قال أن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير سياسات عمومية موجهة خصيصاً لأبناء الجالية
سجلت عملية مرحبا 2025، في السنة الماضية، رقم عبور قياسي تجاوز 4 ملايين من مغاربة العالم .. ما بين سطور الرقم، يتجاوز الأمر كونه أيام عطل عادية، أو مجرد وقت مستقطع من إيقاع بلد الإقامة، إنه جسر عبور سنوي يعكس حرص الأسر المغربية على ربط الجيل الجديد بجذوره، و إشراكه في متعة حسية يرجي من خلفها استشعار متعة الإنتماء، والتقاط إشارات حركيته التنموية التي تجعل من الجيل الجديد جزء في بناء المستقبل بمختلف تجلياته، سواء الرياضية أو الاقتصادية أو ا لثقافية …
عن أسباب هذا الحرص الأسري لزيارة المغرب، ودوره في تمكين الجيلين الثالث والرابع من بناء هوية على أرض صلبة ; وحول سبل تجاوز مخاطر”صدمة ثقافية” للجيل الجديد بعيدا عن إكراهات المفاضلة بين قيم البلد الأصل وبلد الإقامة ; وحول التوجيهات الواعية التي يمكنها أن تجعل من هذه الزيارة السنوية فرصة لمشروع تربوي وثقافي متكامل، كان لنا الحوار التالي، مع الدكتور عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج.
*تختار العديد من الأسر المغربية بالخارج ضمان الزيارة السنوية لأبنائها إلى أرض الوطن، ما الحافز خلف هذا الحرص الأبوي للحفاظ على صلة الوصل بين الوطن والجيلين الثالث والرابع؟
إن حرص عدد كبير من الأسر المغربية المقيمة بالخارج على ضمان زيارة أبنائها للمغرب مرة واحدة على الأقل كل سنة لا يرتبط فقط بالرغبة في قضاء العطلة الصيفية أو صلة الرحم، بل يعكس وعياً عميقاً بأن الهوية لا تُورَّث بالجينات ولا تُختزل في الوثائق الإدارية، وإنما تُبنى عبر التجربة الحية والذاكرة الجماعية والتفاعل المباشر مع المجتمع والثقافة. فالأسرة المغربية تدرك أن الطفل الذي يلتقي بأجداده وأقاربه، ويعيش تفاصيل الحياة اليومية بالمغرب، ويتعرف على مدنه وقراه، ويسمع لغاته ولهجاته، ويشارك في مناسباته الدينية والاجتماعية، يكتسب رصيداً وجدانياً وثقافياً يصعب أن توفره وسائل التواصل أو الزيارات الافتراضية.
وقد أكدت إحدى الدراسات الميدانية التي أنجزها مجلس الجالية المغربية بالخارج حول «فهم الشباب المغربي في الهجرة»، وشملت ست دول أوروبية واعتمدت على عينة تقارب 1400 شاب وشابة، أن أكثر من 90% من المستجوبين يزورون المغرب مرة واحدة على الأقل كل سنة. والأهم من ذلك أن نسبة كبيرة منهم عبرت عن رغبتها في التعرف على التحولات التي يعرفها المغرب في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والرياضية. وهذا يدل على أن الأجيال الجديدة لا تبحث فقط عن زيارة العائلة، بل تتطلع أيضاً إلى فهم المغرب المعاصر، والاطلاع على ديناميته التنموية، والشعور بأنها جزء من مستقبله.
كما أن الدولة المغربية واكبت هذا الحرص الأسري بجملة من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي عززت ارتباط أبناء الجالية بوطنهم الأم. ويأتي في مقدمتها تعديل قانون الجنسية الذي مكن الأم المغربية من نقل جنسيتها إلى أبنائها، وهو إصلاح استراتيجي رسخ الرابطة القانونية إلى جانب الرابطة الوجدانية والثقافية، وأكد أن أبناء الجالية، مهما كانت ظروف ميلادهم أو إقامتهم، يظلون جزءاً من الجماعة الوطنية.
