مشاريع التنمية ببلادنا.

كيف تساهم المنصات الرقمية في تعزيز مبدأ الشفافية وإشراك المواطن في تتبع المشاريع؟

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن هذه البرامج تنص أيضا على خلق منصات رقمية خاصة المواطنين، غايتها فتح الباب أمام الجميع من أجل التزود بالمعلومات الكافية عن أي مشروع، ثم منحه الحق في  تتبع الإنجاز و رصد كل التعثرات وإبداء رأيه في ما يخطط لمجالها الترابي من مشاريع، بكل وضوح وشفافية مادامت البوابة مفتوحة في وجه كل المواطنين بدون استثناء، وهذا بدوره تجسيد لأبعاد النموذج التنموي الترابي الجديد، الذي يرفع من قيمة المواطن إلى درجة الشريك الفعلي كل البرامج المسطرة، وهذا ما سيؤدي بنا في آخر المطاف، إلى بناء مواطن جديد، فاعل ومتفاعل مع قضايا التراب ومتملك لها، بدل التهميش و  الانزواء وعدم الاكتراث.

لتنمية المندمجة هل هي نهاية المنتخب؟ اي دور يمكن أن يناط بالجماعات الترابية خارج التتبع والاقتراح؟

أولا هذه البرامج لم تلغي القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وبالتالي فالاختصاصات المسنودة للمجالس المنتخبة بمقتضى هذه القوانين مازالت قائمة، ولا يمكن الاختباء وراء وراء هذه البرامج لتبرير حالة العجز والجمود التي تطبع عدد من هذه المجالس، ثانيا، هذه البرامج جاءت لتجاوز حالة التفاوت القائم بين الجماعات وتدارك الخصاص المسجل فيها ولاسيما في المجالات التي تحظى باهتمام أكبر من لدن المواطنين، وثالثا، أن هذه البرامج ، ولاشك، ستقدم تمرينا تدريبا للمجالس حول كيفية الاشتغال على المشاريع، وجعل مطلب التنمية وخدمة المجال مقدما على أي صراعات سياسوية، وفي اعتقادي، أن إقرارها، يحمل انتقادا مبطنا للعمل الترابي الذي يشرف عليها المنتخبون اليوم، بعدما أغرقوا الزمن التدبيري في كيل الاتهامات لبعضهم البعض وفي البحث عن المنافع والمكاسب الشخصية عوضا عن ممارسة الاختصاصات المسندة لهم، وأوصلوا المجال الترابي لواقع يسير بسرعتين، وم يكن هناك في الأفق مؤشرات تنبئ باحتمالية وجود تغيير ما، فهل ستبقى الدولة واقفة تتفرج على هذا الواقع المؤلك؟ طبعا لا، لأنها هي الأخرى لها التزامات اتجاه المواطن وله عليها حقوق يجب الوفاء بها.

هناك تنامي عظيم لتدبير رجال السلطة؟

هذا هو الواقع الذي يجب الإقرار به، العديد من البرامج والمشاريع التي أقرتها الدولة لم تعرف طريقها نحو التنفيذ الفعلي إلا بعد تدخل رجال السلطة، بل حتى الأزمات التي عرفتها بلادنا سواء تعلق الأمر بكورونا أو بغيرها من كوارث كانت الكلمة الفصل فيها للسادة القياد بالدرجة الأولى، هذا واقع لا يرتفع ويجب التعامل معه بواقعية، كلما أرادت الدولة إنجاح مشروع ما عهدت به إلى رجال السلطة، ربما لأنها تلمس الجدية والصرامة وروح المسؤولية التي لا تجدها في كثير من المجالس التي حولت  اجتماعاتها إلى تراشق بالكراسي وتنابز بالتهم.

هل يعني اقرار نموذج تنمية ترابية مندمجة مراجعة للجهوية المتقدمة؟

بالعكس، الجهة ستصبح أقوى مع هذه البرامج التي منحتها أهلية الإشراف والتنسيق والمتابعة، هذا إلى جانب أن القانون التنظيمي الخاص بها هو على موعد من تعديل هام كما جاء في بيان المجلس الوزاري، من شأنه أن يوضح وضعية الاختصاصات الملتبسة وغير الواضحة تماما بين المجالس الجهوية والأجهزة المركزية ، لاسيما على مستوى الاختصاصات، الأصلية منها والمشتركة والمنقولة، إذ العديد من هذه الاختصاصات مازالت على الورق فقط، فأتمنى أن تشكل هذه البرامج بداية عهد جديد لتوضيح الأمور وتفعيل الجهات والرقي بالمجالات الترابية ببلادنا.

آخر الأخبار

أول ماراثون في التاريخ تحت حاجز الساعتين يعيد تعريف حدود الجسد البشري
في حدث غير مسبوق، دخل ماراثون لندن سجل التاريخ من أوسع أبوابه، بعدما نجح العداء الكيني سيباستيان ساو في كسر واحد من أكثر الحواجز صلابة في عالم الرياضة: النزول بزمن الماراثون تحت ساعتين في سباق رسمي ومعتمد. ساو لم يكتفِ بتحطيم الرقم القياسي العالمي، بل حقق زمناً “خارج المألوف”، ليصبح أول عداء في التاريخ ينجح […]
إرهاب الدولة في أبشع صوره.. الجيش الجزائري يعدم ميدانيا ثلاثة صحراويين
أفادت مصادر محلية داخل معسكرات الاحتجاز بتندوف، بقيام دورية عسكرية تابعة للجيش الجزائري بـ “إعدام ميداني“ استهدف ثلاثة شبان، وذلك يوم 25 أبريل بالقرب من منجم “غار جبيلات” جنوب غرب الجزائر. وتؤكد المصادر ذاتها أن الدورية العسكرية أطلقت النار بشكل مباشر وعنيف على مجموعة من المنقبين التقليديين عن الذهب، مما أسفر عن مقتل شابين في […]
بالصور.. من مواجهة الرجاء و الفتح ضمن منافسات الجولة السادسة عشرة من البطولة الاحترافية