ثلاثة وخسمون اشتراكيا في البرلمان.. اليسار وتصحيح تاريخ إضاعته للفرص

بواسطة الأحد 27 سبتمبر, 2026 - 18:32

لم يكن الجديد الذي أفرزته انتخابات 23 شتنبر هو تصدر الأصالة والمعاصرة للنتائج النهائية، فذاك مما كان يتوقعه كثيرون، كما أن التركيبة الاجتماعية التي يعبر عنها هذا الحزب، وكذا مرجعيته، والبروفايلات التي نجحت باسمه لا تختلف عن تلك التي كان يقدمها حزب التجمع الوطني للأحرار في الولاية البرلمانية التي انقضت، وبالتالي يصح القول إنه تغيير في الترتيب بين فريقين متشابهين في الأسلوب والخطط والتشكيلة، في بطولة نادرا ما تفرز مفاجآت.

   لكن ثمة إمكانية لانبعاث الجديد، الذي يلزم رعايته بأناة وحكمة، وتنحية لأحكام القيمة المسبقة، ونسيان لصراعات الماضي المطبوعة بسياقات انتهت.

 ونقصد بذلك الحضور الكمي والنوعي لليسار في البرلمان.

ذلك ان فوز تحالف اليسار الذي يمثل أقصى اليسار الإصلاحي بثمانية مقاعد، يعد بمثابة حدث استنائي في تاريخ اليسار المغربي، باعتبار ان هذا التحالف يمثل امتدادا نوعيا لتجربة منظمة العمل الديموقراطي الشعبي، والتي لم تستطع حتى في زمن اكتساح اليساريين للجامعات والنقابات أن تتجاوز الأربعة مقاعد في أفضل الحالات.

 وهذا الصعود لرفاق ورفيقات جمال العسري وعبد السلام العزيز، حدث متزامنا مع تحول لافت في البروفايلات التي نجحت باسم حزبي “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”التقدم والاشتراكية”.

ونقصد بالتحول فشل أغلب المترشحين من فئة “الأعيان الانتخابيين” الذين ترشحوا باسم هذين الحزبين في الظفر بمقعد برلماني، على عكس المرشحين الذين ينحدرون من التنظيمات القاعدية لهذين الحزبين، او القادمين من تجارب جمعوية ونقابية وحقوقية ونسائية.

  لقد كان من جملة التحولات التي عرفتها بعض الأحزاب اليسارية في المحطات الانتخابية هو انفتاحها على كائنات انتخابية من خارجها، ولم يكن ذلك بدافع الانتهازية في أغلب الحالات، إنما كان محاولة لإنقاذ الحضور اليساري في البرلمان وباقي المؤسسات الانتخابية، وذلك حين تراجعت الاعتبارات السياسية والإيديولوجية في نوايا التصويت، لصالح المنافع التي يمكن أن تحصلها الكتل الناخبة عبر التصويت لهذا أو ذاك.

  ولقد نجح هذا الانفتاح في ضمان استمرار أحزاب يسارية متوفرة على فرق برلمانية، وعلى إمكانيات للتفاوض حين تشكيل الأغلبيات الحكومية، لكنه في المقابل طرح أسئلة عن هويتها اليسارية، وأبعدها عن باقي مكونات اليسار، التي بدورها بدأت بإنتاج خطاب إقصائي واتهامي تجاه مدارس حزبية يسارية مؤسسة لكل التجارب الاشتراكية اللاحقة، ليس على المستوى الحزبي فقط، بل حنى على المستويات الحقوقية والطلابية والنقابية والجمعوية والفنية والنسائية والاحتجاجية.

إن وجود 53 نائبا ونائبة يمكن أن يشكلوا نواة كتلة يسارية محترمة كميا، ومؤثرة كيفيا، إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة. وهذا الرقم، في حد ذاته، ليس تفصيلا عابرا، لأنه يمنح اليسار إمكانية استعادة جزء من حضوره داخل المؤسسة التشريعية، والانتقال من موقع الفعل والتأثير، خاصة وان العديد من البرلمانيات والبرلمانيين الجدد في الثلاث تشكيلات اليسارية “الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، تحالف اليسارية” يعرفون بعضهم البعض، وسبق ان اشتغلوا سويا في محطات جمعوية وحقوقية، بل منهم من كانوا في تجربة حركة 20 فبراير.