ولعل أفضل دليل على نجاح هذا الاستثمار الأسري والمؤسساتي يتمثل في التجربة الرياضية المغربية. فالإنجازات التاريخية التي حققها المنتخب الوطني في كأس العالم لم تكن لتتحقق لولا مساهمة عدد كبير من اللاعبين المنحدرين من الجالية المغربية، الذين ولدوا وتكونوا في بلدان المهجر، لكنهم اختاروا حمل القميص الوطني والدفاع عن راية المغرب. ولم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة، بل كان ثمرة تربية أسرية حافظت على الروابط مع الوطن، وعلى اللغة والثقافة والزيارات المنتظمة، إلى جانب سياسات وطنية أبقت باب الانتماء مفتوحاً أمام الأجيال الجديدة.
لقد أثبت هؤلاء اللاعبون أن الهوية المغربية لا تشكل عائقاً أمام الاندماج في مجتمعات الإقامة، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة وإبداع وإشعاع دولي. وهذا درس يتجاوز المجال الرياضي، لأنه يبين أن الاستثمار في ارتباط أبناء الجالية بوطنهم ليس استثماراً عاطفياً فقط، بل هو استثمار استراتيجي في الرأسمال البشري المغربي، وفي تعزيز حضور المملكة وإشعاعها في العالم
*إلى أي حد تنجح هذه الزيارات السنوية في تزويد الأطفال بما يحتاجون إليه لبناء هوية على أرض صلبة رغم التباين الثقافي مع دول الإقامة؟
تنجح هذه الزيارات بقدر ما تتحول من مجرد عطلة عائلية إلى تجربة تربوية وثقافية متكاملة. فالهوية لا تُبنى عبر الخطاب وحده، وإنما من خلال الاحتكاك المباشر بالمكان والناس والتاريخ. لذلك، عندما يزور الطفل المغرب ويلتقي بأفراد أسرته، ويكتشف مدنه، ويزور معالمه التاريخية، ويتعرف على تنوعه الثقافي واللغوي والحضاري، فإنه يراكم تجربة وجدانية ومعرفية تمنحه شعوراً بالانتماء يصعب أن توفره المدرسة أو وسائل الإعلام في بلد الإقامة.
غير أن التحدي اليوم لم يعد يكمن في ضمان الزيارة السنوية في حد ذاتها، بل في مضمونها. فإذا اقتصرت على اللقاءات العائلية أو المناسبات الاجتماعية، فإن أثرها يبقى محدوداً، أما إذا تحولت إلى فرصة لاكتشاف المغرب في تاريخه وحاضره ومستقبله، فإنها تصبح مدرسة حقيقية لبناء الهوية. فالجيلان الثالث والرابع لا يريدان فقط معرفة المغرب الذي عاش فيه الآباء والأجداد، بل يريدان أيضاً التعرف على المغرب الذي يبني اليوم بنياته التحتية، ويطور جامعاته، وصناعته، واقتصاده، وريادته في مجالات الرياضة والثقافة والطاقات المتجددة والابتكار.
ولهذا، فإن مسؤولية ترسيخ هذا الارتباط لا ينبغي أن تبقى مسؤولية الأسرة وحدها، بل يجب أن تتحول إلى سياسة عمومية متكاملة. فالمغرب يتوفر اليوم على فرصة حقيقية لتطوير برامج وطنية موجهة لأبناء الجالية خلال فترة إقامتهم الصيفية، تمكنهم من اكتشاف التاريخ المغربي، والحضارة المغربية، والمؤسسات الدستورية، والمتاحف، والمواقع الأثرية، والجامعات، والمشاريع التنموية الكبرى، والمقاولات المبتكرة، حتى تتكون لديهم صورة متكاملة عن المغرب، تجمع بين عمقه الحضاري وديناميته التنموية.
كما يمكن تنظيم مخيمات ثقافية ومنتديات شبابية تجمع أبناء الجالية بشباب الداخل، بما يتيح تبادل التجارب والخبرات، ويعزز الإحساس بالانتماء إلى مجتمع واحد، رغم اختلاف فضاءات التنشئة. فمثل هذه المبادرات تسهم في بناء روابط إنسانية مستدامة، وتجعل أبناء الجالية يشعرون بأنهم ليسوا زواراً موسميين، وإنما جزء من المجتمع المغربي.
