ما يقع في سبتة منذ أيام، مؤلم، ومحزن، ومدمي لكل الحواس، بالنسبة لكل مغربي، ولكل مغربية دون أي استثناء.
وما يقع في سبتة منذ أيام مرآة كبيرة أهدتنا نفسها، لكي نرى وجهنا، بكل بثوره وخدوشه، ومعالم قبحه، وهي موجودة وحقيقية، في المرآة.
وبعيدا عن الذين ركبوا موجة “الحريك” الجديدة هذه من أجل قليل أو كثير من أموال “البوز”، وهو شكل من أشكال التسول الجديد أو “السعاية” الجديدة (على وزن الإعلام الجديد).
وبعيدا أيضا عن المزايدين السياسويين بموضوع اجتماعي جد معقد لا يقبل المزايدة، هناك كلام لا بد من قوله عن هذا الجيل الهارب منا و”الهارب علينا”، والهارب إلى حيث لا يدري، وهو كلام قد لا يروق الجموع وشعبويتها، لكنه فرض نفسه اليوم، وسيقال.
ذلك أننا عندما نسمع طفلا في الثانية عشرة من العمر يقول لنا “هاد البلاد ما عطاتني والو”، لا ينبغي أن نناقشه.
لا، أول خطوة يجب أن نقوم بها هي التفكير جديا، مثلما فعلت دول أكثر منا تقدما، في منع وصول القاصرين إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يحفظون بغباء هذا الكلام، ويشاهدونه، ويطبعون معه، ويرددونه بعد ذلك، وكأنهم فعلا يفهمون معناه.
وعندما نرى أبا أو أما في نهاية العشرينيات أو منتصف الثلاثينيات، يرفضان استعادة ابنتهما إليهما، ويقولان “خليها تدبر على راسها، حنا ما قادينش عليها”، تكون مضطرا للتساؤل عن موانع الحمل ومدى وجودها في البلد (من “كينة الهلال” حتى العازل الطبي، حتى تقنية قدمائنا والأجداد، أي العزل، حين عدم الرغبة في إغراق كوكب الكرة الأرضية بمزيد من البؤساء غير المقدور على تربيتهم بشكل سليم)، وتطرح فعلا بشكل جدي الاستفسارات كلها حول معنى الأبوة والأمومة، والفرق بين ما هو بيولوجي/ حيواني فقط، نتاج عملية الجماع من تلك التي تشترك فيها كل كائنات الأرض، بما فيها الحيوانات، وبين التربية الأسرية ومعانيها.
وعندما ترى صغارا لم يدرسوا، ولا يرغبون اليوم في أي درس، ولم يتعلموا أي حرفة، ولا يرغبون اليوم في تعلم أي شيء، يجولون اليوم، بأعين تائهة داخل الثغر السليب، وهم يتسولون إفطارهم، والغذاء، والعشاء، ويقضون حاجتهم الطبيعية في الشارع الذي ينامون فيه، فقط لأننا جميعا – جميعا ودون أي استثناء – أقنعناهم، بشكل أو بآخر، وبحسن نية أو بسوئها، أن “قطران بلادات الناس”، أفضل بكثير من عسل بلادهم، (مع اشتغال بعضنا بقوة وعنف يوميا على إقناعهم بألا وجود للعسل أصلا في هذا البلد)، نكون جميعا ملزمين بوضع السؤال على الجرح هو وملحه : لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وإلى متى؟ وما الحل؟
قد نتقاذف المسؤوليات كلها، بشكل سخيف وغبي مجددا، بيننا إلى يوم الدين، وقد نوجه الاتهامات لبعضنا البعض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لكننا لن نحل – بهذا اللعب البليد – الإشكال، وسيظل الجيل الهارب إلى مخدراته ومختلف مذهبات العقل هنا داخل الوطن، أو الهارب إلى جحيم غربة قيل له – كذبا وزورا وبهتانا – إنها الجنة كلها، هاربا منا و “هاربا علينا”، لا يدري إلى أين.
المهم، أنه هارب.
والأكثر أهمية هو أنه اقتنع بأن الهروب هو حل، أو هو الحل.
الهروب بكل أشكاله.
الهروب من مواجهة الحياة حقا.
الهروب من تحمل المسؤولية.
الهروب من النقد الذاتي.
الهروب من الكفاح الضروري من أجل الوصول إلى هدف ما.
الهروب من الدراسة.
الهروب من العمل.
ثم الأهم: “اللهطة” أو الرغبة في الربح السريع، تلك الآفة التي ربيناها فيهم، وجعلناهم يؤمنون أنها تعني النجاح في الحياة، والتي أنتجت لنا “بارد الكتاف” الذي يريد فقط جني المكاسب، دون القيام بأي جهد.
هل يبرئ هذا الكلام الصادق السياسيين والمسؤولين؟
لا، بالعكس، هم ونحن الأسر، أمهات وآباء شغلتهم الحياة عن الاهتمام بالأبناء حقا، ومدارسنا التي استقالت من مهمة التربية قبل التعليم، جميعا سواسية، وكلنا متهمون بولادة، وعدم تربية هذا الجيل الهارب منا، و”الهارب علينا”.
سيبدأ الحل فقط، عندما نعترف جميعا، دون إكراه بأننا فعلا مسؤولون.
أما إذا واصلنا نحن جميعا عملية الهروب من تحمل المسؤولية، فلا يحق لنا أن نسب أو نشتم الفارين والفارات الجدد والجديدات.
لنقل إنهم فقط يقلدون هاربين وهاربات كبار وكبيرات، لم يقدموا لهم ولهن خارطة طريق تعفي هذا الجيل المسكين وعثاء هذا السفر المذل والمهين… لنا جميعا.
“قطع… الله يدير الخير”، مثلما يقولون هم في مواقع التقائهم وهروبهم الافتراضية، وفي كل الفيديوهات.