لكن الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تصنع وحدها القوة السياسية. فالـ53 نائبا ونائبة لن يتحولوا تلقائيا إلى كتلة وازنة، ما لم تتوفر إرادة صادقة لتجاوز الحسابات الصغيرة، والتخلي عن منطق “نحن وحدنا اليسار”، وفتح نقاش هادئ ومسؤول حول القضايا المشتركة.

لقد دفع اليسار المغربي، لسنوات طويلة، ثمنا باهظا بسبب التشتت. وفي كثير من الأحيان، لم تكن المشكلة في غياب الأفكار أو البرامج، بل في العجز عن تحويل التقاطعات الموجودة إلى عمل مشترك. كانت الخلافات التنظيمية والشخصية، والصراعات حول من يمتلك الشرعية أو الأحقية في تمثيل اليسار، أقوى من الرغبة في بناء قوة سياسية قادرة على الدفاع عن المواطنين.

والنتيجة أن المجتمع ظل يرى يسارا متعددا في أسمائه، لكنه ضعيف في حضوره، متفرق في مواقفه، وغير قادر على ترجمة رصيده التاريخي والفكري إلى مبادرات ملموسة داخل البرلمان وخارجه.

اليوم، تتيح تركيبة مجلس النواب فرصة جديدة. فالكتلة اليسارية، إذا تشكلت على أساس واضح، يمكن أن تجعل من البرلمان فضاء حقيقيا للنقاش والمساءلة والاقتراح. ويمكنها أن تدافع بشكل جماعي عن قضايا العدالة الاجتماعية، والحريات، والمساواة، وحقوق النساء، والشغل، والتعليم، والصحة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية.

كما يمكنها أن تمنح العمل البرلماني معنى مختلفا، من خلال تقديم بدائل واقعية، ومواجهة السياسات التي تعمق الهشاشة، والانتصار للمواطنات والمواطنين الذين يشعرون بأن السياسة لا تنصت بما يكفي إلى انتظاراتهم اليومية.

غير أن بناء هذه الكتلة لا يعني إلغاء الاختلاف، ولا يتطلب من الأحزاب أن تتخلى عن هوياتها أو برامجها أو استقلالية قراراتها. فالاختلاف داخل اليسار أمر طبيعي، بل يمكن أن يكون مصدر قوة، شريطة أن يتحول إلى اختلاف منتج، لا إلى خصومة دائمة.

ما نحتاجه اليوم هو تنسيق ديمقراطي ومسؤول، يقوم على الحد الأدنى المشترك، وعلى الاتفاق حول القضايا الكبرى، وعلى احترام التعدد داخل الصف اليساري. فالعمل المشترك لا يعني أن يتطابق الجميع في كل شيء، بل يعني أن يعرف كل طرف متى يختلف، ومتى يتعاون، ومتى يضع المصلحة العامة فوق الحسابات التنظيمية.

وهنا تبرز مسؤولية القيادات الحزبية. إذ لا يمكن بناء كتلة يسارية قوية بعقلية الزعامة المنفردة، أو بمنطق احتكار صفة اليسار. فلا حزب، مهما كان تاريخه أو حجمه أو رصيده النضالي، يستطيع وحده أن يدعي تمثيل كل اليسار، كما لا يمكن لأي قيادة أن تعتبر نفسها صاحبة الحقيقة الوحيدة.

اليسار ليس ملكا لتنظيم بعينه، ولا هو شعار انتخابي موسمي. إنه تراكم نضالي وفكري ومجتمعي شاركت في بنائه أجيال من المناضلات والمناضلين، داخل الأحزاب والنقابات والجمعيات والحركات الاجتماعية. ولذلك، فإن الدفاع عن وحدته الممكنة ليس تنازلا عن المبادئ، بل هو وفاء لمعنى اليسار ودوره التاريخي.