وفي هذا الإطار، تكتسي التوجيهات الملكية المتعلقة بإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج أهمية خاصة، لأنها تفتح آفاقاً جديدة للانتقال من تدبير قضايا الجالية إلى بناء سياسة استراتيجية تجاهها، قوامها الاستثمار في الأجيال الجديدة. ومن المنتظر أن تضطلع هذه المؤسسة بدور أساسي في تنسيق البرامج الثقافية والتربوية، وإعداد عرض متكامل يواكب تطلعات أبناء الجالية، ويعزز ارتباطهم بالمغرب من خلال المعرفة والثقافة والمواطنة، حتى تتحول الزيارة السنوية من مناسبة عائلية إلى محطة أساسية في بناء الهوية وترسيخ الانتماء.
*كيف تنظرون إلى الدور الذي يلعبه المحيط الأسري، وهل يمكن أن يتحول إلى عامل “صدمة ثقافية” في حال التباين الكبير بين قيم المحيط العائلي وقيم دول الإقامة؟
تظل الأسرة الفضاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الطفل، وهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها اللغة، ويكتسب القيم، ويتعرف على تاريخه، ويبني إحساسه بالانتماء. ولذلك فإن دورها في حياة أبناء الجالية يظل محورياً، لأنها تمثل الحلقة التي تصل بين الوطن الأصلي ومجتمع الإقامة، وتنقل للأجيال الجديدة الذاكرة الجماعية والثقافة المغربية بكل مكوناتها.
غير أن هذا الدور يفرض اليوم تحديات جديدة. فالأجيال الثالثة والرابعة تعيش يومياً داخل منظومات تربوية وثقافية مختلفة، وتتفاعل مع فضاءات رقمية وإعلامية عالمية، وهو ما يقتضي من الأسرة أن تنتقل من منطق المحافظة على العادات إلى منطق تفسيرها وإبراز دلالاتها الحضارية والإنسانية. فالأبناء اليوم لا يكتفون بمعرفة “ما الذي نفعله؟”، بل يسألون أيضاً: “لماذا نفعله؟” وإذا لم يجدوا أجوبة مقنعة، فقد يبحثون عنها في مصادر أخرى قد لا تعكس خصوصية النموذج المغربي.
أما الحديث عن “الصدمة الثقافية”، فأعتقد أن هذا الخطر لا ينتج عن تعدد الانتماءات في حد ذاته، وإنما عن طريقة تدبيرها. فإذا قدمت الأسرة المغرب باعتباره النموذج الكامل، وصورت مجتمع الإقامة باعتباره فضاءً مناقضاً لقيمها، فإن الطفل قد يشعر بأنه مطالب بالاختيار بين عالمين متعارضين، وهو ما قد يخلق لديه ارتباكاً في بناء شخصيته.
في المقابل، عندما تقدم الأسرة الهوية المغربية باعتبارها رصيداً حضارياً وثقافياً يثري شخصية الأبناء، وتغرس فيهم قيم الانفتاح والاعتدال واحترام الاختلاف، فإنها تساعدهم على بناء هوية متوازنة. فالانتماء إلى المغرب لا يتعارض مع المواطنة الكاملة في بلد الإقامة، بل إن التجارب الدولية تؤكد أن الشخص الواثق من هويته يكون أكثر قدرة على الاندماج الإيجابي والمشاركة الفاعلة في المجتمع الذي يعيش فيه.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس أن يعيش أبناء الجالية حالة مفاضلة بين ثقافتين، وإنما أن ينظروا إلى انتمائهم المغربي باعتباره قيمة مضافة تمنحهم ثراءً إنسانياً وثقافياً. وهذا ما يجسد مفهوم «تمغربيت» في بعده الحضاري، باعتباره هوية منفتحة تستوعب التعدد، وتقوم على التعايش والاعتدال، وتمنح أبناء الجالية القدرة على الجمع بين الوفاء لجذورهم والانخراط الكامل في مجتمعات الإقامة، دون شعور بالتناقض أو الانقسام الداخلي.
