يكشف التقرير المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2025 عن واقع مقلق للمؤسسات السمعية البصرية العمومية في المغرب، حيث تواجه تحديات مالية وتنظيمية جمة تهدد استدامتها على المدى البعيد. فرغم الجهود المبذولة للتأقلم مع المتغيرات الرقمية المتسارعة، تظهر المؤشرات تراجعاً ملحوظاً في الأداء المالي والجماهيري لهذه المؤسسات.
فالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ورغم تسجيلها ارتفاعاً طفيفاً في نسب المشاهدة اليومية من 16% سنة 2022 إلى 17.5% سنة 2023، إلا أنها تعاني من عجز مالي كبير بلغ 589 مليون درهم. هذا العجز يأتي رغم الدعم الحكومي السخي الذي وصل إلى 1.517 مليون درهم، مما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة التدبير المالي للمؤسسة وقدرتها على تحقيق الاستدامة المالية.
أما شركة الدراسات والإنتاجات السمعية البصرية، فوضعها لا يقل إثارة للقلق. فرغم احتلال القناة الثانية المركز الأول في سوق الاستثمار الإعلاني المغربي بنسبة 61.8%، إلا أن الشركة سجلت خسائر متراكمة وصلت إلى 764 مليون درهم في 2023، متفاقمة من 437 مليون درهم في السنة السابقة. هذا التدهور المالي المتسارع يستدعي إجراءات استعجالية وإعادة هيكلة جذرية.
ومما يزيد الوضع تعقيداً التراجع المستمر في عائدات الإشهار وتكاليف الإنتاج المتزايدة، في ظل منافسة شرسة من المنصات الرقمية والقنوات الفضائية. وتبدو خطط التعافي المستقبلية المعلنة متواضعة مقارنة بحجم التحديات، إذ تتوقع شركة الدراسات والإنتاجات السمعية البصرية تحقيق نتائج إيجابية تدريجية تصل إلى 33 مليون درهم في 2025، و28 مليون درهم في 2026.
إن هذا الواقع يستدعي إعادة النظر في نموذج الحكامة والتمويل للإعلام العمومي المغربي، مع ضرورة إيجاد توازن بين الخدمة العمومية والاستدامة المالية. فالاعتماد المفرط على الدعم الحكومي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، والحاجة ملحة لتطوير مصادر تمويل مبتكرة وتحديث آليات الإنتاج والبث بما يتماشى مع متطلبات العصر الرقمي، مع الحفاظ على الدور الاجتماعي والثقافي المنوط بهذه المؤسسات العمومية.