إن تشكيل كتلة من 53 نائبا ونائبة هو أضعف الإيمان، لكنه قد يكون بداية لمسار سياسي جديد. بداية تعيد للبرلمان بعضا من النقاش الحقيقي، وتمنح اليسار فرصة للإنصات إلى المجتمع، وتجعل منه قوة اقتراح ومراقبة، لا مجرد حضور عددي متفرق.

المطلوب اليوم قليل من التواضع، وقليل من الشجاعة، وكثير من الإحساس بالمسؤولية. التواضع حتى يدرك كل طرف أنه ليس اليسار وحده، والشجاعة لتجاوز خلافات الماضي، والمسؤولية حتى لا تضيع فرصة جديدة أمام أعين المواطنين.

فإما أن تتحول هذه الكتلة إلى قوة موجودة بالفعل، تتحدث وتبادر وتراقب وتقترح، وإما أن تظل مجرد رقم جميل في النقاشات السياسية.

وليس الأمر بالصعوبة التي يمكن ان نتخيلها، ذلك أن منتخبين في الجماعات الترابية باسم الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد وفيديرالية اليسار الديموقراطي استطاعوا ان يقيموا تحالفات بينية سواء لتسيير مجالس جماعية، او لبناء معارضة إيجابية وقوية داخل هذه المجالس، كما أن قضايا مرتبطة بمطالب الحركة النسائية عرفت عملا مشتركا، ليس بين التنظيمات النسائية لأحزاب اليسار فقط، بل انفتحت كذلك على تنظيمات نسائية حداثية من خارج النسق الحزبي، والأمر نفسه يمكن ملاحظته في تجارب نقابية متقدمة.

الكرة في نهاية المطاف في مرمى قيادات أحزاب اليسار. أما شعب اليسار والمواطنون الذين منحوا ثقتهم لبرلمانييه، فقد ملوا من التشتت، وينتظرون من اليسار أن يكون كبيرا بما يكفي للاختلاف، وموحدا بما يكفي للفعل.

آخر الأخبار

أبو وائل الريفي في «بوح الأحد»: رسائل الصناديق وجدال بنكيران ومناورات الريف ومعركة إعادة بناء مجلس الصحافة
خصص أبو وائل الريفي «بوح الأحد» لقراءة ما بعد انتخابات 23 شتنبر، وما أفرزته من خريطة سياسية جديدة، قبل أن ينتقل إلى سلوك عبد الإله بنكيران خلال يوم الاقتراع وبعده، ثم إلى التحركات الانفصالية المرتبطة بالريف والعلاقات المغربية الإسبانية، ليختتم بملف إعادة بناء المجلس الوطني للصحافة وانتخاب قيادته الجديدة. رسائل الصناديق اعتبر أبو وائل أن […]
إصابة وافد جديد على الجيش بكسر في الساق وغيابه لعدة أسابيع
أعلن فريق الجيش الملكي لكرة القدم في إحاطة طبية عن تعرض لاعبه صلاح الدين الرحولي لكسر على مستوى عظم الساق، وذلك بناء على نتائج الفحوصات والكشوفات الطبية التي خضع لها. وكشف الفريق العسكري أن اللاعب سيبدأ برنامجا علاجيا وتأهيليا تحت إشراف الطاقم الطبي للفريق. وتحدد مدة غيابه المتوقعة عن الملاعب ما بين أربعة وستة أسابيع، […]
انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية.. دعوات إلى تنافس البرامج واحترام واجب التحفظ
دخلت انتخابات ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، برسم الولاية الثالثة الممتدة من 2027 إلى 2031، مرحلة الحملة التعريفية بالمرشحين وبرامجهم، في ظل دعوات صادرة عن قيادات مهنية قضائية إلى جعل هذا الاستحقاق مناسبة للتنافس على أساس البرامج والأفكار، مع الالتزام بواجب التحفظ الذي تفرضه طبيعة المهنة القضائية. وانطلقت، أول أمس الجمعة، عملية تقديم القضاة […]