ليس أقسى على المرء من أن يفني عمره في إنجاز مشروع ، وما أن يقف هذا الأخير على رجليه، ويرسخ موقعه في المشهد الاقتصادي، حتى يتفاجئ صاحبه بعدم وجود الخلف للحفاظ على هذا الإرث أو المضي به الأمام.
حالة تعيشها المقاولات العائلية، التي تمثل بالمناسبة الأغلبية الساحقة للمقاولات بالمغرب، إما لأن رب العائلة لم يرزق بالذرية، أو لأن الأبناء لهم اهتمامات بعيدة عن كل ما يمت بصلة للمقاولة.
يتعلق الأمر بأزمة “تواصل بين الأجيال”، تتهدد هذه المقاولات بالانقراض، ولكن أيضا تداعيات جد سلبية على النسيج الاقتصادي الوطني، كما يظهر ذلك من خلال أول دراسة في الموضوع، قدمت أمس الخميس بالدار البيضاء بحضور وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور إلى جانب كل من قاسم بناني سميرس، رئيس معهد المقاولة العائلية، وشيخ عمر سيلا،المدير الإقليمي لمؤسسة التمويل الدولية لشمال إفريقيا والقرن الإفريقي.
من الأرقام الصادمة لهذه الدراسة المنجزة من طرف معهد المقاولة العائلية بالمغرب، أن نسبة 15 في المائة، فقط، من هذه المقاولات تتمكن من الوصول إلى الجيل الثالث.
يأتي ذلك في الوقت الذي تمثل المقاولات العائلية، 92,9 في المائة من المقاولات المغربية مقاولات عائلية، كما تنتج أزيد من 60 في المائة من القيمة المضافة الوطنية، تساهم في إحداث نحو 65 في المائة من مناصب الشغل بالمغرب، أي ما يقارب 6,3 ملايين منصب شغل، حسب هذه الدراسة الممولة من طرف المؤسسة الدولية للتمويل، التابعة للبنك الدولي.
يعني ذلك أن المقاولات العائلية ليست مهمة لأصحابها فقط، بل للنسيج الاقتصادي ككل، ومن شأن عدم الانتقال بين الأجيال أن يتسبب فقدان مناصب الشغل، وضياع كفاءات استراتيجية، وتراجع الخبرات والمعارف المتراكمة عبر عقود، بما يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني.
لكن رغم ذلك، فإن هذه المقاولات تعيش على وقع أزمة انتقال بين الأجيال، إذ يبلغ متوسط استمرارية المقاولات العائلية 24,2 سنة، بينما يقود الجيل الثاني نحو 31 في المائة من هذه المقاولات، فيما نسبة 5 في المائة منها فقط تجاوزت سقف الخمسين سنة من التواجد وبلغت الجيل الثالث أو أكثر.