*ما نصيحتكم للأسر حتى تكون هذه الزيارة السنوية ذات مردود نفسي وثقافي يمكن من ربط الأجيال بهويتها دون شعور بانقسام داخلي؟
أعتقد أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تشجيع الزيارة السنوية في حد ذاتها، وإنما على تحويلها إلى مشروع تربوي وثقافي متكامل. فالأسرة مدعوة إلى أن تجعل من فترة الإقامة بالمغرب فرصة لاكتشاف الوطن، وليس فقط لزيارة الأقارب. ومن المهم أن يطلع الأبناء على تاريخ المغرب، وحضارته، وتنوعه الثقافي واللغوي، وأن يزوروا المتاحف والمواقع التاريخية، ويتعرفوا على الأوراش التنموية الكبرى، وأن يلتقوا بشباب من داخل المغرب، حتى يكتشفوا بلداً يتحرك ويتطور، لا مجرد فضاء يرتبط بذكريات العائلة.
لكن نجاح هذا الورش يظل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة والمؤسسات العمومية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير سياسات عمومية موجهة خصيصاً لأبناء الجالية، تجعل من زيارتهم السنوية مناسبة للتكوين واكتشاف المغرب، من خلال برامج ثقافية وتربوية، ومسارات للتعريف بالتاريخ الوطني، وبالمؤسسات الدستورية، وبالجامعات، وبالمشاريع الاقتصادية والعلمية والثقافية، حتى يصبح ارتباطهم بالمغرب قائماً على المعرفة والمشاركة، وليس فقط على الحنين والذاكرة.
وفي هذا الإطار، تكتسي التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج أهمية استراتيجية. فمن المنتظر أن تشكل هذه المؤسسة رافعة جديدة لتجديد حكامة العلاقة مع الجالية، وأن تنسق بين مختلف المتدخلين من أجل بلورة عرض ثقافي وتربوي متكامل يستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، ويجعل من الثقافة المغربية أحد أهم جسور الارتباط بالوطن.
كما ينتظر منها أن تعمل، بتنسيق مع مختلف القطاعات الحكومية، على إطلاق برامج خاصة بأبناء الجالية خلال إقامتهم بالمغرب، وأن تدعم المبادرات التي تمكنهم من التعرف على تاريخ المملكة، وتنوعها الحضاري، ومؤهلاتها الاقتصادية، وأوراشها التنموية، بما يعزز شعورهم بالانتماء، ويجعلهم شركاء في مستقبل وطنهم.
ويظل الإعلام العمومي بدوره شريكاً أساسياً في هذا الورش، من خلال إنتاج برامج ووثائقيات ومنصات رقمية موجهة لأبناء الجالية بلغات متعددة، تعرفهم بالمغرب المعاصر، وتبرز غناه الثقافي والحضاري، وتقدم مفهوم «تمغربيت» باعتباره هوية جامعة تقوم على التعدد، والانفتاح، والاعتدال، والتعايش، والوفاء للثوابت الوطنية.
ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير برامج وبيداغوجيا تعليم اللغة العربية والأمازيغية والثقافة المغربية، حتى تراعي خصوصيات أبناء الجيلين الثالث والرابع الذين نشؤوا في بيئات متعددة اللغات والثقافات. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من أساليب التعليم التقليدية إلى مناهج حديثة وتفاعلية توظف الوسائط الرقمية، وتربط اللغة بالتاريخ، والفنون، والقيم، والحياة اليومية، حتى يشعر الأبناء بأن تعلم لغة وطنهم وثقافته ليس عبئاً إضافياً، بل فرصة لاكتشاف جزء أساسي من شخصيتهم. فالرهان الحقيقي ليس أن نطلب من أبناء الجالية الاختيار بين ثقافة بلد الإقامة وثقافة وطن الأصل، وإنما أن نمكنهم من الجمع بين الانتماءين في إطار هوية متوازنة وواثقة. فكلما كان ارتباطهم بالمغرب قائماً على المعرفة والثقافة والمواطنة، كانوا أكثر قدرة على الاندماج الإيجابي في مجتمعات الإقامة، وأكثر استعداداً ليكونوا جسوراً للتواصل بين المغرب والعالم، ورأسمالاً بشرياً واستراتيجياً يساهم في تعزيز إشعاع المملكة والدفاع عن مصالحها في مختلف المجالات
